العلويون في سوريا اليوم

العلويون في سوريا اليوم

يكثر الحديث اليوم عما يحصل في سوريا بلغة طائفية، بتسليم مطلق ضمناً وعلناً أن "الطائفية" هي الشر المطلق. وهي اليوم من أقوى أسلحة الأطراف المتصارعة. من الأسباب التي تدفع الطائفية إلى موقع الصدارة، حاجة المجمتع السوري لمناقشة واقعه، وهي فرصة لم تتح في تاريخ البلد منذ تأسيسه. هذه هي المرة الأولى التي يناقش فيها الشعب السوري مشاكله، وإذ بالطائفية تتصدر النقاش، وتأخذ شكلاً عنيفاً ضارياً.

سوريا في التاريخ

لم تكن تركيبة سوريا الطائفية والعرقية يوماً موحدة على مدى الـ2000 سنة الأخيرة. فمع نهاية القرن الـ5 الميلادي، كانت سوريا أصبحت مسيحية بغالبية سكانها، وأصبحت الإغريقية لغة آدابهم. ومع تحول دمشق إلى عاصمة للإمبراطورية الإسلامية الأولى، مع الحكم الأموي، بدأ سكان البلاد تدريجياً اعتناق الإسلام، واعتماد اللغة العربية، فأصبحوا عرباً "مستعربة". إلا أن عملية الاستعراب هذه استغرقت قروناً طويلة، ومعها ظهرت طوائف جديدة، حتى أصبحت سوريا بلداً بجماعات عرقية ودينية متعددة، ولكن بغالبية سنية منذ أواخر القرن الـ12.

الهوية العلوية اليوم

ظهرت الطائفة العلوية في بدايات القن الرابع هجري، العاشر ميلادي، على يد مؤسسها "الحسين بن حمدان الخصيبي"، في العراق وسوريا. ومع مرور الوقت استوطنت في الإسكندرونة، واللاذقية، وطرطوس، وريف حمص، وريف حماة بصورة أساسية.

الهوية الطائفية العلوية، كغيرها من الأقليات الطائفية الأخرى في سوريا، أو أي بقعة في العالم، تمتد على طيف واسع من المتناقضات. فمن الإيمان العميق، إلى عدم الاكتراث، ومن وعي لتاريخيتها، إلى مغمغتها مع غيرها بسبب الجهل بمبادئها وعقائدها. ومن اختيارها كهوية عقائدية، أو ثقافية، إلى رفضها، أو إلى اختيار هوية مختلفة. وتوجد بين كل هذه المستويات مسافات شخصية، واختيارات متفاوتة في مواقف أبنائها مما يجري في سوريا. فهناك من يدعم النظام، وهناك من يعارضه قبل الثورة وبعدها. والأحزاب السورية السرية التي ضربها النظام، وزج بأعضائها جميعاً تقريباً في السجون كانت حزب البعث الديمقراطي، وحزب العمل الشيوعي، والحزب الشيوعي السوري جناح المكتب السياسي، والإخوان المسلمون، وشكّل الشباب العلويون قسماً وازناً في تلك الأحزاب، كما كانت نسبة السجناء منهم تفوق كثيراً نسبة أبناء الطائفة في المجتمع السوري، والأسماء معروفة وموثقة. ولكن الغالبية من أبناء الطائفة، ولأسباب مختلفة، ومعقدة أحياناً، ابتعدت، إلى حد المقاطعة والمعاداة، عن الحركات التي تصنف نفسها جزءاً من الثورة. والسؤال المهم هنا هو لماذا حدث ذلك؟

هناك ميل واضح للتركيز على علاقة النظام السوري بالطائفة العلوية، وهو توجه مبني على تقصير في فهم السياقات التاريخية لسوريا، وتعتيم على الاهتمام بعلاقة النظام العميقة مع سائر الطوائف والجماعات والطبقات الاجتماعية. وهو اعتبار يخدم إلى حد بعيد رغبة النظام في التماهي مع طائفة بكاملها لحمايته، وضمان بقائه.

العلويون وبقية الأقليات

النظر إلى موقف الطائفة العلوية من الصراع الدائر في سوريا اليوم، سيختلف بالتأكيد حين نوسع السؤال ليشمل كامل الشعب السوري، وطوائفه. فغالبية أبناء الطوائف الأقل عدداً (غير السنية)، وأبناء الدين المسيحي أيضاً، مثل نظيرتها العلوية، لا تؤيد الحراك الذي يقدم على أنه ثورة، خصوصاً بعد أن تصدرت الاعتبارات الطائفية ملامحه، رغم أن بعضهم شارك في التظاهرات الأولى. وبذلك أسهمت في فصل طوائف الأقلية، أو على الأقل جزء كبير منها، بينها فئات في الطائفة السنية، من الذين لا يتفقون مع توجهات الحراك، والطوائف المسيحية المتعددة، عن أهداف وقضايا تهمها، كما تهم بقية أبناء الشعب السوري.

العلويون كجزء من المجتمع السوري

نشر مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية استطلاعاً للرأي شمل عينة عشوائية من أبناء الطائفة العلوية، أعده د. راتب شعبو، الناشط السياسي العلوي، والسجين السياسي السابق، في دراسة "العلويون والثورة السورية"، التي تظهر إيماناً مطلقاً بأن ما يحدث في سوريا اليوم هو ثورة، وهو رأي لا يشاركه فيه الكثيرون من أبناء الطائفة، إلا أنه أيضاً موقف يتماشى مع إيمان د. شعبو بالعمل السياسي والفكر الثوري، بعدما قضى سنوات طويلة في السجن (16 سنة) دفاعاً عنه.

في سؤال عن تقييم الوضع في سورية قبل "الأزمة"، يرى 3% أن الوضع كان ممتازاً، و42% يصفونه بالجيد، و19 % بالمقبول، و32% يجدونه بحاجة إلى الإصلاح، بينما 4% يجدونه أنه بحاجة إلى ثورة. العينة نفسها، حين سئلت عن الفساد في الدولة، وجد 95% منهم أن الحرب الدائرة زادت الفساد في الدولة، وأيد 75 % ضرورة محاسبة الفاسدين في هذه المرحلة. من أهم نقاط هذا الاستطلاع، سؤالان: الأول عن الحل، الذي صوت 71% من المشاركين بأنه إقامة "دولة علمانية". والثاني كان سؤالاً عن تأييد الانفصال وإقامة دولة علوية، فصوت 86% بـ"لا".

الخطأ الأفدح هو إجبار كل شخص على حمل هوية لا يختارها، وربما كان من أكثر معالم الحراك السوري الأول جاذبية، هو التحرر من هذه الانقسامات، وإتاحة الفرصة لإلغاء فرض هوية طائفية على كل فرد شاء أم أبى. غير أن تصاعد البعد الديني للثورة، والتضحية بهذا الجانب، هو التفسير المباشر لابتعاد الكثيرين عن الثورة، بعد أن أخذت منحى إقصائياً تشكيكياً فيه اتهام لأي شخص من الطائفة العلوية، مهما كان تاريخه ورأيه وموقفه من التغيير.

وتكتسب الطائفية في الدول المستقرة، معاني إيجابية، كإشارة إلى التعددية والاختلاف في البلدان التي تقوم حقوق الناس فيها على مفهوم المواطنة الموثق في القوانين، والجمعيات والمنظمات.

من دون الحاجة إلى اللجوء إلى السماء، يمكننا فهم المجتمع  وظروفه كمنتج للأفكار، وتطورها، وبالتالي، الأسباب الاجتماعية أيضاً. تتعدد قراءة الدين الواحد، وهذه التعددية نفسها تتطور، وتتعدل مع تغير الظروف والشروط الحياتية الاجتماعية. ما من شيء يبقى على حاله في التاريخ، هذه بديهية، ولكن يتم تجاهلها. فالطائفة العلوية، وأي طائفة أخرى في العالم، ليست جوهراً مطلقاً يتدحرج في التاريخ من دون أن يتأثر بقوانين التاريخ نفسه. وموقف الطائفة العلوية الآن من الصراع الوحشي في سوريا، كبقية مواقف الطوائف الصغيرة الأخرى القلقة على وجودها بكامله. لقد اضطر مثلاً السياسي وليد جنبلاط إلى ممالأة جبهة النصرة، والتعامل معها نتيجة الرعب الذي يعانيه من تقديره لوجود طائفة الموحدين الدروز في سوريا والمنطقة.

وبالتالي، لا بد من التروي إلى أقصى الحدود قبل إصدار الأحكام القطعية على أي طائفة من طوائف المجتمع السوري. فما من تشكيلة اجتماعية يتفق كل أفرادها على موقف سياسي أو أخلاقي، أو حتى على مفهوم الانتماء.

صحفي مصري متخصص في الإسلام السياسي والتحقيقات.

التعليقات

المقال التالي