الإسماعيلية: شيعة فتحوا باب الفلسفة

الإسماعيلية: شيعة فتحوا باب الفلسفة
المركز الإسماعيلي في لندن

الحديقة

تسير في ممر طويل أرضيته من الرخام الأبيض المزين بأشكال هندسية. على جانبيه أعمدة إضاءة رخامية بيضاء فيها خطوط عريضة مطعمة بلون العسل والزبدة. ينتهي بك الدرب عند سور للمدينة شيّده صلاح الدين الأيوبي قبل 800 عام، واكتشفه مهندسون تحت أكوام من الحجار والقمامة. تلفك برك من الماء والكثير من الخضرة والأشجار.

كل هذا في حديقة الأزهر التي تقبع في قلب القاهرة الفاطمية وعلى مساحة 80 فداناً تقريباً. أينما نظرت ترى خيالاً في الأفق لمآذن من مساجد تاريخية تُعرف بها منطقة الدرب الأحمر. حديقة الأزهر، أو الجنينة كما يسميها أهل مصر، هي هدية من مؤسسة الأغاخان للتنمية إلى مصر.  

يجمع بين العمارة وقاهرة المعز والدولة الفاطمية وشبكة مؤسسات الأغاخان أشياء كثيرة، لعل أهمها الطريقة الإسماعيلية.

من يخلف الإمام جعفر الصادق؟

الإسماعيليون هم مسلمون من خلفيات وجنسيات مختلفة، وهم اليوم ثاني أكبر جماعة شيعية في العالم الإسلامي، ينتشرون بالملايين كأقلية دينية في حوالي 25 دولة. ويتركز معظمهم في دول وسط آسيا كأفغانستان وطاجاكستان وشمال باكستان، بالإضافة إلى الهند وإيران وسوريا وشرق أفريقيا وأوروبا وشمال أمريكا.

وهم يؤمنون بالله الأحد، وبمحمد كآخر الرسل وبقرآنه، وبوجود إمام ذي سلطة روحانية ودينية يقود المسلمين. ويكون الإمام من أهل البيت، أي من سلالة الرسول محمد الذي لم يترك ذرية من بعده إلا إبنته فاطمة وأبناءها من زوجها وابن عمه علي بن أبي طالب.

يحمل الإمام عند الإسماعيليين على عاتقه مسؤولية إرشاد المسلمين الذين يتبعونه ويؤيدونه في كل زمان ومكان. وله كامل الحرية في اختيار الإمام الذي يخلفه من ذريته. 

وقد بدأت الطريقة الإسماعلية بالتشكل بعد عهد إمام الشيعة السادس، جعفر الصادق. كان الصادق قد أوصى بالإمامة من بعده لإبنه إسماعيل. لكن إسماعيل مات، ويقال إنه اختبأ أو اختفى ولم يظهر مجدداً، خلال حياة والده.

هنا، وعند اختيار إمام يخلف الصادق، انقسم جمهور الشيعة ووقع الخلاف بينهم. رأت مجموعة أن إسماعيل ابن جعفر هو آخر الآئمة ولم يبايعوا من بعده أحداً. اتخذت هذه المجموعة طريقها وهم من يعرفون اليوم بالشيعة السبعية.

وبايعت مجموعة أخرى أخاه موسى الكاظم، لتستمر الإمامة من نسله وتصل إلى الإمام الثاني عشر، المهدي، الذي غاب واختفى، ولم يعلم أتباعه أين آل به المآل. فقرروا أن الإمامة توقفت، وأن المهدي حي وسيعود ليظهر في آخر الزمان. هؤلاء هم من يعرفون اليوم بشيعة الاثني عشريين، وهم الفئة الشيعية الأكبر في عصرنا الحالي.

أما المجموعة الثالثة، فقد رأت أن اختيار الإمام جعفر الصادق لإبنه إسماعيل يعني أن تبقى الإمامة ضمن سلالته، فبايعوا إبنه محمد بن إسماعيل، وقد سميت هذه المجموعة بالإسماعيليين نسبة إليه. ولعل الفرق الذي يميز الإسماعيليين في موضوع الإمامة هو استمرارها وعدم انقطاعها حتى يومنا الحالي.

الأغاخان

أن يكون الإمام حاضراً يعني أن تنعكس رؤيته للدين وتفسيره للنص، مهما كانت هذه الرؤية عصرية وبعيدة عن الطريقة السائدة، على أتباعه. فلا تخوف لدى الجماعة من نبذ تفاسير قديمة إذا قام الإمام بتبني طريقة عملية وحثهم على التجديد وتطوير مفهوم الدين. 

