الصحة النفسية تهدّد اقتصاد العالم

الصحة النفسية تهدّد اقتصاد العالم

"العالم العربي مستشفى مجانين كبير"."الشعب العربي يعاني من حالة فصام"."الحكام مجانين والشعب يعيش على المهدئات". "الناس يعيشون على المهدئات وحبوب الهلوسة"... عبارات باتت مألوفة في منطقة تعيش مرحلة تُعدّ من الأخطر في تاريخها. حروب مشتعلة وانهيارات أمنية واقتصادية واجتماعية بالجملة تتبعها انهيارات نفسية حادة. ما يزيد الأمر صعوبة في المنطقة العربية، إزاء الاضطرابات النفسية التي أضحت مشكلة عالمية، هو أن الجنون يُعد علّة تثير السخرية أو الشفقة. والعلاج النفسي لا يزال في مناطق عدة في خانة العيب. أما الخيار الأسهل فهو الأدوية المهدئة التي تنتشر كالوباء متحولةً هي أيضاً إلى داء. المستفيد الوحيد هو شركات تصنيع هذه الأدوية التي أصبحت حاجة لدى الكثيرين من أجل هروب مؤقّت من الواقع.

صعوبة ضبط هذه المعضلة، تنبع كذلك من عدم وجود إحصائيات دقيقة حول من يعانون من اضطرابات نفسية، بسبب عدم الاعتراف بها كمرض عضوي مثل الأمراض الجسدية في أوقات كثيرة، وبسبب تداخل هذه الاضطرابات مع أعراض جسدية أخرى، ما يجعل التشخيص ضبابياً. أما الذهاب للمعالج النفسي فيعد ترفاً في الغالب، أما من باتوا يعتبرونه ضرورة فيواجهون مشكلة تغطية تكاليفه الباهظة.

 

ناقوس الخطر مجدداً بلغة السوق

بإزاء هذه المشكلة المتفاقمة عالمياً، في ظلّ تجاهل المسؤولين، أتى التحذير هذه المرة باللغة التي يفهمها الحكام وأصحاب المال. ففي الدراسة التي نشرتها دورية "ذا لانسيت" للطب النفسي في جنيف، جرت الإضاءة على الخسائر الاقتصادية الفادحة للأمراض النفسية، في مقاربة تخالف النظرة التقليدية للأرباح التي تحققها مبيعات المهدئات.

بحسب أرقام وزارة الصحة العالمية فإن شخصاً من عشرة مصاب باكتئاب أو اضطراب أو قلق شديد، وهذا يسير إلى ازدياد كبير في الأعداد مقارنة بالعقود الماضية، إذ قفزت الأعداد من 416 مليون شخص في العام 1990إلى 615 مليون في العام 2013. بناء عليه تكشف منظمة الصحة  أن الاضطرابات النفسية تكلف الاقتصاد العالمي سنوياً نحو 925 مليار يورو، في ظلّ ما تسببه من انقطاع عن العمل وخسائر في الإنتاج.

وحذرت المنظمة بأن عدم إيجاد حلول سريعة وفاعلة لهذا الواقع، سيكلف 12 مليار يوم عمل (50 مليون سنة)  بسبب الأمراض العقلية عام 2030. وإن كانت تكلفة زيادة المشورة النفسية والأدوية المضادة للاكتئاب خلال السنوات الـ15 المقبلة ليست سوى 147 مليار دولار، إلا أن هذا الاستثمار سيحسن من مشاركة القوى العاملة بنسبة 5 في المئة تصل إلى 399 مليار دولار، كما سيضيف 310 مليارات دولار كعائدات صحية أفضل.

وتشير الدراسة، التي تُعدّ الأولى من نوعها في اقتصاد الأمراض النفسية والعقلية، إلى أن استثمار دولار واحد من أجل علاج مرضى الاكتئاب أو اضطرابات القلق، سوف يأتي بفائدة بقيمة أربعة دولارات بسبب تحسن حالة المريض الصحية وارتفاع قدرته على العمل.

وبحسب معطيات الدراسة فإن الكثير من الدول تحجم عن الإنفاق على المرضى النفسيين بشكل كاف، إذ تستخدم حكومات عدة ثلاثة في المائة فقط من المتوسط من إجمالي الميزانية المخصصة للصحة لديها لمصلحة علاج هذه النوعية من الأمراض.

 

رسالة إلى "اجتماعات الربيع"

محطة قطار

تزامنت دراسة المنظمة مع فعاليات اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدولي في واشنطن، حيث التقى الخبراء والمسؤولون لدراسة الآفاق الاقتصادية العالمية واستئصال الفقر والتنمية الاقتصادية وفعالية المعونات، وكان موضوع زيادة الاهتمام بالصحة النفسية على جدول المناقشة.

وعلّق رئيس البنك الدولي جيم يونغ كيم قائلاً إن هذا الأمر لا يتعلق بالصحة العامة فحسب، بل كذلك يندرج في إطار التنمية، لأن الاقتصاد العالمي لم يعد يستطيع تحمل فقدان الإنتاجية. وأكدت المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية على ضرورة إيجاد سبل تتيح الحصول على الرعاية الصحية النفسية لجميع الرجال والنساء والأطفال، بغض النظر عن المكان الذي يعيشون فيه.

وتنبع أهمية الدراسة في ظل تدهور الصحة النفسية مع الحروب وحالات الطوارئ حول العالم، حيث ترتفع حدة الاكتئاب والاحباط والعقد النفسية وحالات الشيزوفرينيا التي يصعب معالجتها مع مرور الوقت، ما يستدعي تحركاً سريعاً. وقد حذرت منظمة الصحة من التعاطي مع هذه الاختلالات بالأدوية المهدئة فقط، كما في حالة أطفال سوريا الذين بدأوا يعانون من اختلالات نفسية حادة.

ورأى أستاذ الأنتروبولوجيا الطبية والنفسية في "جامعة هارفارد" أن على كل دولة أن تأخذ الصحة النفسية أولوية تنموية. وقال: "نحن بحاجة إلى تقديم العلاج الآن لمن يحتاجون إليه في المجتمعات التي يعيشون فيها"، وحتى ذلك الحين "ستبقى الصحة النفسية السبب في تراجع الشعوب والاقتصادات".

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي