الدروز... "فرقة ناجية" من المتغيّرات التي أفنت وقد تفني مجموعات كثيرة

الدروز... "فرقة ناجية" من المتغيّرات التي أفنت وقد تفني مجموعات كثيرة

في خضم مجريات الثورة السورية، برز اسم العديد من الجماعات السياسية والدينية التي تتوزع على خط النزاع القائم، إما مسانِدةً للنظام السوري أو معارِضةً له. ولعلّ أبرز تلك الجماعات هي طائفة الموحدين الدروز، أو ما يعرف عامةً بالدروز.

وقد تميّز موقف الدروز مع اندلاع الثورة السورية بنوع من الغموض كما هو الأمر في ما يتعلق بعقيدتهم الدينية أو نشأتهم التاريخية.

وتزداد أهمية تلك الأقلية أكثر لكونها تنتشر في أنحاء المشرق العربي، في لبنان وسوريا وفلسطين وحتى الأردن. كما أنها من المجموعات المؤسسة لتلك الكيانات السياسية الحديثة كما هو الحال في الأردن، أو حتى التاريخية منها كلبنان، الموطن الأصلي للدروز.

نشأة الدروز

shutterstock_114993568

ينحدر الدروز كما يعتقد العديد منهم من القبائل العربية التي استقدمها الخليفة العباسي في القرن العاشر الميلادي من أجل الدفاع عن الساحل السوري بوجه غزوات الصليبين.

وقد انتشر "حُماة الثغور"، كما يحبّ الدروز اعتبار أنفسهم، في أنحاء جبل لبنان الجنوبي، وبالتحديد في منطقة الغرب تحت زعامة بعض العائلات أبرزها آل بحتر وآل تنوخ. ومع مرور الوقت، قامت تحت الحكم الفاطمي تلك القبائل باعتناق المذهب الإسماعيلي، أو ربما القرمطي كما تظهر بعض الدراسات، ما جعلها جاهزة لتقبل الحركة الدينية التي قام بها الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (985 – 1021).

أقوال جاهزة

شارك غردالوجود الدرزي، تاريخياً وحالياً، في منطقة تمنع اتصال شيعة جنوب لبنان بشيعة بقاعه، لعب دوراً ضد التمدّد "الصفوي"

شارك غردتميّز الدروز، عبر التاريخ، بقدرتهم على التكيّف مع التغيّرات. والآن يعيدون الكرّة ليكونوا في عداد الفرق الناجية

حافظ الدروز على وضعهم في بلاد الشام بعد سقوط الدولة الفاطمية، وتعاقُب المماليك وبعدهم العثمانيين على السلطة. وبرغم انضوائهم تحت لواء الخلافة الإسلامية على اختلاف أشكالها، فقد تميز الدروز بالنزعة التمرّدية على السلطة المركزية، لا بقصد الانشقاق السياسي، بل من أجل تفادي دفع الضرائب، مما دفع البعض منهم إلى العصيان المتواصل.

وبسبب هذه النزعة، قامت السلطنة العثمانية بتأديب الدروز عبر شن حملات عديدة أسفرت عن مقتل العديد منهم وتدمير بعض قراهم في جبل لبنان الجنوبي. ولكن مع ازدياد الخطر الصفوي في الشرق، ولجوء حكام إيران إلى التحالف مع بعض القبائل (الشيعية) المقيمة في بلاد الشام، لا سيما في منطقتي بعلبك وجبل عامل، اكتسب الدروز دوراً أكثر أهمية. فقد استعان العثمانيون بهم للتصدي للتحدي الصفوي المتمثل بأمراء آل حرفوش. وقد تولى المهمة آل معن تحت قيادة أميرهم فخر الدين الذي قام بشكل منهجي بتدمير خصومه، وجعل من الدروز أدوات أو حتى حلفاء استراتيجيين للسلطنة.

وتجدر الإشارة إلى أن الامتداد الدرزي تاريخياً وحالياً، من الساحل اللبناني مروراً بجبل لبنان إلى وادي التيم ومنطقة راشيا حتى جبال حوران، يمنع اتصال الجزء الشمالي من سهل البقاع وجبل عامل، المنطقتين اللتين تمثلان ثقلاً شيعياً وازناً. ولذلك فإن الوجود الدرزي الحالي يشكّل، كما كان في التاريخ، حاجزاً سكانياً بوجه حزب الله النيو صفوي.

Druze-woman_Flickr

ولكن مؤسس الفكرة اللبنانية، أمير الدروز فخر الدين بحسب بعض كتب التاريخ المدرسية، قد ساهم عن غير وعي بأفول نجم الدروز. فبسبب الحملات العثمانية لتأديبهم، تضاءل عددهم حتى اضطروا، بمباركة فخر الدين، إلى السماح أو حتى التشجيع على هجرة المسيحيين، أو الموارنة منهم، من جبل لبنان الشمالي نحو جبل الدروز.