وهو ما يقوم به اليوم الإمام الـ49، الأغاخان كريم الحسيني، الذي تتبعه الغالبية العظمى من الإسماعيليين، وهم فئة النزاريين. أما الفئة الأخرى فهي المستعلية الطيبية. علماً أن مقالنا هذا محصور بالإسماعليين النزاريين.

يرى الإسماعيليون أن الإيمان هو أسلوب حياة، وفصله عن العيش اليومي مستحيل، لذا فإن للإمام دورين: الأول هو الإرشاد الديني وتفسير معنى الإيمان، والثاني هو بذل جهده لتسهيل حياة المؤمنين ورفع مستوى معيشتهم وضمان أمنهم واستقرارهم.

هذا هو الدور الذي تحاول مؤسسات الأغاخان الكثيرة والمتشعبة القيام به.  فبمؤسسات طبية، وتعليمية، وهندسية، واقتصادية وتنموية وأكاديمية، يحاول الأغاخان توفير حياة أفضل وأكثر تسامحاً وانفتاحاً للإسماعيليين في مجتمعاتهم، ويحثهم على الانخراط والتعايش بانسجام مع من حولهم.

إلا أن تعاليمه لهم في الوقت الحالي قلما تكون تشريعية دينية، بل هي حث على التعلم والتأقلم وتطوير النفس والاجتهاد.

في جنوب كينسينتون

في منطقة جنوب كينسينتون، مقابل متحف فيكتوريا وألبرت، يقبع بناء لا يشبه الحي اللندني بشيء. كبير، مربع وزواياه قائمة، لا زركشة فيها، شُيّد من رخام رمادي فاتح وله نوافذ طويلة مستطيلة تغطيها مشربيات خشبية، يزداد حضورها وضوحاً لتباينها بشرقيتها مع محيطها البريطاني. تأخذك هذه النوافذ إلى شارع المعز في القاهرة.
هذا المركز الإسماعيلي في لندن، والذي شيد عام 1985، هو أول المراكز التي أنشأتها مؤسسة وأمانة الأغاخان الخيرية حول العالم. تلته خمسة مراكز، تعد تحفاً معمارية في كندا وليشبونة ودبي والعاصمة الطاجيكيستانية، دوشنبه.

الباطنية 

"الإسماعيلية هي تفسير للإسلام، يعير اهتماماً كبيراً لروح الإيمان بدل التركيز على شكله"، بهذه الكلمات، ومن على طاولة مستطيلة أمام مكتبه الصغير في إحدى زوايا ذلك البناء في جنوب كينسينتون، لخص لنا الدكتور عباس، منظم التعليم الديني في المركز الإسماعيلي في لندن، الطريقة الإسماعيلية. هو بريطاني من أصول باكستانية، يستمع كثيراً، ويبتسم ويتحدث بهدوء.

"تأمل في القرآن وستجد عبارات مكررة فيه: أفلا تتدبرون، أفلا تعقلون، أفلا تفقهون. كلمات قوية، توجهنا إلى التحرر والتأمل والتفهم وترمز إلى كل نشاط عقلي فلسفي"، أضاف عباس.

لا شك أن باب الفلسفة أكثر انفتاحاً لدى الإسماعيليين من باقي التفاسير الإسلامية الأخرى، ولعل الصوفية بطريقتها هي الأقرب من حيث العلاقة بين التعقل والتفكر والفلسفة وبين الدين.

مساحة الاجتهاد الخاص في فهم القرآن واسعة لدى المذهب الإسماعيلي الذي يطالب المؤمنين بالالتزام بالبحث المتواصل عن الحقيقة ومعاني القرآن وتطوير الذات وتحسينها. الخطوط الحمراء التي تخرج عن الملة واضحة لكنها بحسب قوله ليست كثيرة: الإيمان بالله وبمحمد وبالقرآن وقبول سلطة الأمام وإرشاداته.

دور الإمام بطبيعة الحال لا يمس تفاصيل الحياة اليومية للمؤمن، فهو يرشدهم بدون أن يفرض عليهم خيارات محددة.  فمبدأ الفتوى التقليدي في تفاصيل الحياة اليومية غير موجود لدى الإسماعيليين. ما يفعله الإمام هو رسم الحدود، ومن ثم يترك حرية الحركة للناس ضمنها. 

فهو مثلاً لا يرى الحاجة إلى فرض زي معين على النساء كالحجاب أو تغطية جزء معين من الجسم. ولكن يأمر بالحشمة، وهي مفهوم واسع يختلف بتغيير المجتمع والعصر.

