الغجر في مصر... بهجة وسط الخراب

الغجر في مصر... بهجة وسط الخراب

كنت صغيرة. كنت أمسك بثوب أمي حين تركتها مندفعة تجاه حشد كبير ملتف حول رجل أسمر نحيل كان يُخرج من جعبته أشياء عادية بسيطة ليصنع منها العجائب المثيرة للدهشة. أخبرتني أمي أن هذا الرجل يُسمّى الحاوي، وهو من الغجر الذين يسكنون الخيام المنصوبة في أطراف القرية.

دائماً كان في قريتنا نساء يضربن الودع، ورجال يطوفون البلدة الصغيرة بالربابة، وفرق غنائية فلكلورية، وملاهٍ، وأراجيح منتشرة في الساحة الكبيرة. كان كل ذلك من صنع الغجر الذين يكسرون رتابة الحياة.

غير أن الأمر تغيّر بشكل ملحوظ. فالبيوت الإسمنتية عصفت بمظاهر البهجة وبخيام الغجر الذين انزووا في غرف بدائية من دون الاندماج في مجتمع يتربص بهم، فقط لأنهم مختلفون. وصارت هذه الجماعة تكتفي بممارسة أعمالها الحرفية، وربما بإحياء بعض المناسبات كالموالد وحفلات السبوع.

 

"الغجري" صانع المفاتيح

كل صباح، يخرج الشاب الغجري رمضان قناوي من غرفته التي استأجرها من أحد سكان القرية ليطوف البلدات المجاورة بالمفاتيح والأقفال التي يجيد تصليحها، ويعود في المساء ببعض الجنيهات التي ينفقها على زوجته وطفلته الوحيدة، غير عابئ باليوم التالي.

غرفة وحيدة من الطوب الأحمر تسكنها أسرة رمضان الصغيرة. الأرض طينية مفروشة بالحصير، والسقف معشش بالخوص. وعلى الأرضية بضع أوانٍ ضرورية مبعثرة، وسرير متهالك. غير أن الغرفة الصغيرة لا تخلو من بعض الآلات الموسيقية البدائية، كالطبل، والربابة، التي يجيد رمضان العزف عليها.

أقوال جاهزة

شارك غردالمصريون يحتقرون الغجر ولكن الغجر هم مَن حفظ السيرة الهلالية، أبرز معالم الثقافة المصرية، من الضياع

شارك غردهل صحيح أن الغجر هم جماعة منحلة أخلاقياً أم أن هذه الأقوال مجرّد تلفيقات يتداولها غير الغجر؟

روى الشاب الغجري لرصيف22 أن أسرته هجرت صعيد مصر منذ سنوات طويلة لتعيش في الدلتا، بسبب التعصبات القبلية التي تحكم المجتمع الصعيدي، والتفرقة العنصرية بين "الغجر" وغيرهم. وذكر أنهم كانوا يعيشون في خيمة على أطراف القرية، لكنهم ما لبثوا أن تركوها بعد أن تعرضوا لمضايقات الأهالي.

يتذكر الشاب الثلاثيني تلك الأيام التي كان يجوب فيها القرية والبلدات المجاورة، في موالد الأولياء والقديسين. وقال: "كانت لنا خيمة شهيرة في كل الموالد تعرف بخيمة أولاد قناوي، كنا نملك أرجوحة يعمل أبي عليها، وأخي يجوب المولد بالربابة، وكنت بصحبتهما دائماً. ولا نزال نشارك في الموالد، لكن الأمر اختلف كثيراً، إذ تقلص عدد الموالد التي يُحتفل بها، لأن الدولة تخشى التجمعات وتعتبرها ضدها".

ليس ثمة اندماج بين أسرة رمضان والمجتمع المحيط، إلا في حدود ضيقة للغاية. تفضل أسرته العزلة التي توفّر لها الحياة الهادئة بعيداً عن الاختلاط بأناس يتعاملون معهم بعنصرية، بحسب رمضان.

لم تساعد الظروف الشاب الغجري على الالتحاق بالمدرسة، لكنه ينوي تعليم ابنته دنيا  والارتقاء بمستوى عائلته الصغيرة.

 

هوية ضائعة وسجل حافل بالمعاناة

لقرون عدّة، ظلت الهوية الحقيقية للغجر لغزاً اثنوغرافياً إلى أن أثبتت الدلائل العلمية في منتصف القرن التاسع عشر أن الهند هي موطنهم الأصلي. لقد نزحوا من ديارهم في مطلع القرن الثامن الميلادي بعدما عجزوا عن مواجهة موجات غزو مناطقهم في ممرات ووديان جبال هندكوش وعلى سفح جبل بامير.