ومع مرور الزمن، أصبح الوافدون المسيحيون أكثر عدداً من أصحاب الأرض. وبسبب ظروف سياسية وتاريخية أخرى استطاع المسيحيون الإمساك بزمام السلطة. وقد نتج عن ذلك التغيّر السياسي البنيوي في جبل لبنان مشاكل عديدة بين الدروز والموارنة تتوجت بمواجهات دامية سنتي 1842 و1860.

shutterstock_134182697

الاختلاف ضمن الوحدة

لعل من أهم ما يميّز الدروز، في الظاهر، هو وحدة صفهم الداخلي وبالأخص خلال الأزمات التي تعصف بهم. ولعل تركيبتهم العشائرية، واقتصارهم على التزاوج بعضهم من بعض ساهم في تقوية عصبية الدم بينهم.

ولكن من الخطأ أيضاً اعتبار الدروز كتلة سياسية واحدة تفتقر إلى التعددية. فالتعددية والتنوّع ميّزا تاريخهم، وقد وصل الأمر بهم إلى درجة الاقتتال الداخلي.

لقد توزّع الدروز، كما الموارنة، ضمن الاصطفاف القيسي-اليمني الذي يعود بجذوره إلى العصر الجاهلي حين انقسمت القبائل العربية إلى عرب الشمال (القيسيين) وعرب الجنوب (اليمنيين). وكانت المواجهة الكبرى والأخيرة بين الطرفين سنة 1711 في معركة عين دارة الشهيرة التي ألحقت باليمنيين هزيمة مدوية، أدت إلى النزوح الدرزي باتجاه الداخل السوري، وبالتحديد إلى منطقة حوران أو ما سيعرف لاحقاً بجبل الدروز.

وبالرغم من جنوح البعض إلى التأكيد بأن الوجود الدرزي في منطقة حوران يعود إلى قرون سابقة، يؤكد عبد الرحيم أبو حسين في كتابه"بين المركز والأطراف: حوران في الوثائق العثمانية 1842-1918" أن الهجرة الدرزية كانت نتيجة مشاكل داخلية بحتة في جبل لبنان. ويستعرض علاقة دروز حوران مع الدولة العثمانية ابتداءً من القرن الثامن عشر موضحاً أنها تميّزت بنزعة عنفية، وذلك بسبب استمرار الدروز في خرق القانون، والاعتداء على القرى المجاورة لهم وتحدي السلطة المركزية.

سايكس بيكو والدروز

العلم الدرزي

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، بقي الدروز ضمن الإجماع الإسلامي الداعم للسلطنة ودول المحور. ومن أهم الشخصيات الدرزية التي استماتت دفاعاً عن بقاء السلطنة المفكر "أمير البيان" شكيب أرسلان الذي قضى عمره في المنفى السويسري بسبب مواقفه المعادية للغرب واستعماره.

وبعد تقسيم المشرق عقب معاهدة سايكس بيكو، استمر الدروز مجموعات محلية مؤسسة في البلدان المصطنعة: لبنان وسوريا وفلسطين. وبطبيعة الحال كانت حصة الدروز السياسية مقرونة بحجمهم الديموغرافي الضئيل نسبياً مقارنة بباقي الطوائف الإسلامية أو المسيحية. ولكن يبقى السؤال: لماذا رضخ الدروز لتلك التسوية السياسية التي جعلت منهم أقلية سياسية مقارنة بوضعهم في القرون السابقة؟

ارتبط الدروز على مر التاريخ بالأرض، وسعوا للحفاظ عليها مهما كلفهم الأمر، إما عبر اللجوء إلى العنف، أو بمسايرة الجهة الحاكمة. وهذا هو ما فعله الدروز في لبنان وسوريا، ودروز إسرائيل لاحقاً عند تأسيس دولة إسرائيل سنة 1948.

لامركزية القرار الدرزي

shutterstock_114993493

تميّزت مواقف الدروز من مختلف القضايا والتحديات داخل بلدانهم الحالية بنوع من اللامركزية. احتفظ الدروز بحسب مواقعهم بنوع من الخصوصية في اتخاذ القرار الملائم الذي يضمن بقاءهم وسيرورتهم.

والمثال على ذلك ثورة الأمير الدرزي سلطان باشا الأطرش سنة 1925 بوجه الانتداب الفرنسي في جبل الدروز. فقد عمت تلك الثورة معظم أنحاء سوريا حتى امتدت إلى لبنان، ومع ذلك بقي دروز لبنان نسبياً على الحياد، واختاروا عدم العصيان على السلطات الفرنسية المحلية.

وكذلك كان الأمر مع موقف الدروز من الصراع العربي الإسرائيلي. ففي حين قاد الزعيم اللبناني الراحل كمال جنبلاط الجبهة العربية المساندة للثورة الفلسطينية، وكان يعتبر من أهم الأقطاب اليسارية العالمية، وقد استطاع عبر تأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي استقطاب مناصرين من مختلف الطوائف والمناطق، بالإضافة إلى الشريحة الدرزية التقليدية لزعامته، استمر دروز اسرائيل/ فلسطين بانتهاج سياسة معاكسة تماماً لتوجه كمال جنبلاط.

فدروز إسرائيل ساروا عكس التيار العروبي سنة 1948، وتجنبوا الصدام مع الدولة العبرية التي منحتهم نوعاً من الاستقلال الذاتي، واعتبرتهم مواطنين يتمتعون بالحقوق نفسها التي يتمتع بها اليهود. وبرغم بروز تيارات عديدة ضمن دروز إسرائيل رافضة التجنيد الإجباري ودعم الدولة الصهيونية، تبقى تلك الأصوات تمثل أقلية مقارنة مع الإجماع الدرزي الذي يتمثل بمشاركة الدروز في الحياة البرلمانية والسياسية، ضمن التعددية الحزبية الإسرائيلية.

الدروز والثورة السورية

مع اندلاع الثورة السورية، وجد الدروز أنفسهم في جميع أنحاء المشرق في حالة من الانقسام الحاد. ففي بداية الثورة قام دروز سوريا بمساندة النظام سياسياً وعسكرياً عبر قتال أبناء الطائفة في صفوف الجيش السوري الذي بدأ يتصدع مع بداية القتال. أما عبر الحدود، فقد أيّدت أكثرية دروز لبنان موقف أحد أبرز زعمائهم، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي دعم الثورة.

فعلاقة وليد جنبلاط مع النظام السوري، أو بالتحديد مع الأسد الأب، تميّزت بنوع من الاستقرار بالرغم من قيام الأخير باغتيال والده كمال جنبلاط سنة 1977. وبحسب الزعيم الشاب آنذاك، فإن ضرورات الحرب الأهلية المستعرة قد ألزمته بوضع يده بيد الشخص الذي قتل والده. ولكن موقف جنبلاط، بعد وفاة حافظ الأسد، انتقل إلى معارضة الوجود السوري في لبنان.

وبعد الغزو الأميركي للعراق تزعم جنبلاط تياراً سياسياً وبرلمانياً معارضاً للتجديد لرئيس الجمهورية الأسبق إميل لحود، حليف بشار الأسد. ومع اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري أصبح جنبلاط من أبرز قادة ثورة الأرز التي أفضت إلى انسحاب الجيش السوري من لبنان في ربيع سنة 2005.

وبالرغم من إعادة تموضع جنبلاط، شابت علاقته بالنظام السوري العديد من العوامل الموضوعية والشخصية التي جعلته يدعو أبناء طائفته السوريين إلى إعادة النظر بمشاركتهم ضمن صفوف قوات النظام.

وجاء الجواب على دعوات جنبلاط المتتالية عبر مجموعة من مشايخ وأهالي جبل الدروز الذين سموا أنفسهم "رجال الكرامة" بقيادة رجل دين مغمور اسمه أبو فهد وحيد البلعوس. شكلت حالة البلعوس ظاهرة اعتراضية على دعم معظم الدروز الأعمى للنظام، واستماتة البعض منهم في قتال ما اعتبره البلعوس وأنصاره "إخوانهم في الوطن". فدعا البلعوس الدروز إلى الانشقاق عن صفوف الجيش السوري، والاكتفاء بالقتال ضمن المناطق الدرزية بشكل حصري، مما جرد نظام الأسد من أحد أهم أسلحته، أي تحالف الأقليات.

سعى بشار الأسد منذ بداية الثورة إلى إعلان نفسه حامي الأقليات المتعددة في سوريا والمنطقة بوجه الإسلام المتطرف المدعوم من دول الخليج. ولكن جنبلاط، من خلال مغالاته في دعم الثورة والتواصل مع أركانها ومن ضمنهم جبهة النصرة والجهد العملاني لحركة البلعوس، وضع دروز سوريا والمنطقة خارج لعبة تحالف الأقليات التي من شأنها استعمال الدروز أو أي طرف آخر كوقود في الحرب المذهبية المدمرة.

علماً أن مقتل البلعوس منتصف العام الماضي جراء عملية تفجير استهدفته مع أركان حركته، يثبت مدى تأثير حركته التي أقفلت جبل الدروز ولو لفترة وجيزة بوجه النظام.

لقد برهن الدروز، كمجموعة سياسية متجذرة في هذا الشرق، بعد العديد من التحديات والأحداث، أنهم قادرون على النجاة من الحروب والغزوات المتلاحقة التي غيرت معالم المنطقة بدون أن تمس وجودهم.

ولعل تاريخ وتجربة الدروز قد يكونان عبرة لمختلف المجموعات الأخرى التي تطمح إلى استعمال القوة لنصرة مشروعاتها السياسية، لأن خواتم الأمور تبقى، ليس بقدرتهم على الحكم، كما فعل الدروز، بل بقدرتهم على التكيف مع التغيرات المستقبلية لتكون في عداد الفرق الناجية.

 

مرشّح لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة جورج تاون، قسم التاريخ. وهو صاحب كتاب A Campus at War: Student Politics at the American University of Beirut, 1967–1975".

التعليقات

المقال التالي