يوضح الدكتور عباس الفرق بين مفهوم الحلال والحرام بين التفاسير الإسماعيلية وغيرها من المناهج الإسلامية، ويقول: "لدينا بالطبع فكرة الحلال والحرام، فبدونها لا وجود للدين، لكن ما لا نريده هو تحويل الدين إلى طقوس فيصبح عبارة عن خانات سوداء وبيضاء، والدين ليس كذلك، ليس أسود وأبيض، بل يتحلى بالكثير من المرونة".

حتى التوحيد والإيمان بالله لهما تفاسير مختلفة. "قول لا إله إلا الله ومفهوم التوحيد كبير جداً، فما معنى أن الله واحد؟ هل هو واحد فرد أم واحد شامل لكل الوجود؟ مفاهيم التوحيد مختلفة نفهمها بطرق مختلفة وعلى قدر معرفتنا واستطاعتنا".

يؤمن الإسماعيليون بالباطنية في فهم القرآن، والباطنية مفهوم لم يُفهم كثيراً في المجتمعات العربية. فيظن الكثيرون أن الأديان الباطنية هي التي تسعى لإخفاء معتقداتها وتحافظ على سريتها، في حين أن معنى الكلمة هو الإيمان برمزية القرآن واحتوائه على معان ظاهرية وأخرى باطنية. وهم بذلك يستندون للآيات التي تتحدث عم ضرب الأمثال ليتأمل بها الناس، كآية "وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ"، وآية: "وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُون".

تنطبق الرمزية على آيات القرآن التي تتحدث عن عذاب الآخرة، وهم في تفاسيرهم يتحرون المعاني الأبعد للآيات الوصفية التي استخدمت صوراً ورموزاً نفهمها ويمكننا تخيلها.

"نحن نؤمن بحياة الآخرة، لكن طبيعة الجنة والنار هي التي نختلف عليها ومثلنا يفعل الصوفيون. فالجنة والنار بمفهومنا غير محددين بمكان معين والعذاب ليس جسدياً بل هو عذاب روحي"، يقول الدكتور عباس. 

الصلاة عند الإسماعيليين بحسب الدكتور عباس حالتان، الأولى وهي الصلاة الجماعية، في الصباح والمساء. يسبقها الوضوء ويمكن أن تقام في مساجد السنة أو الشيعة أو في دور العبادة الإسماعيلية، دار الجماعة.

أما الصلاة الثانية فهي الصلاة الدائمة. "نحن نحاول أن نكون أكثر قرباً من خلاصة الدين وروحه، ونركز على معنى الصلاة وهو التواصل الروحاني مع الإله"، يقول الدكتور عباس.

ويضيف أنه لا يمكن فصل الأخلاق عن الصلاة، ففاسد الأخلاق لا تكتمل صلاته لأن الأصل في التواصل مع الله هو تطهير الأفكار وبالتالي الأفعال.

في الشندغة

في منطقة بر دبي القديمة، يمتد بناء رخامي أبيض على مساحة 13 ألف متر مربع. القباب والأقواس التي تزينه تأخذك إلى مساجد رأيتها في القاهرة الفاطمية. هذا البناء جديد وشيّد في دبي عام 2010، لكن في روحه شيئاً من الماضي.

وقد ارتبط الإسماعيليون بفن العمارة حول العالم منذ العام 1977 حينما خصصت أمانة الأغاخان للثقافة جائزة للأفكار والتصميمات الهندسية التي تحسن مستوى حياة المجتمع، كالحدائق أو إعادة ترميم مبانٍ أثرية أو مراكز للتبادل الثقافي.

الحكم والسياسة

لا تجتمع السلطة السياسية والطريقة الإسماعيلية اليوم لكن كان لها في الماضي عصر سياسي ذهبي، جعلها في مواجهة مباشرة مع الدولة العباسية التي حكمت العالم الإسلامي أنذاك. 

أسس الإسماعيليون دولتهم الأولى، الدولة الفاطمية عام 909، ليشمل حكمهم شمال أفريقيا وصقلية ويصل إلى حدود أفريقيا مع البحر الأحمر شرقاً، ودول بلاد الشام. وأصبح الإمام هو الحاكم والخليفة في دولتهم الجديدة. 

أسسوا مدناً وخلفوا آثاراً معمارية وطرازاً هندسياً جديداً لم تشهده المدن الإسلامية سابقاً.

