الموظفون العراقيون قلقون من عودة أيام الفقر والجوع التي خبروها في التسعينيات

الموظفون العراقيون قلقون من عودة أيام الفقر والجوع التي خبروها في التسعينيات

تعتمد موازنة العراق العامة بنسبة تصل إلى 90% على النفط. وأتى الانخفاض الكبير في أسعاره عالمياً ليضع هذه الدولة في موقف اقتصادي صعب، خاصة أن العراقيين يبيعونه بسعر أقل من السعر العالمي بستة دولارات تقريباً، بالإضافة إلى استقطاع نسبة من كل برميل لمصلحة الشركات التي تستخرجه.

قبل أزمة أسعار النفط، كانت موازنة العراق تصل إلى 120 مليار دولار أميركي، ما دفع أعضاء في البرلمان العراقي إلى تسميتها بـ"الانفجارية"، لأن أي انخفاض في أسعار النفط يهدّد استقرار البلاد الاقتصادي. واليوم، في ظل التراجع الكبير في الأسعار، قد لا تتمكن الدولة من دفع رواتب موظفيها المقدر عددهم بستة ملايين.

 

الماضي المخيف

قبل عام 2003، أثناء فترة حكم الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين ، كان راتب أعلى موظف عراقي في السلم الوظيفي لا يتجاوز 11 دولاراً أميركياً. وذاك الراتب لم يكن كافياً لتسديد بدل إيجار منازل أغلب الموظفين الذين كانوا يستأجرون البيوت التي يسكنوها.

وقد حدث ذلك بسبب ما كان العراق يعانيه من صعوبات بسبب فرض حصار دولي عليه بعد غزوه الكويت. في تلك الفترة، اضطر أغلب الموظفين، ومنهم مهندسون وأساتذة جامعيون، إلى العمل مساءً في البناء أو بيع السجائر وغيرها من المهن البسيطة والمتواضعة.

أقوال جاهزة

شارك غردتخيّل أن تستيقظ لتجد أن راتبك صار يساوي 10$ أو أنك لن تحصل عليه أساساً. هذا واحد من السيناريوهات التي تقلق​ الموظفين العراقيين

شارك غردالترهّل في القطاع الحكومي وإهمال القطاع الخاص والفساد قد يدفعان بملايين الموظفين العراقيين إلى حافة الجوع

وروى لرصيف22 ربيع العكيلي، موظف منذ عام 1981 في وزارة الصناعة العراقية، أنه في عام 1995 اضطر إلى بيع أثاث منزله ليتمكن من دفع بدل إيجار بيته وتدبير لقمة عيشه، لأن راتبه الذي كان يبلغ 2000 دينار حينذاك، أي ما يعادل دولاراً ونصف دولار أميركي تقريباً، لم يكن يكفيه ليوم واحد.

وأضاف: "كنتُ أضطر في المساء للعمل في أحد المطاعم الشعبية بأجر يومي، وهذا ما مكنني من تجاوز تلك الفترة المظلمة بالنسبة للعراقيين".

 

تضخّم القطاع العام

مرّ العراقيون في تسعينيات القرن الماضي بصعوبات اقتصادية كبيرة. حينذاك، كان خريجو الجامعات والمعاهد لا يأبهون للوظائف الحكومية، ويبحثون عن عمل في القطاع الخاص لسد احتياجاتهم اليومية. لكن الحال اختلف بعد عام 2003. أصبحت الوظيفة الحكومية تُباع بمبلغ لا يقل عن ألف دولار أميركي، ولا يزيد عن خمسة عشر ألفاً.

وحالياً، بسبب الأزمة الاقتصادية التي يمر بها العراق، تقدّم عدد من الموظفين الحكوميين بطلب إجازة سنوية.

أحمد الكعبي، موظف في وزارة النقل العراقية، يُفكر في الحصول على موافقة مسؤوله على طلب إجازة ليتمكن من العودة إلى مهنته السابقة (النجارة) خشية من إفلاس العراق وعدم تمكّنه من الحصول على راتبه.

وقال أحمد لرصيف22 إن "الأخبار تشير إلى اتجاه العراق نحو ما يشبه الإفلاس، وهذا مؤشر خطير، وقد لا تتمكن الحكومة من صرف رواتبنا للأشهر المقبلة، وأنا على أبواب الزواج، لذا لا أريد أن تتعرقل حياتي، والأفضل لي الحصول على إجازة من وظيفتي والعودة إلى مهنة النجارة التي تدر علي مدخولاً جيّداً".

وأكّد الخبير المالي الدكتور عزيز البرزنجي لرصيف22 إن "السياسة المالية التي اعتمدها العراق بعد عام 2003 والتأثير السياسي الكبير على البنك المركزي العراقي، وعدم إيجاد آليات تعامل مع الأزمات المالية، هذه كلها أسباب أوصلت للعراق إلى ما هو عليه الآن من تدهور اقتصادي كبير".

وأضاف أن "بقاء اعتماد العراق على النفط كمصدر أساسي لموازنته العامة خطأ كبير، كما أن الترهل الوظيفي ووجود ما يقارب الستة ملايين موظف هما جزء من الخراب الذي وصل إليه العراق، لأن الأحزاب السياسية استغلت نفوذها في السلطة وعيّنت مئات الآلاف في الدولة لأغراض انتخابية، هذا بالإضافة إلى تغييب الاهتمام بنمو القطاع الخاص".

 

تخبّط المواطنين

ويعيش المواطن العراقي اليوم في حالة من التخبط، أنتجتها السياسة التي تمارسها الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2003، فلا هو يضمن الحصول على راتب تقاعدي بعد انتهاء خدمته للقطاع العام، ولا الفرصة تسمح له العمل في القطاع الخاص غير المنتج، بسبب الاقتصاد الريعي للبلاد.

وفي 21 يناير 2016، قال وزير المال العراقي، هوشيار زيباري في تصريح صحافي إن السنة الحالية "صعبة وقاسية". وفيما بيّن أن الحكومة ملزمة بدفع رواتب الموظفين من خلال إيجاد طرق وبدائل، أشار إلى أن توقعات انهيار أسعار النفط ستستمر لفترة طويلة.

ورأى زيباري أن من واجب الحكومة مكاشفة الشعب بالحقيقة لأن الأمور لم تعد كما في السابق، مشيراً إلى أن المبالغ اللازمة لدفع الرواتب تقدّر بنحو 4 ترليونات و100 مليار دينار (3 مليارات و700 مليون دولار) شهرياً.

وأكد الخبير الاقتصادي باسم جميل أنطون أن الحل الذي يجب أن تعتمده الحكومة العراقية لتجاوز الأزمة المالية يكمن في "منح القطاع الخاص فرصة كبيرة لجذب الاستثمارات ورؤوس الأموال التي ستخلق بدورها فرص عمل يمكنها أن تساعد الشباب العاطل عن العمل في الخلاص من كابوس البطالة، كما أنها ستكون فرصة لإعادة فتح المصانع وتشجيع الصناعة الوطنية".

وأضاف لرصيف22 أن فتح المصانع وتشجيع القطاع الخاص سيحد من عمليات الاستيراد العشوائي التي اعتمدها العراق خلال السنوات الماضية، كما سيكون داعماً لجهد الدولة في الخلاص من الأزمة المالية التي تعيشها، وهذا هو الحل الأنسب.

 

مصطفى سعدون

صحافي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان.

كلمات مفتاحية
العراق

التعليقات

المقال التالي