عن رفق المصريين بالحيوان عبر التاريخ... ما الذي حدث؟

عن رفق المصريين بالحيوان عبر التاريخ... ما الذي حدث؟

نشهد اليوم تزايداً في المنشورات التي تبلغ عن وجود حيوان مصاب أو مريض أو رضيع فقد والدته في الشارع، على صفحات فيسبوك في العالم العربي، وفي مصر تحديداً، مع ذكر العنوان وطلب المساعدة. ومنشورات تطلب استشارات من أصحاب الخبرة بخصوص تربية الحيوانات، وأخرى مرفقة بفيديو أو صور تفضح بعض الممارسات غير الإنسانية ضد الحيوان. وأشهر هذه الفضائح، قيام محافظة الإسكندرية بإطلاق حملة لقتل الكلاب في الشوارع، وتسميم إدارات بعض النوادي القطط الموجودة فيها، وقتل القائمون على مدينة "مدينتي" بعض الثعالب النادرة التي تعيش حول المنطقة.

يتزامن ذلك مع  ظهور تغيرات طفيفة، لكن ملحوظة، في سلوك المصريين تجاه الحيوان، غالباً بعد صدمة الحادث الشهير لصاحب الكلب الذي أسلمه للذَبح لإنهاء مشاجرة مع بعض خصومه في فبراير 2015، هذا الحادث مثّل صدمة للكثيرين في ما يتعلق بمعاملة الحيوان. وتنتشر على مواقع التواصل الاجماعي صور لأشخاص، غالباً بسطاء، يعاملون الحيوانات بطريقة إنسانية.

فهل هذا سلوك جديد ظهر بتأثير وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، التي تناولت بعض الانتهاكات المتكررة بحق الحيوان؟ أو هي استعادة لقيم امتلكها المصريون قديماً وتوارت تحت تراكمات قسوة الحياة والتغيرات السلوكية؟

 

تاريخياً

تاريخياً، كان الرفق بالحيوان ومعاملته برقي من مكونات السلوك المصرية المعتادة. هذا عدا التقديس الذي أضفاه المصريون القدماء على الحيوانات، وتأثير الأصل الزراعي للمجتمع المصري وارتباط هذا النشاط بالحيوان، وأثر ذلك في نظرة المصري له. وإذا تجاهلنا ما يمكن وصفه بـ"الرفق الاضطراري" ببعض الحيوانات نتيجة معتقدات خرافية، كتلبُس الجن بها وخشية انتقامه ممن يؤذيها، فسنجد بعض النماذج التاريخية، التي تؤكد أن الرفق بالحيوان كان من الممارسات التي حرص المصريون عليها وضموها لموروثهم الأخلاقي.

أقوال جاهزة

شارك غردالرفق بالحيوان كان من الممارسات التي حرص المصريون عليها وضموها لموروثهم الأخلاقي


في عهد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، أبلغه البعض أن عدداً من أصحاب إبل النقل يحمّلونها نحو ألف رطل، فأرسل أمراً للقائمين على الأمر، أن لا يتم تحميل الجمل أكثر من 600 رطل.

وفي العصر المملوكي اعتاد أمراء وأثرياء بناء بعض المنشآت الخيرية، منها أحواض ماء خاصة لشرب الدواب خلال مرورها في الشوارع والطرقات.

وفي سوق "الدجاجين"، وهو سوق الطيور بأنواعها، اعتاد الناس أن يشتروا العصافير لأولادهم ليطلقوها اعتقاداً منهم أن الطائر المحرر يسبّح الله ويدعو لمن حرره. ويقول البعض إن هذه العادة هي مصدر للمثل القائل: "من عنده قرش يحيره يجيب حمام ويطيره".