بنى الخليفة المعز لدين الله القاهرة وجعلوها عاصمته، بعدما استقر في المنصورية في المغرب. وفي القاهرة تركوا إرثاً كبيراً، وقد شيدوا مسجد الأزهر الذي أصبح مركزاً للدين وللعلم.

في تاريخ الإسماعيليين مدن لها أهمية، فكانت السلمية في سوريا مقراً للدعوة الإسلامية المبكرة، بحسب كتاب الدكتور فرهاد دفتري في كتابه "الإسماعليون"، ومنها انطلقوا لتأسيس الدولة الفاطمية وتشييد مدن جديدة. 

وفي العصر العثماني، استطاع الأمير إسماعيل إبن الأمير محمد كسب صداقة السلطات العثمانية، وحصل على سماح في العام 1834 بإعادة إعمار السلمية وتجميع الإسماعيليين النزاريين فيها وفي القرى المحيطة بها حول مدينة حماة. وقد منحهم العثمانيون فيما بعد إمتيازات إضافية كالإعفاء من الخدمة العسكرية.

التمييز

ترى سيمين عبدالله، مديرة التواصل في مؤسسة الاغاخان للتنمية في باريس، أن الإسماعيليين يعيشون بأمان كأقلية دينية. "اليوم، كمجموعة، لا يواجه الإسماعيليون تهديداً ممنهجاً أو ملاحقات في أي دول العالم"، تكتب عبدالله في رسالة إلكترونية لرصيف22.

تاريخياً، يرى الدكتور دفتري في كتابه أنهم اتهموا في مجرى تاريخهم بالهرطقة والإلحاد، وأصبحوا محط استهداف قادة الدولة العباسية السنية الحاكمة آنذاك لاعتبارهم "الجناح الشيعي الأكثر ثورية وذا الأجندة الدينية".

وقد شهدوا كذلك فترات من الاضطهاد، بحسب الدكتور دفتري، اضطروا خلالها إلى ممارسة "التقية"، أي أن يختبئوا ويخفوا عقيدتهم ويظهروا على أنهم متصوفون أو سنة أو إثنا عشريون أو حتى هندوسيون، لاتقاء الشر في مجتمعاتهم.

وفي العصر الحالي، نشرت هيومن رايتس واتش تقريراً في العام 2008 تطرقت خلاله إلى التمييز الذي يعاني منه الإسماعيليون في مدينة نجران في جنوب السعودية وبالقرب من الحدود اليمنية.

ويتحدث التقرير عن استبعاد المسؤولين الحكوميين "أتباع الإسماعيلية من دوائر صناعة القرار ويقللون من قيمة مذهبهم الديني علناً".

وقد حدثت مواجهات بين الشرطة والاسماعيليين تلت تظاهرات عام 2000، وقامت السلطات السعودية "بسجن وتعذيب وإصدار الأحكام على عجلة بحق مئات من أتباع الإسماعيلية، كما قامت بنقل المئات من الموظفين الحكوميين من أتباع الإسماعيلية إلى خارج المنطقة".

حديقة الأزهر، البناء في جنوب كينسينتون ومحمية طبيعية في باماكو ومراكز شيدت بطراز معماري مميز ومشاريع تنموية في مجتمعات مختلفة. كلها ترمز لما يعنيه المذهب الإسماعيلي اليوم. فقد خرج من مرحلة الخوف و"التقية" وابتعد عن حرفية التفاسير. 

وقد وُضعت التفاصيل التشريعية جانباً وبات التركيز على جعل حياة الإسماعيليين أكثر انسجاماً وسهولة. قلما يتحدث الإسماعيليون عن فرق كافرة أو عقيدة خاطئة، فهو يتنافى مع فكرة التعددية لديهم وفي الوقت نفسه يضعهم في موقع الهجوم المضاد، وهم في آخر الأمر أقلية، لا تقدر على مواجهة التيارات الدينية الكبيرة المتصارعة.

يقول الدكتور عباس: "نؤمن بالتعددية ضمن الأمة الإسلامية، وتعني الإيمان الآخر وصواب إعتقاده، وقبول كل منا الآخر واحترامه". مضيفاً "في اللحظة التي ننعت الآخر بالكفر أو بالخطأ، سنضعه في خانة الدفاع عن النفس، وسيتهمنا بالشيء ذاته".

هالة دروبي

صحافية سورية عملت في النيويورك تايمز ومحررة في موقع ياهو. تحمل إجازة في علم النفس، وماجستير في الصحافة المكتوبة من جامعة كولومبيا في نيويورك.

التعليقات

المقال التالي