انحفرت حياة الترحال في أعماق الغجر، وكان لها تأثير عميق على سلوكياتهم، كما أنها أضفت على عاداتهم وتقاليدهم شيئاً من الغرائبية. بل إن الرحلات البرية لهذه الجماعة صاغت إلى حد بعيد فلسفتهم في الحياة التي تقوم على مبدأ تهشيم الإطار الاجتماعي الذي يعيشون بداخله، وكذلك التحرر الزماني والمكاني.

ولم تنل هذه الجماعة أي تعاطف إنساني، بل تعرضت للتعذيب والاضطهاد ويكفي أن نذكر أن أكثر من ربع مليون غجري أحرقوا في عهد النازية ضمن سياسة منظمة للتخلص منهم باعتبارهم من الشعوب المنحطة والعناصر الفاسدة، هذا بالإضافة إلى ما تعرضوا له في دول أوروبية أخرى من القتل والاعدامات المتلاحقة.

ربما لهذا اختار الغجر أن يعيشوا في عزلة أبدية رافضين الانخراط والاندماج، قابضين على طقوسهم وتقاليدهم شديدة الخصوصية. ورغم تشتت الغجر في كل بقاع العالم ومرورهم على الثقافات المختلفة إلا أننا يمكننا اعتبارهم كتلة واحدة متماسكة. فالغجر الذين يعيشون في الدول الأوروبية لا يختلفون كثيراً عن الذين يعيشون في بلاد العرب، كما أن هؤلاء الذين يعيشون في العراق مثلاً لا يختلفون عن أقرانهم في مصر، لأن العزلة خيارهم الذي لا سبيل إلى التخلي عنه.

 

عزلة وتحرر وزهد

يعيش الغجر في مصر متحررين من سطوة المكان والزمان. لا يأبهون للماضي ولا يفكرون كثيراً في المستقبل المجهول. ما يشغلهم هو كيف يقضون كل يوم بذاته بدون أدنى تخطيط للغد. لذا يسكنون في أطراف المدن الكبرى استعداداً للترحال، أو في الأماكن النائية الخربة التي تتناسب مع حياتهم المنسحبة من النسق الاجتماعي. كما أنهم يتوزعون في جميع قرى دلتا مصر وجنوبها. ويمكننا وصف حياة تلك الجماعة بالانعزالية والبدائية إذ يرفض الغجر الإفصاح عن هويتهم خوفاً من اضطهادهم ونبذهم.

يعمل الغجر في مهن محددة لم تتغير منذ أن جاؤوا إلى مصر، أشهرها: تجارة الخردة، صناعة الأراجيح، تصليح الأقفال، علاج الحيوانات، ألعاب السيرك مع حيواناتهم المدربة من قردة ونمور وثعابين وأسود.

كما تشتهر نساء الغجر بأعمال السحر، وقراءة الطالع، والتنبؤ بالمستقبل. وتعمل الكثيرات منهن غوازي (راقصات) في الأفراح الشعبية والموالد. ويمكن التعرف بسهولة على المرأة الغجرية من ملابسها المزركشة ذات الألوان الفاقعة، وما تتزين به من حلي معدنية، والشعر المصبوغ باللون الأصفر الذي يعتبر رمزاً لجمال المرأة. وغالباً ما تقوم الغجرية الكبيرة السن بوضع الأسنان المذهبة، ربما للتدليل على الثراء.

وهناك مسميات مختلفة يُطلقها المصريون على الغجر تبعاً للمكان الذي ينتشرون فيه. فالغجر الذين يسكنون في صعيد مصر يُطلق عليهم "الحلب" ويتميزون بفقرهم الشديد، ويعيش معظمهم في منازل من طين، ويمارسون حياة التجوال مصطحبين معهم خيامهم التي ينصبونها على مشارف المدن والقرى خلال الأعياد والموالد لممارسة الغناء والرقص ورسم الأوشام وقراءة الطالع.

وثمة جماعة أخرى تنتشر في الوجه البحري، ويطلق عليها اسم "النَور". هؤلاء يسكنون بيوتاً محصنة يصعب اقتحامها من قبل قوات الأمن وينتشرون في مناطق المطرية، وقرية طهواج بمحافظة الدقهلية، ومنطقتا ميامي والعصافرة بالإسكندرية، وكفر الدوار بالبحيرة، والفيوم وامبابة وأبو قتاتة بالجيزة.

