أين الحقيقة في كل الجدل المثار حول قضية "بائع الأقلام" السوري؟

أين الحقيقة في كل الجدل المثار حول قضية "بائع الأقلام" السوري؟

لم يكن الصحافي والناشط الإيسلندي غيسور سيمونارسون يتوقع، حين نشر تغريدة، أتبعها بحملة تبرعات لمساعدة بائع أقلام سوري وابنته، أن يستطيع تغيير حياة رجل بين ليلة وضحاها، ليصبح مالكاً لثلاث محال في الوقت عينه.

ربما كان ذلك متوقعاً بعدما لجأ إلى موقع "إنديغوغو" Indiegogo لجمع التبرعات، وتمكن خلال 24 ساعة من جمع 75 ألف دولار، و191 ألف دولار خلال 4 أشهر، متخطياً مبلغ الـ5000 دولار المتاح على الموقع بنسبة 3790%.

لكن ما لم يتوقعه سيمونارسون، هو أن تتخذ القضية التي احتفل بها الإعلام العربي والغربي، بعد 8 أشهر على النهاية السعيدة، منحى دراماتيكياً، فتتحول إلى تراشق اتهامات بشأن سرقة جزء من أموال التبرعات. فما هي تفاصيل هذه الاتهامات؟

بدأت القصة عندما حلّ البائع السوري عبد الحليم العطار، ضيفاً في برنامج "للنشر" التلفزيوني اللبناني، ليتهم الصحافية كارول معلوف، صاحبة جمعية "سولاس"، بسرقة جزء من أمواله، ما اضطره إلى إقفال المحال التي كان افتتحها بمبلغ الـ65 ألف دولار التي تسلمها من معلوف في وقت سابق. يقول العطار: "بعد حملة التبرعات تم تحويل 95 ألف دولار، وانا استلمت 65 ألفاً، وتبقى لي 30 ألفاً لم يعطوني إياها، وفي دبي لدي 75 ألف دولار لم أحصل عليها".


وفي اتصال مع معلوف خلال الحلقة، يشير العطار، إلى أنه تلقى تهديدات منها بالترحيل أو السجن بعبارات نابية. ويقول إنه بات مثقلاً بالديون، في حين أنه لم يكن مديوناً حين كان يبيع الأقلام.

أرقام كثيرة وردت على لسان العطار في برنامج "للنشر" المعروف بطابعه الفضائحي، بينما غابت عن الحلقة العناصر الأخرى المرتبطة بالقضية، وبقيت القصة المطروحة للرأي العام محصورة بما أورده العطار.

أقوال جاهزة

شارك غردكالعادة، كانت الفضائحية عنوان تناول قضية أموال "بائع الأقلام السوري" لبنانياً...


سرعان ما شغلت القصة مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأت حفلات الردّ والتعليقات. فتح المجال أمام خيوط جديدة بيّنها كل من معلوف وسيمونارسون على موقعي "فيسبوك" و"تويتر"، لتفتح الباب أمام مجموعة أسئلة عن علاقة معلوف بالقضية وتوقيت نشر هذا الاتهام، وتفاصيل الأموال ومسارها طوال الأشهر الماضية.

شرح سيمونارسون على حسابه على تويتربأنه عندما بدأ الحملة، كان يبحث عن شخص في لبنان يكفل عبد الحليم، ويتولى استلام الأموال التي تدفع عادة عبر "باي بال" Paypal (الذي يأخذ عمولة 5% على التحويل)، وقد أرشدته صحافية يعرفها في لبنان إلى كارول معلوف، كونها تدير جمعية تعنى بشؤون اللاجئين السوريين.

وعليه جرى التواصل مع معلوف التي يشكرها سيمونارسون في عدد من التغريدات بسبب "الجهود الكبيرة التي قامت بها لتأمين شقة لعبد الحليم وفتح المطاعم وإدخال ابنته إلى المدرسة…". ويشرح سيمونارسون، الذي أعرب عن "صدمته وقرفه" مما آلت إليه حملة "# اشتر أقلام" (#buy_ pens) المخصصة آنذاك لجمع التبرعات، بأن "باي بال" الممنوع في لبنان، دفعه للتواصل مع شخص في دبي يتولى استلام الأموال وتسليمها لكارول في لبنان. الجديد في ما يكشفه الصحافي الإيسلندي هو أن الأموال المتبقية (71 ألف دولار) لا تزال عالقة في "باي بال" بسبب عدم إمكانية سحبها. ويوضح أنه لا يمكنه استردادها إلى حسابه لأن القانون يجبره دفع 45% منها كضرائب، ويدعو من بإمكانه المساعدة لتكفل هذه الأموال من الجهة الأخرى، وبالتالي تحريرها.

ينشر سيمونارسون المستندات التي يمتلكها بشأن التحويلات التي تمت، وتلك العالقة، في وقت يدعو معلوف إلى نشر ما تمتلكه من وثائق، ويعتب على من تسلم الأموال في وقت سابق، بأنه نصحه بالطريقة الأوفر لتسلمها ولم يتم الالتزام بذلك.

من جهتها، ردت معلوف، عبر حسابها على تويتر، بأن مبلغ الـ90 ألف دولار الذي وصل، استلمه عبد الحليم بالكامل وصرفه خلال شهرين، أما البقية، ففيه مشاكل مع "باي بال". تقول معلوف إنها تصور وثائقياً على جبهات القتال في سوريا، ولا وقت لديها الآن لهذه القصة وعندما تعود "منحكي". في المقابل تقرأ طرح هذه القضية في إطار سياسي مدفوع من جهة حزبية، "حزب الله" تحديداً، على خلفية القضية التي رفعها بحقها بعد إجرائها مقابلة مع أسيرين للحزب لدى "جبهة النصرة" في سوريا. هذه القضية كانت قد أثارت ضجة كبيرة وجعلت معلوف تعرف بالصحافية المثيرة للجدل والجريئة في ظل تغطيتها لعمل المجموعات المسلحة في سوريا.

وعلى خط مواز، دعماً لوجهة نظر معلوف، نشر موقع "جنوبية" اللبناني تسريبات لمحادثات "واتس أب" بين معلوف ومعد في برنامج "للنشر"، توضح أن الأخير تجاهل رأيها فيما أبدت كل الاستعدادات للمساعدة وزودته بأرقام الأشخاص المعنيين بالقضية للتواصل معهم. في مقابل الإشارة إلى تورط عبد الحليم في قضايا مخدرات ونساء صرف أموالاً عليهم، بحسب "جنوبية".

كالعادة، كانت الفضائحية عنوان تناول هذه القضية لبنانياً، فوجد كل طرف فيها فرصة للدفاع أو الهجوم، من يحمل على معلوف بسبب معاداة فريقه السياسي لها، ومن يناصر معلوف بسبب مخاصمته للفريق السياسي الذي يعاديها. وفي خضم ذلك تتصاعد المخاوف ليس فقط على العمل الصحافي، بل على مفهوم التبرع والأشخاص الذين يستحقونه. ففي كل مرة تُشيطَن أي محاولة للمساعدة أو يُشيطَن من يستلم هذه المساعدة (وهنا الكلام عام ولا يشمل عبد الحليم الذي لا معطيات كافية بعد لحكم نهائي يدينه أو يبرئه، ولا يشمل معلوف بطبيعة الحال)، تزداد مخاطر خسارة كثر من اللاجئين للمساعدة التي يحتاجونها. وفي كل مرة تصبح الاتهامات أكبر وهامش التمييز بين المستحِق وغير المستحِق أضيق.

 

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيد عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي