تجارب أربعة مقاتلين في الحرب الأهلية اللبنانية. ما الذي يقولونه اليوم؟

تجارب أربعة مقاتلين في الحرب الأهلية اللبنانية. ما الذي يقولونه اليوم؟

خلّفت الحرب الأهلية في لبنان نحو 150 ألف قتيل و300 ألف جريح ومعوق و17 ألف مفقود، وأدت إلى فرز سكاني وجغرافي وتهجير أكثر من مليون نسمة، وراكمت خسائر اقتصادية فاقت 25 مليار دولار. فهل يكرر اللبنانيون التجربة؟ رصيف22 يعرض بعضاً من قصص الحرب لمقاتلين شاركوا في الحرب وأصيبوا فيها بين عامي 1975 و1990.

 

بيار ناصيف: طريق فلسطين لن تمر من جونيه

بيار ناصيف

يفسر بيار ناصيف، المولود عام 1959، حمله للسلاح بالقول: "لم تكن حرباً أهلية، بل كانت حرباً وجودية بين لبنانيين قرروا الدفاع عن وطنهم، وفلسطينيين غزاة أرادوا التعويض عن فقدان فلسطين، بالسيطرة على لبنان. والدليل على ذلك قول أبو إياد الشهير (طريق فلسطين تمر بجونيه)، وللأسف تطوعت بعض الأحزاب اللبنانية لنصرتهم".

كان بيار في الـ17 من عمره حين التحق مع مجموعة من الشبان بحزب الكتائب اللبنانية وحملوا السلاح من دون تدريب، وكانت بداية الحرب عبارة عن بروفا أولية لهم، لكنها حقيقية.

أصيب بيار في سبتمبر 1976 في معركة أسواق بيروت برصاصة قناص في ظهره، سببت له شللاً كاملاً أفقده القدرة على المشي. وعام 1977 نقل إلى معهد بيت شباب لذوي الاحتياجات الخاصة، وما زال هناك حتى الآن، أي منذ أكثر من 36 سنة.

وأضاف بيار: "أنا لم أر الآخر كعدو، بل جعلني عدوه، ولم أكن أرغب بذلك، لكنه أجبرني على مواجهته لأنها كانت معركة وطن ومصير وكرامة. فالآخر هو الذي اعتدى على بلدي، ولم يترك لي مجالاً لوسيلة أخرى غير الحرب". ويؤكد: "إذا عاد بي الزمن إلى الوراء، مستعد لتكرار التجربة دفاعاً عن وطني ووجودي لأنها قضية مقدسة، وإذا قام ابن بلدي بالتآمر ضدي للاستيلاء والسيطرة، فبالطبع سأواجهه".

أقوال جاهزة

شارك غرد"لا أظن أنه يمكن لإنسان عقلاني أن يؤمن بالقتال بعد كل هذه النتائج الكارثية مهما كانت حججه"


يشير بيار إلى أن إيمانه بالقضية الوطنية راسخ حتى الآن. فمن وجهة نظره، القضية لم تكن قضية مسيحية كما يصورها البعض، بل قضية وطنية بامتياز. والمسيحيون دافعوا عن فكرة الوطن. وتابع: "أنا ضد الحروب لأنها أصبحت حروباً بعناوين خارجية وأجندات غير وطنية، أما إذا كانت حرباً لاسترداد حق ما فلا مانع عندي".

يرى بيار أن "الحوار ضروري، وإذا كان الآخر تهمه مصلحة الوطن، فبالتأكيد سنصل إلى نتيجة، أما إذا كان غير مكترث، فالعواقب ستكون كارثية على كل الأطراف. فلا يوجد تبرير للتقاتل". وختم بأن "لبنان رسالة، وإذا استطعنا إعادته إلى ما قبل عام 1975 فإننا نكون قد نجحنا".

 

رودولف كرم: البعض ما زال مستعداً لتكرار تجربة الحرب

اشتعلت أول شرارة في الحرب بعد حادثة مقتل عنصرين من حزب الكتائب اللبنانية، وتلتها حادثة "البوسطة" في منطقة عين الرمانة عام 1975 وشاعت أجواء الخوف بين المسلمين والمسيحيين.

رودولف كرم، 49 سنة، قال لرصيف22: "عندما تشاهد كل هذا الخوف من حولك وأنت في مرحلة الطفولة، خوف الناس على أملاكهم ووجودهم، وعندما ترى أهل منطقتك يتسلحون بأبسط الأدوات ويتناوبون على حراسة المنطقة ليلاً حتى مطلع الفجر، وتنتشر خطوط التماس ويكثر عدد القناصين، فإنك ستندمج أوتوماتيكياً في الجو العسكري وتشاركهم في الخوف دون أي اختيار". وقال: "الآخر كان عدوي وكنت مقتنعاً 100% بأنني أحافظ على وجودي، لأن غريزة البقاء تولد مع البشر".

بدأ رودولف مسيرته مع حزب الكتائب وانتقل بعدها إلى القوات اللبنانية في أوائل الثمانينات وهو في عمر 14 سنة. حينها كان الدكتور سمير جعجع رئيس شعبة ثالثة، وإيلي حبيقة رئيس الهيئة التنفيذية. بادر حبيقة اتصالاته للتفاوض مع السوريين لإنهاء حالة الاقتتال.

ويروي أنه في 31 يناير 1985، وبعد توقيع الاتفاق الثلاثي من قبل حبيقة ووليد جنبلاط ونبيه بري، قال لي حبيقة: "خليك الليلة هون وبكرا الصبح منروح سوا على المجلس الحربي وبتفل من هونيك"، وأضاف "كنا على مدى 3 أسابيع نذهب إلى سوريا يومياً للتفاوض على إنهاء الحرب، وفي صباح اليوم التالي كنت مع رئيس جهاز الأمن والاستخبارات أسعد الشفتري في الفيللا المشتركة بينه وبين حبيقة في منطقة أدما في جبل لبنان، لكن حبيقة طرأ عليه موعد عمل في جونيه، ما اضطره لتغيير مساره. كان ينطلق ثم بعد ربع ساعة ينطلق موكب جهاز الأمن وذلك للتمويه. كان الكمين محضراً بدقة، وهو عبارة عن سيارتين مفخختين وعناصر مدججة بالسلاح في المنطقة المسيحية في نهر الموت. عندما أصبح الموكب بين السيارتين قاموا برمينا بالرصاص، فتوفي صديقي وأنا فقدت القدرة على المشي". يومها كانت عشية رأس السنة وكان الأوتوستراد مزدحماً بالسيارات والمارة ما أدى إلى مقتل نحو 30 مدنياً".

اشتدت الخلافات بين حبيقة وجعجع بسبب رفض الأخير للاتفاق الثلاثي، فجعل البطريرك صفير جعجع وحبيقة يقسمان على الإنجيل وتعهدا بوقف سفك الدماء. لكن سرعان ما انتفض جعجع ضد حبيقة وسيطر على المناطق الشرقية في 15 ديسمبر 1986 وانهار الاتفاق الثلاثي.

لم يستفد رودولف من الخدمات الطبية حينها، بسبب هزيمة جماعة إيلي حبيقة وسيطرة جعجع، ولكن بعد سنة تواصلوا معه للسفر إلى فرنسا، التي كانت تؤمن فرصاً لعلاج المصابين. في تلك السنة التي قضاها في فرنسا تعلم الإخراج والمونتاج التلفزيوني، وعاد ليكمل حياته بالرغم من أنه أصبح مقعداً. وعندما بات أيلي حبيقة نائباً ووزيراً بعد اتفاق الطائف، وانتهاء الحرب، صدر قرار بتوظيف مصابي الحرب فتم دمجه في المؤسسات الحكومية.

يعتقد رودولف أن نزعة الحرب لدى الشباب اللبناني ارتفعت بسبب الحقن السياسي والطائفي والمذهبي والعنصري. يقول: "في عملي لدي العديد من الأصدقاء الذين كانوا خصوم الأمس، وهم من طوائف وأحزاب متنوعة، ونحكي باستمرار عن الماضي، لقد عانينا جميعاً من الحرب لكن منهم من تعلم من تجربته ومنهم من هو مستعد لتكرارها". وأضاف: "لقد أدركت أن القضية التي ناضلت لأجلها انتهت ولم يعد هناك أي حاجة للحرب، واكتشفت أن الأمور بدأت تأخذ منحى المصالح الشخصية والزعامات، ولم تعد قضية وجود ومبادئ، وأصبحت أكره الحرب لدرجة أني أمنع ابني من اللعب بالدمى الحربية كالمسدسات وغيرها".

 

عباس ضيا: نعم، القضية كانت تستأهل كل هذه الدماء

أطلق عباس النار في أول معركة شارك فيها، وكانت معركة "الجريدة" في مواجهة حزب البعث العراقي، وتتالت بعدها المعارك التي خاضها ضد الشيوعيين والفلسطينيين، والمرابطون والكتائب والقوات وجيش ميشال عون وحزب الله. وتعرض لعدة إصابات في رأسه وقدميه وكتفه، ما سبَب له خللاً في المشي والحركة.

سكن في منطقة النبعة، وحين سقطت بيد حزب الكتائب، انتقل للعيش في الضاحية الجنوبية لبيروت. وعام 1980 التحق بمجموعة جيش حركة أمل. ولقبوه ZORO لأنه كان يرتدي القناع معظم الوقت.

عباس ضيا المولود عام 1963 قال عن تجربته: "لولا معارك انتفاضة 28 آب و6 شباط، لما استطعنا أن نربط بيروت بالجنوب عبر الطريق الساحلي مروراً بصيدا، وإسقاط اتفاقية 17 أيار 1983، اتفاقية العار التي كانت تنص على السلام بين لبنان وإسرائيل".

وقال: "كنت أرى الآخر عدواً، وكنا أصحاب حق ومبدأ، وما زلنا. فالجنوب هو قضيتنا ومحاربة إسرائيل وعملاء إسرائيل في الداخل، وشريكي في الوطن لا يمكن أن يتعامل مع إسرائيل أو مع التكفيري لأنه يصبح بذلك متآمر". وأضاف "فليقل لنا الآخرون ماذا كانت قضيتهم؟ لأجل من كانوا يقاتلون؟ هل كانت مناطقهم محتلة؟  لقد كانوا على خطأ والجميع عرفوا أننا كنا على حق بعد انتهاء الحرب".

وتابع: "نجحت قضيتنا وكل ما قاتلنا من أجله نجح، ولا بأس بالقتال إن كان ينبع من عقيدة، فنحن على حق ولدينا نهج نتبعه منذ 1400 سنة بينما الآخرون على خطأ". ويضيف: "ما زلت مستعداً للقتال في سبيل شعبي وكرامتي، فنحن تلاميذ السيد موسى الصدر والإمام الحسين، وقدمت ابني الوحيد شهيداً في مواجهة التكفيريين".

يؤكد عباس أن الأفكار التي حارب من أجلها كانت تستأهل كل هذه الدماء، ولا يزال على استعداد لتكرار التجربة. ويقول: "لدي أصدقاء من جميع الطوائف وأحبهم، لكن زعماءهم زوّروا لهم التاريخ والوقائع وأشعروهم بالخوف، بينما نحن أبناء الطائفة الشيعية كنا مضطهدين ومحرومين فعلاً، إننا أصحاب حق والآخرون على ضلال".

يأسف عباس، كون حركة أمل أخطأت مع عناصرها الذين قاتلوا وجاهدوا في صفوفها، ويرى أن قلائل هم من أخذوا حقوقهم، فالتعاطي معه لم يكن جيداً بعد انتهاء الحرب. منذ التسعينات، وهو يعيش في منزل مستأجر. وختم: "ما زلت أعمل وأتعب في حياتي علماً أنني تقاضيت تعويضي جرَاء إصابتي عام 1992 لكنه لم يكن يساوي شيئاً، ومقداره 850 ألف ليرة لبنانية فقط".

 

زياد حسن: لا قضية تعلو فوق الإنسان

زياد حسن

انتسب إلى الحزب الشيوعي اللبناني في أوائل السبعينات وانخرط في الأعمال التنظيمية والعسكرية، واشترك في مواجهات داخلية شملت الجبهة اللبنانية اليمينية، وخارجية تصدى خلالها حزبه للجيش السوري وإسرائيل. أصيب زياد في معركة ضد حركة أمل، التي كانت مدعومة من الجيش السوري، وكان حينها مع الجبهة الوطنية اليسارية، والإصابة كانت بقذيفة "أر بي جيه" أدت إلى انهيار حائط إسمنتي على وجهه، ففقد عينه اليسرى وأذنه اليسرى، وتلقى العديد من الشظايا في جسده، وبقي في قسم الطوارئ 17 يوماً في حال حرجة، واضطر إلى تركيب عين اصطناعية.

تفرغ بعد إصابته للتنظيم داخل الحزب الشيوعي، وبعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1990، تدرج داخل هيكلية الحزب وأصبح مسؤول منطقة. لكنه ترك الحزب عندما لم يعد يلبي طموحاته، ولم تحصل مبادرات من قبل قيادات الحزب، ما أدى إلى ابتعاد تلقائي بينهما بحسب قوله.

زياد حسن الذي يبلغ 60 عاماً الآن، قال لرصيف22: "في السابق كنت أرى الآخر عدواً، أما الأن فأراه خصماً سياسياً قابلاً للتحاور، وربما بمقدوره إقناعي بوجهات نظره". وأضاف: "المجتمع اللبناني كان يعاني من القوقعة حينها، ولم يكن هناك انفتاح بين شرائحه الاجتماعية، عكس اليوم، والتجربة التي خضتها أعطتني وعياً وطنياً، فالحزب الشيوعي كان عابراً للمناطق والطوائف، ومارست هذا المبدأ وما زلت في حياتي العملية اليومية".

يرى زياد أن أي قضية مهما رفع شأنها، هدفها الإنسان لأنه أكبر قيمة. ففي حال قتل الإنسان أخاه الإنسان لا يبقى أي مبرر لأي قضية. وقال: "لست مستعداً للتضحية بنفسي في سبيل أي قضية، بإمكاني التضحية بالمجهود والصبر والوقت والحوار لإقتناعي بجدوى وصوابية تراكم العملية السلمية".

فالشباب اللبناني ينقسم إلى فئتين حسب رأيه، قسم عايش الحرب الأهلية بتفاصيلها ولديه نظرة ناضجة وعنده خوف من تكرارها، وقسم من الجيل الجديد أكثر ميلاً للحرب، خصوصاً الذين يسكنون في منطقة من لون واحد، ويسمعون قناة إخبارية واحدة، ويتأدلجون بثقافة واحدة، ولا يتفاعلون مع محيطهم اللبناني المتنوع، لأن هذا الجيل معبأ باتجاه الآخر ويشكل حالة رعب للآخر.

يرى أن الحل يكمن في الحوار وتقديم التنازلات للشريك في الوطن كي نعيش معاً، وعدم فهم الآخر وإصدار أحكام مسبقة ونمطية عنه ترسم في مخيلة الجيل الجديد صوراً غير صحيحة. مثلاً المسيحيون كانوا يظنون أن الدروز لهم ذيل في مؤخراتهم، وهكذا انتشرت الصور والتعميمات المغلوطة عن الآخر. هكذا لا يعود الآخر في تصورنا إنساناً يستحق الحياة بل يصبح أشبه بحيوان يستحق الذبح.

وقال: "لو لم تكن لدى الشعب اللبناني مناعة ضد الحرب الأهلية، لكنا دخلنا في أتون صراعات دموية كما حدث في العديد من البلدان العربية، ولدينا تجربة أو امتحان جس نبض في 7 أيار 2007، حين امتشق فريق من اللبنانيين السلاح، ولم تقع حرباً أهلية بل انتهت باتفاق سياسي. لكن في الوقت نفسه نجد شباناً يحملون السلاح ويقاتلون في الخارج، فالبعض يخوض التجربة وحتماً سيقتنع في نهاية المطاف أن لا بديل عن السلم".

وختم: "لا أظن أنه يمكن لإنسان عقلاني أن يؤمن بالقتال بعد كل هذه النتائج الكارثية مهما كانت حججه، وإذا كان القرار للشعب اللبناني، فلا أعتقد بأنه سيعيد التجربة، لكن أرضنا خصبة للنزاعات الدولية".

 

فراس حمية

مسرحي وكاتب صحفي مقيم في لبنان. حائز على إجازة في التمثيل من معهد الفنون الجميلة ودبلوم في الإعلام والأديان من جامعة القديس يوسف في بيروت.

كلمات مفتاحية
لبنان

التعليقات

المقال التالي