 

تطبيق صارم لتقاليد الزواج

بشكل صارم، تطبق جماعات الغجر في مصر عادات وطقوس الزواج التي تختلف بشكل جذري عن طقوس المصريين. فحتى الآن لا يتزوج الغجر من خارج جماعتهم، رغبة منهم في عدم الاندماج مع المجتمع، كما أنهم يفضلون عدم دعوة غير الغجر إلى أفراحهم العامرة بالموسيقى والغناء.

وثمة زهد يغلف حياة الجماعات الغجرية يبدو واضحاً في بيوتهم البدائية التي تحتوي على الأشياء الضرورية فقط. لذا فالزواج بين الغجر سهل وبسيط إلى حد لا يمكن مقارنته بمتطلبات الزواج عند المصريين. وفي بعض الأحيان، يجمع الغجري بين أكثر من زوجة. وإذا كان الزواج أمراً سهلاً في مجتمع الغجر فإن الطلاق يبدو صعباً للغاية، بل إنه من النادر حدوثه.

 

الدين هامش والموسيقى متن

ويبدو الجانب الديني هامشياً في حياة الغجر، فهم يؤمنون بأن الله قد خلق الأرض للجميع، وأن من حقهم الإقامة في أي بقعة من العالم. لذا فالتطرف الديني ليس له مكان في حياة الجماعات الغجرية.

وإذا كان الدين هامشياً، أو لا وجود له في حياة الغجر، فإن الموسيقى هي المتن الرئيسي في حياتهم، فالغجر مشهورون بعشقهم للموسيقى والغناء. وفي الحقيقة لا توجد لغة موسيقية مشتركة بينهم، لكنهم حفظوا الأغاني والموسيقى المحلية للشعوب التي شاركوها الحياة وأضافوا إليها من نكهتهم الخاصة حتى صارت جزءاً من الهوية الوطنية لتلك الشعوب.

 

احتراف السيرة الهلالية

استطاع الغجر الحفاظ على أغاني الفولكلور والغناء الشعبي المصري من الضياع والاندثار، بل إن السيرة الهلالية تعد من تجليات هذه الجماعة.

وبحسب أستاذ الأدب الشعبي الدكتور خالد أبو الليل، لعب الغجر دوراً كبيراً في الحفاظ على الموروثات الشعبية المصرية وعلى رأسها السيرة الهلالية. وقال: "ارتبطت السيرة الهلالية في روايتها على فرقة موسيقية غجرية، ولولا الغجر لضاعت هذه السيرة وفقدت مصر جزءاً مهماً من هويتها الثقافية، إذ تخصصت هذه الجماعة في رواية السيرة الهلالية على نحو احترافي، واعتبرتها مصدر رزقها، وحرصت على أن تظل مستمرة فى المجتمع المصري، تعبر عن قضاياه المعاصرة، فغيروا فى مضمونها على النحو الذى يتماشى وطبيعة المجتمع الحديث؛ وذلك حتى يظل لها صلة بالجمهور".

 

تصورات سائدة لا تطابق الحقيقة

وفي دراسته المعنونة بـ"البناء الاجتماعي والثقافة في مجتمع الغجر"، رأى الدكتور نبيل صبحي حنا أن التصور النمطي السائد لدى غير الغجر عن الطابع الغجري الذي يُوصف غالباً بالانحطاط الأخلاقي يرتكز على مبدأ وجود اختلاف بين الغجر وغير الغجر، وهذا الاختلاف لا تتقبله الأغلبية بشكل عام.

ومن خلال المقارنة بين النموذج الموجود في ذهن غير الغجر عن الغجر وبين الواقع، توصل حنا إلى أن هذا النموذج أو التصور لا يُطابق الحقيقة تماماً، مشيراً إلى أن غير الغجر يحاولون إثراء التصور النمطي الذي يصوّر الغجر بأنهم جماعة غريبة، ومضيفاً أن ذلك يجد قبولاً لدى معظم الناس نظراً للرغبة العامة في الاستمتاع بكل ما هو غريب وتناقل ما هو غير مألوف.

وأرجع الباحث، الحياة الانعزالية التي اختارها الغجر إلى وضعهم دائماً في مقدمة المتهمين من جانب غير الغجر عند وقوع أي حادث، مؤكداً أن هذا جعلهم يعيشون في حال الحذر من الآخرين، إذ يحاولون الابتعاد عن المجالات التي يمكن أن تسبب لهم مضايقات أو اتهامات.

 

كلمات مفتاحية
العالم العربي

التعليقات

المقال التالي