في العصر المملوكي أيضاً، كانت الدولة حريصة على وضع قواعد منظمة للتعامل مع الحيوانات، تحت رقابة "المحتسب"، الذي يقوم بمراقبة تطبيق القوانين في الحياة اليومية والمعاملات المعيشية. من هذه القواعد ألا تُترَك حمولة فوق ظهر دابة عند توقفها، بل أن يتم إنزالها فوراً كي لا تتعذب بثقلها، وأن لا يسلخ الجزار الذبيحة إلا بعد أن تبرد تماماً لضمان خروج الروح منها حتى لا تتعذب، فضلًا عن مراقبة عملية الذبح للتأكد من إراحة الذبيحة. كما مُنِعَ حبس اللبن في ضرع الحيوانات ذات الألبان، مثل البقر والجاموس والأغنام لأن هذا يؤلمها. كما أُلزِم أصحاب دواب النقل كالحمير والبغال، أن يضعوا في أعناقها أجراساً تنبّه المارة لقدومها، وعدم ضربها ضرباً شديداً، والترفيه عنها كل يوم وليلة لحاجتها للراحة والسكون، وأن يراعوا الله في علفها وأن يكون مُشبِعاً، كما منعوا استخدام الخيل في تشغيل الطواحين لمخالفة ذلك لطبيعته. وتُختَتَم هذه القواعد، التي كان المحتسبون يعلنونها على الناس، بإنذار "من خالف ذلك أُدِّب وشُهِّر"، أي عوقب بمعرفة المحتسِب وتم التشهير به.

وقد بلغ الاهتمام بالحيوان في ذلك العصر، أن كان الذين يرغبون في فعل الخير من خلال "الوقف الخيري"، إنشاء وقف لبعض الحيوانات كـ"وقف الكلاب الضالة"، ليقتنيها من يشاء أو لتعيش مكرمة في المأوى، أو "وقف القطط العمياء". وأشهر تلك الأوقاف، ما قام به السلطان قايتباي، بإنشاء حوض لسقي الدواب واستراحتها في الظل في منطقة "صحراء المماليك" في مصر، وكان ملحقةً به عيادة بيطرية لعلاج المريض والمصاب منها.

ومن الممارسات الشعبية للرفق بالحيوان، وجود ما يُسَمّى "ميلغة الكلب"، وهي إناء صغير فيه ماء، يوضع أمام البيت لتشرب الكلاب التي لا تستطيع الشرب من حوض الدواب أثناء وجود الحيوانات الكبيرة كالحصان والحمار والجمل. كما كان يوضع تحت الزير إناء صغير يتجمع فيه بعض الماء لترتوي منه الطيور العابرة أو طيور المنزل.

 

ما الذي جرى؟

هذه الممارسات التي وثّقتها كتب التاريخ، كانت اعتيادية، واستمر العمل بها حتى وقت ليس بالبعيد. ثم بدأت تتراجع تدريجياً مع تسارع إيقاع الحياة، وتصاعُد مستوى "القسوة" في تعامل المصريين بعضهم مع بعض. فضلًا عن تعاملهم مع مختلف الكائنات الأخرى.

كان الأمر يحتاج لبعض "الصدمات"، ليبدأ الرفق بالحيوان في الظهور من جديد كسلوك اجتماعي منظم، بغير اتفاق. فكانت تلك الصدمات المتمثلة في بعض الجرائم ضد الحيوان بمثابة تنبيه للمجتمع.

ولكن، دعونا لا نفرط في التفاؤل، فما زال أمام المجتمع المصري الكثير ليرتقي سلوكه في معاملة الحيوان إلى المستوى السابق. ونظرة واحدة إلى الشوارع ومحال الجزارين في موسم عيد الأضحى، تؤكد أن الطريق في هذا الشأن لم يزل طويلاً.

 

مصادر المعلومات: "الحسبة في مصر عصر سلاطين المماليك" لنجوان أحمد سعيد، "تربية الأطفال في عصر سلاطين المماليك" للد. سحر السيد إبراهيم، "الأسواق المصرية في عصر سلاطين المماليك" للد. قاسم عبده قاسم، و"تاريخنا المفترى عليه" للد. يوسف القرضاوي.

 

وليد فكري

صحافي مصري وباحث في التاريخ. مساهم في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي