"البهرة​" في مصر... حياة انعزالية وممارسة للطقوس بتصاريح أمنية

"البهرة​" في مصر... حياة انعزالية وممارسة للطقوس بتصاريح أمنية

عام 2014، كنت في زيارة إلى منطقة الحسين بالقاهرة الفاطمية. وفجأة، ساد القلق مع انتشار قوات الأمن المصرية في ساحة المسجد. فقد أحاطت هذه القوات برجال يرتدون زياً أبيض موحداً، هو عبارة عن جلباب قصير وتحته سروال، وفوق رؤوسهم طاقيات بيضاء مزركشة. كانوا قد انتهوا للتو من زيارة ضريح الحسين، وفي طريقهم إلى مسجد الحاكم بأمر الله.

سمعت أحد المواطنين يقول: "إنهم مجموعة من الهنود الذين يُعرفون بـ"البهرة"، وهم تجار أثرياء. كان أجدادهم يعيشون في مصر في عهد الدولة الفاطمية، وجاء سلطانهم اليوم ليدعم الرئيس عبد الفتاح السيسي بعشرة ملايين جنيه (مليون دولار)".

اعلان


كانت هذه المرة الأولى التي يتردد فيها اسم "البهرة" أمامي. فوسائل الإعلام المصرية لا تتناول كثيراً هذه الطائفة، ولم تهتم بزيارة سلطانها "مفضل سيف الدين" لمصر.

في مسجد الحاكم

بدأت رحلة بحثي عن البهرة بالذهاب إلى مسجد الحاكم بأمر الله قبل صلاة المغرب. وجدتهم في أحد أركان المسجد. الرجال بزيّهم الأبيض الموحّد، والنساء بزي موحّد أيضاً ولكن ألوانه زاهية وهن يجلسن في حلقة نقاشية، ويتوسطهم رئيسهم الذي يشرح لهم تاريخ الفاطميين، وآثارهم القائمة في قاهرة المعز، معتمداً على وثائق يمسكها بيده.

أقوال جاهزة

شارك غرديحتفلون بعيد سلطانهم بعد صلاة الفجر، تجنباً لأيّة مضايقات رافضي التعددية، تعرّفوا على طائفة البهرة

شارك غردأصدرت دار الإفتاء المصرية قبل فترة وجيزة فتوى تصفهم بأنهم طائفة خارجة عن الإسلام. البهرة، مَن هم؟

فور انتهاء الحلقة النقاشية، اتجه الحميع إلى نافورة مياه تتوسط المسجد الشاسع للوضوء. ثم عادوا إلى ركنهم المنزوي لأداء صلاة المغرب، خلف ستائر تعزلهم عن غيرهم من المصلّين، كما تعزل رجالهم عن نسائهم.

وحين حاولت اختراق تلك الستارة، حذرتني إحدى السيدات المصريات، قائلة: "لا يجوز الصلاة مع هؤلاء لأنهم شيعة". وربما كان هذا ما يعرفه المصريون عن تلك الطائفة التي تعتبر مصر مركزاً روحياً لها.

من هم البهرة؟

البهرة

البهرة كلمة هندية معناها التجارة أو التاجر باللغة الغوجارتية الهندية، وهي إحدى الطوائف الشيعية الإسماعيلية التي انتصرت لإمامة أحمد المستعلي الفاطمي ضد أخيه نزار المصطفى لدين الله، وذلك بعد وفاة والدهما الخليفة المستنصر بالله الفاطمي سنة 487 هـ.

وكان المستنصر قد اختار ابنه المستعلي الذي يصغر نزار ولياً للعهد، ومن هنا نشب الخلاف بين الإسماعيليين، وانقسموا إلى "مستعلية"، و"نزارية" وانتهى الأمر لمصلحة المستعلية.

حكم أنصار المستعلي مصر حتى هزمهم صلاح الدين الأيوبي طاوياً حقبة الدولة الفاطمية. لكن المستعليين لم تنطوِ صفحتهم، بل انتشروا في العديد من دول العالم، وشكلوا قوة اقتصادية عبر عملهم بتجارة الورق، والرخام، والمنتجات الغذائية.

وكانت أرض اليمن هي المحطة الأولى لهذه الطائفة، لكنهم سرعان ما انتشروا في الهند عن طريق عملهم بالتجارة، ونجحوا في جذب عدد كبير من الهندوس إلى مذهبهم، وفي هذه المرحلة سمّوا "البهرة"، وأصبحت الهند المركز الرئيسي لطائفتهم.

وفي الهند، يقع قصر سلطانهم الداعي المطلق الـ53 مفضل سيف الدين، ويصل عددهم اليوم إلى مليونين، وأهم الدول التي يعيشون فيها بعد الهند واليمن هي: باكستان وكينيا وتنزانيا ودول الخليج، خاصةً الكويت والإمارات ومنطقة نجران بالمملكة العربية السعودية، كما استقر عدد منهم في مصر منذ عام 1976 بالاتفاق مع الرئيس المصري آنذاك محمد أنور السادات.

سلطان البهرة محمد برهان الدين سلطان البهرة محمد برهان الدين

إحياء الطقوس الفاطمية

يتشبث البهرة بكل ما يعود إلى العهد الفاطمي، ويحاولون إحياءه في طقوسهم، واحتفالاتهم. يتزعمهم السلطان الذي يتولى حكم الطائفة، ويُطلق عليه الداعي، ويعتبر ممثلاً دنيوياً، ودينياً للإمام. ويُعرف عنهم تعظيمهم سلطانهم، والتزامهم الكبير بمذهبهم وتقاليده.

وللاحتفالات أهمية كبيرة في حياة البهرة، وهي بالطبع امتداد للاحتفالات التي كانت تُقام في العهد الفاطمي. ومن أهم احتفالاتهم، بالإضافة إلى عيدي الفطر والأضحى، عيد مولد الأئمة الفاطميين وعيد سلطانهم الذي يحتفلون به في شهر مارس من كل عام في مسجد الحاكم بأمر الله، بعد صلاة الفجر.

قراءة القرآن

كما يحتفلون بعيد الغدير في 18 ذو الحجة. وبحسب معتقدهم، هو اليوم الذي خطب فيه النبي محمد خطبة عيّن فيها علي بن أبي طالب مولى للمسلمين من بعده، وذلك أثناء عودة المسلمين من حجة الوداع إلى المدينة المنورة في مكان يسمى بـ "غدير خم".

وتُعدّ زيارة قبور الأجداد ومشاهدة آثارهم من أهم الطقوس لدى البهرة، فهم يأتون إلى مصر لزيارة مساجد الحاكم بأمر الله، الجيوشي، الأقمر، وغيرهما من الآثار الفاطمية الشهيرة.

وفي كل عام، يتوافد عشرات الآلاف من البهرة إلى منطقة حراز التي تبعد عن العاصمة اليمنية صنعاء نحو 90 كيلومتراً لزيارة ضريح حاتم الحضرات حاملين سلطانهم فوق حمالة خشبية، ومرددين الأدعية الخاصة بهم. كما يتوافد الآلاف منهم لزيارة ضريح أروى بنت أحمد الصليحي.

المحنة التاريخية

البهرة هم طائفة غير دعوية. لا يسعون إلى نشر مذهبهم، وبعيدون كل البعد عن العمل السياسي. ينصب كل اهتمامهم على التجارة التي حققوا فيها نجاحات كبيرة.

ويُعرف عن مجتمع البهرة التماسك الشديد. فهنالك مبلغ شهري يدفعه أبناء الطائفة للقيام بالأعمال الخيرية في الدول التي يعيشون فيها.

غير أن السرّية التي تغلّف مذهبهم سمحت بنسج الكثير من الشائعات عنهم. يرى الباحث التاريخي محمود جابر في هذه السرّية أمراً منطقياً بسبب ما تعرضوا له من إبادة وتهجير على يد صلاح الدين الأيوبي.

وأكد جابر لرصيف22 أن مجيء صلاح الدين إلى مصر كان أكبر محنة تاريخية مرّت على طائفة البهرة. فبعد أن أصبح حاكماً لمصر، قام بإبادتهم بالقتل، والحبس، ومطاردتهم خارج مصر، وكذلك طردهم من اليمن عبر البحر الأحمر، فهربوا إلى جزيرة مدغشقر والشاطيء الشرقي لأفريقيا.

ولم تكن الرحلات والتنقلات التي قام بها البهرة آمنة، بل محفوفة بالمخاطر، وظلوا هكذا قرابة 200 سنة. ولذلك دربوا أنفسهم على التكتم والسرية، فهم لا يأمنون على أسرارهم الدينية.

حياة انعزالية وممارسة منقوصة للطقوس

وأكّد جابر أن لا أحد يمكنه التأكد من صحة الشائعات التي يرددها المصريون عن البهرة، لأنهم لا يحتفلون أمام أحد ولا يبوحون بأسرار مذهبهم لأحد من خارج الطائفة.

يعيش البهرة في مصر حياة انعزالية. لا يختلطون بباقي المصريين، ويسكنون في أماكن محدده، أشهرها القاهرة الفاطمية، المهندسين وتحديداً شارع سوريا حيث يوجد مبنى خاص بهم يضمّ إدارة شؤون الطائفة. ويعيش عدد كبير منهم في فندق "الفيض الحاكمي" بمنطقة الدراسة المجاورة للأزهر الشريف. ويوجد الأمن المصري في هذه الأماكن بصورة ملحوظة.

لم يكن وجود البهرة في مصر عشوائياً بل مرّ بمراحل متعددة وكان للأحداث السياسية تأثير كبير على ذاك الوجود. قال محمود جابر: "في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، جاءت طائفة الأغاخانية إلى مصر، وهي إحدى طوائف البهرة، ولها حضور قوي في الهند، وفي ذلك الوقت كانت العلاقات قوية بين مصر والهند، وطلب الأغاخان من عبد الناصر أن يدفن في إحدى الروضات المطلة على أسوان وهذا ما حدث بالفعل. ولكن كان لحادث المنشية، أي محاولة الإخوان المسلمين اغتيال عبد الناصر، تأثير كبير على هذه الطائفة. فما أن حاول سلطان البهرة آنذاك محمد برهان الدين ترتيب لقاء مع عبد الناصر، حتى جاء حادث المنشية الذي أدى إلى مزيد من الإجراءات الأمنية حول الجماعات الدينية. فانزوت الطائفة وراحت تمارس طقوسها بهدوء وسرية".

Bohra_in_uniform

وتابع: "في عام 1976 وجدت الطائفة طريقها إلى مصر مرة أخرى، عبر ترميمها للعديد من المساجد، منها الحاكم بأمر الله، والأقمر، ومقصورة السيدة رقية، والسيدة زينب. ونجحت هذه الخطة في ترسيخ وجودهم في مصر، إلا أن وصول جماعة الإخوان إلى الحكم زعزع وجودهم، مما أدى إلى هجرة عدد كبير منهم. ولكنّهم عادوا مرة أخرى بعد 30 يونيو 2013 عقب لقاء شهير بين الداعي مفضل سيف الدين والرئيس السيسي. والآن يتوافدون إلى مصر باستمرار، ومنهم من يعيش بشكل دائم في القاهرة، ويقدّر عدد هؤلاء بنحو 2000 شخص".

وذكر جابر أن البهرة يساهمون بمبالغ ضخمة في الاقتصاد المصري، ويقومون بالأعمال الخيرية، ويشرفون على مسجدي السيدة زينب، والحسين، بالإضافة إلى اشرافهم على المساجد الفاطمية. غير أنه رأى أن قيام البهرة بتلك الأعمال لم يكن كافياً لحصولهم على حريتهم في ممارسة طقوسهم وشعائرهم.

وأشار إلى أن دار الإفتاء المصرية أصدرت قبل فترة وجيزة فتوى تصف البهرة بأنهم طائفة خارجة عن الإسلام، وهذا يعني، بحسب قوله، أن لا سبيل إلى ممارسة البهرة طقوسهم بشكل عادي في بلد يرفض التعددية.

شائعات مزعجة وتصاريح أمنية

ينتمي الشاب الثلاثيني محمد جارما إلى طائفة البهرة، وهو يمني الأصل، جاء إلى مصر منذ 6 سنوات، فور تخرجه في الجامعة السيفية بالهند. حالياً، يعمل في فندق الفيض الحاكمي الذي يسكنه البهرة.

في حديث لرصيف22، وصف جارما حياته في مصر بالهادئة، وقال إنه يقيم بمفرده في القاهرة. أما عائلته فتأتي على فترات متباعدة لزيارة قبور الأجداد والأئمة الفاطميين، وآل البيت.

ما يزعج الشاب الثلاثيني هو الشائعات التي تتردد عن طائفته، ومنها على سبيل المثال: أنهم يؤمنون بأن الحاكم بأمر الله لا يزال حياً وسيخرج يوماً ما من أحد جدران مسجده الشهير.

وقال: "نحن نتوجه بصلاتنا لله، ونؤمن بالسنة المحمدية، ونعشق آل البيت، ولا صحة لما يتردد عنا، ونأتي إلى مسجد الحاكم بأمر الله للصلاة فقط".

وأشار إلى أنهم يحتفلون بعيد سلطانهم بعد صلاة الفجر، تجنباً لأيّة مضايقات قد يتعرضون لها، وأنهم قبل أيّ احتفال يحصلون على تصاريح من وزارة الداخلية المصرية.

كلمات مفتاحية
الأقليات مصر

التعليقات

المقال التالي