في مصر.. القوانين والعادات تساهم في رواج الإجهاض غير الآمن

في مصر.. القوانين والعادات تساهم في رواج الإجهاض غير الآمن

لم تكن تجربة الإجهاض خياراً لأي أنثى، لكنها دوماً تفرض عليها بشكل أو بآخر، بسبب عوامل عدة، منها العادات والتقاليد الاجتماعية، أو القوانين الصارمة التي ربما تحيلها للعقاب.

"عمليات تحت بير السلم"، مصطلح يُطلقه المصريون على العيادات التي لا يتوافر فيها الحد الأدنى من المواصفات الطبية، فيكون مكانها سرياً، لا تعلمه المرأة إلا قبل العملية بساعات، خوفاً من معرفة الشرطة. وتكون غرفة عادية غير مجهزة بالأدوات المعقمة أو أنابيب الأوكسجين أو أي إسعافات أولية تنقذ المرأة في حال تعرضها لنزيف.

ووفقاً لقانون العقوبات المصري، فإن "الطبيب الذي يجري عمليات الإجهاض، يواجه حكماً بالسجن يراوح بين 3 و 15 عاماً". الأمر الذي يدفع العديد من السيدات إلى اللجوء لأطباء يعملون بشكل مستتر، ويتقاضون مبالغ مالية ضخمة، لكن الفتيات اللواتي لا يملكن ثمن تلك العمليات يلجأن لطرق إجهاض بدائية وغير آمنة.

ووفقاً لتقرير أعدّته هيئة المعونة الأمريكية، اتضح أن معدل من يتلقين العلاج في المستشفيات جراء مضاعفات الإجهاض مرتفعة في مصر، ليصل إلى نحو 15 حالة لكل 1000 سيدة تراوح أعمارهن بين 15 و 44 عاماً.

كما أعدّ المجلس الدولي للسكان  دراسة بالتعاون مع الجمعية المصرية لرعاية الخصوبة، توصل فيها إلى أن معدل الإجهاض في مصر يقترب من 14.8% لكل 100 مولود، من ضمنها الإجهاض المتعمد بهدف إسقاط الجنين في مراحل نموه الأولى. عدا أن الموسوعة الطبية الحديثةأوضحت في أحدث دراساتها عن الإجهاض غير الآمن، أن هناك 46 مليون حالة إجهاض يتم إجراؤها كل عام في العالم، منها 20 مليون حالة إجهاض غير آمن. وطبقاً للدراسة نفسها، فهناك 68 ألف امرأة تموت كل عام نتيجة مضاعفات الإجهاض، 95% من هذه الحالات تقع في دول العالم الثالث منها بينها مصر.

"رصيف 22" قام بجولة على عدد من العيادات في منطقة فيصل (جنوب الجيزة)، حيث يتركز عدد كبير منها. هناك، أخبرتنا كريمة حسن (اسم مستعار): "فجأة شعرت كأن الدنيا قررت أن تغدر بي، حبيب ليس بالحبيب، وطفل حكم عليه بالموت وهو ما زال نطفة". وأضافت: "كنت غير مكترثة بحساب موعد دورتي الشهرية، وفجأة اتضح لي أنها تأخرت مدة ثلاثة أشهر. لم يخطر لي أنني حامل، كذّبت نفسي. وبعد تفكير عميق، قررت الذهاب لإجراء تحليل دم كي أتأكد، وبالفعل تأكدت أنني حامل في الشهر الثالث".

وتابعت: "الساعة توقفت عند تلك الجملة "مبروك يا مدام، أنت حامل". بقيت واجمة، ناظرة للعاملة التي أتت لي بنتيجة التحليل، ولم يصدر مني أي رد فعل يدل على الفرحة. فولادة طفل في مجتمع هكذا جريمة بالفعل، وأن تكوني امرأة عزباء وحاملاً ليس بالسهل في ذلك المجتمع".

وبدأت رحلة بحث كريمة عن طريقة للإجهاض من خلال الإنترنت، حتى وجدت صفحة عبر Facebook تحمل عنوان "عمليات إجهاض وترقيع غشاء بكارة"، ووجدت عليها رقماً للتواصل، ليرد عليها طبيب طلب إجراء العملية في أسرع وقت، وتجهيز مبلغ 5 آلاف جنيه (550 دولاراً تقريباً).

لم تتمكن كريمة من تجميع المبلغ، وقررت في تلك اللحظة البوح بمشكلتها لإحدى صديقاتها، التي أخبرتها أنها تعرف عيادة طبية، وتكلفة العملية أقل من 5 آلاف. وقالت: "دخلت لغرفة الكشف، شكل الدكتور بغيض ونظراته مريبة وأثناء كشف السونار، شعرت بيده داخلي وعندما استنكرت وهممت في توبيخه، قال لي هذا لأجل العملية، فقلت له أبعد عني وركلته لكنني استسلمت في النهاية وأجريت العملية".

صفاء بدوي (اسم مستعار) تبلغ من العمر 22 عاماً، اضطرتها أوضاعها الاجتماعية أن تجري عملية إجهاض في إحدى عيادات ''بير السلم'' في منطقة السيدة زينب. تقول إنها تعرضت للإهانة من قبل عدد من الممرضات العاملين بتلك العيادة، التي كانت شقة صغيرة في إحدى عقارات حي السيدة زينب، لم تتوافر بها المواصفات الطبية كالتعقيم أو أنابيب الأوكسجين. وأضافت أن الطبيب الذي قام بتخديرها، هو الطبيب نفسه الذي أجرى لها عملية الإجهاض، واكتشفت بعدها أنه غير متخصص في أمراض النساء والتوليد.

فتاة أخرى (27 عاماً) تؤكد أنها أرادت أن تجري عملية إجهاض بشكل آمن، لكن عادات المجتمع المصري أجبرتها على البحث عبر مواقع الإنترنت عن أطباء يجرون تلك العملية في سرية تامة.

وقالت: "وصلت لإحدى الصفحات الخاصة بعمليات الإجهاض، وتحدثت مع المسؤول عن الصفحة، فأخبرني أنه طبيب، ولم يسأل عن اسمي أو عن معلومات عن زوجي. أول ما أخبرني به أن العملية ستكلف 5 آلاف جنيه (550 دولاراً تقريباً)، وستستغرق ساعة. وأخبرني أن لديهم عدة عيادات بحسب محل إقامة كل حالة. بعدها، قصدت إحداها في منطقة شبرا، وهي عبارة عن غرفة، بها سيدة وطبيب. لم يطلب مني الطبيب أي معلومات عن حالتي الصحية، لكنه اشترط ألا أُخبر أحداً بمكان تلك العيادة، استغرقت العملية ساعة من الوقت، بعدها أعطاني الطبيب مجموعة أدوية أخذتها مدة أسبوعين، فتحسن وضعي والحمد لله".

وبخلاف عيادات "بير السلم" للإجهاض غير الآمن، هناك سوق سوداء وتجار لعملية الإجهاض نفسها، لأن عملية الإجهاض لها عدة مراحل، من الممكن أن يتجنب المريض إجراء عملية جراحية ويستخدم حبوب معينة للإجهاض، إذا كان الجنين في شهوره الأولى، فوصلت أسعار حبوب الإجهاض إلى 500 دولار.

أحد إعلانات تجار الإجهاض عبر الإنترنت يقول: ''هل لديك حمل غير مرغوب، نقدم خدمة الإجهاض عبر الإنترنت بتحويلك لطبيب ذي خبرة يمكنه أن يقدم لك الدعم والأدوية المناسبة. شهرتنا العالمية لم تهدَ إلينا، بل قطفنا ثمارها من نجاح طاقمنا الطبي في مساعدة الكثيرين في التخلص من أمراضهم المزمنة، وفي علاج العديد من الأمراض المستعصية''.

الدكتور محمد علي عز العرب، عضو منظمة الصحة العالمية، أكد أن الإجهاض غير الآمن أحد الأسباب الرئيسية لوفيات الحوامل في العالم، ليس في مصر فقط. وتكون النساء فيه أكثر عرضة للنزيف، مؤكداً أن خطورته تصل في بعض الأحيان إلى الوفاة بسبب النزيف والتسمم الدموي، وحدوث ثقب في الرحم، وهناك عواقب صحية طويلة الأجل كالأنيميا والآلام المزمنة وإصابة الأجهزة التناسلية والعقم.

وكانت منظمة الصحة العالمية طالبت مراراً بتوفير خدمات الإجهاض الآمن، ورعاية ما بعد الإجهاض، إضافة لتعديل عدد من التشريعات في الدولة النامية، ومنها مصر والخاصة بوضع الإجهاض.

في قانون الجنايات المصري، تنص المادة 261 على أن كل من أسقط عمداً امرأة حامل بضرب أو نحوه من أنواع الإيذاء، يعاقب بالسجن المشدد. والمادة 262 من القانون نفسه، تقول إن المرأة التي رضيت بتعاطي الأدوية مع علمها بها، أو رضيت باستعمال الوسائل السالف ذكرها، أو مكنت غيرها من استعمال تلك الوسائل لها، وتسبب الإسقاط عن ذلك حقيقة، تعاقب بالعقوبة السابق ذكرها.

وهناك العديد من القضايا المنظورة أمام محكمة النقض بخصوص الإجهاض القصدي، ترفعها أسر النساء اللواتي توفين جراء الإجهاض غير الآمن على أيدي أطباء غير متخصصين، أو على يد قابلة تقليدية تقوم بعملية الإجهاض، باستخدام أدوات غير معقمة تسببت في مضاعفات حادة أدت إلى الوفاة.

وتري هبة ونيس، عضو المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن الغالبية العظمى من هؤلاء النساء يلجأن إلى الإجهاض غير الآمن بسبب القيود القانونية المفروضة على الإجهاض، ومن شأن هذه القيود إلحاق الضرر بالنساء الأفقر والأصغر سناً بشكل أكبر وغير منصف، فالنساء الميسورات يلجأن إلى العلاج في العيادات الصحية والمستشفيات التي تقدم خدمات صحية عالية الجودة، في حالات الإجهاض، والتي تحتوي على المعدات الضرورية في حالات الطوارئ.

وأكدت أن المبادرة وجدت أن هناك في مصر نساء أكثر فقراً وليس لديهن تكاليف مادية لعيادات غير قانونية، فيلجأن إلى وصفات وطرق شعبية قد تودي بحياتهن، لأنها أكثر خطورة فيتعاطين سوائل أو أدوية الملاريا أو الحصبة، اعتقاداً منهن أنها تخلصهن من الجنين.

وخرج الإجهاض للنور من بريطانيا منذ عام 1967، وهو كما يُعرّفه الجميع "نهاية مبكرة للحمل"، يحدث في بعض الأحيان تلقائيًا ويُسمى بالإجهاض الفجائي، وأحيانًا أخرى ترغب المرأة في التخلص من الجنين مبكرًا لأسباب عدة، منها تحديد النسل، أو الرغبة في الحمل في وقت لاحق، أو لأسباب مرضية تعرض حياة الأم أو الجنين للخطر.

 

أحمد سليم

صحافي مصري متخصص في الشؤون الاجتماعية.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي