حين تكون تهمة "الردة" وسيلة للانتقام

حين تكون تهمة "الردة" وسيلة للانتقام

على الرغم من أن قضايا الردة نادرة أمام المحاكم الشرعية في الأردن، فقد باتت تهمة جاهزة لتحقيق مأرب شخصي أو السير في اتهامات كيدية، خصوصاً في ظل وجود بنود عدة في قانون الأحوال الشخصية، تجرد المرتد من غالبية حقوقه المدنية.

تعرف الردة في الدين الإسلامي بأنها الرجوع عن الإسلام أو الكفر بعد الإسلام، كما تشمل الكفر الصريح أو القول أو الفعل الصادر عن الشخص.

في المحاكم الشرعية الأردنية، لا تشتمل الردة فقط على الإعلان عن الرغبة في اعتناق ديانة أخرى غير الإسلام أو الإلحاد، إنما يمكن أن يُتهم بالردة من يثبت تجديفه بالله، أو شتم الذات الإلهية وازدراؤه للدين الإسلامي، أو التلفظ بألفاظ تخرج المسلم من دينه. فحسب فتوى صادرة عن دائرة الإفتاء الأردنية، فإن سب الدين أو الرب حرام، ويُعد فاعله مرتداً عن الإسلام.

أقوال جاهزة

شارك غردأصبحت الردّة تهمة جاهزة لتحقيق مآرب شخصية، كأن يرفع رجل دعوى ردة على زوجته لحرمانها من حقوقها عند الطلاق!

أبرز القضايا التي ظهرت إلى العلن قضية الخلاف بين عمدة العاصمة الأردنية عمان عقل بلتاجي، ورئيس جمعية المستثمرين في قطاع الإسكان فواز الحسن. فحين تطور الخلاف بين الطرفين حول مسألة تنظيم الإسكانات في المدنية، رفع الأخير قضية ردة على العمدة، مستنداً إلى عبارة عرضية قالها أثناء الحديث.

وبحسب لائحة الدعوة التي قدمها الحسن ضد العمدة في 18 يناير، فإن بلتاجي تلفظ بألفاظ تخرجه من الدين الإسلامي، حين خاطب الحضور قائلاً: "لو ينزل ابن الله ويجئني ما بغير موقفي".

اعتبر الحسن في لائحة الدعوى أن اللفظ الذي صدر عن المدعى عليه عقل بلتاجي، أمام مجموعة كبيرة من الحضور هو من ألفاظ الردة، التي فيها إشراك صريح بالله سبحانه وتعالى خلافاً لقوله تعالى "لم يلد ولم يولد".

أما بلتاجي، فرأى في تلك الاتهامات محاولة ابتزاز، ورفض الخضوع لأي ضغوط مهما كانت.

لا يوجد في الأردن أي عقوبة جنائية صريحة للردة، على خلاف بعض الدول العربية التي تجرمها. لكن، في المقابل هناك بنود في قانون الأحوال الشخصية تُحرم المرتد، أو من تثبت ردته، من غالبية حقوقه. فيحرم من تثبت ردته من الزواج، ولو كان الطرف الآخر غير مسلم، كما يفسخ عقد الزواج في حال ثبوت ردة أي من الطرفين عن الإسلام. ويخسر من تثبت ردته حضانته لأطفاله والولاية عليهم، ولا يحق له أن يرث أقاربه. أيضاً تخسر المرأة المرتدة عن الإسلام مهرها في الزواج، كما تبيح التشريعات تحريك شكوى قضائية ضد المرتد للحجر على ممتلكاته وحرمانه من التصرف بها.

في هذا السياق، تقول الناشطة الحقوقية المحامية لين الخياط: "ما تم في حالة عمدة عمان وغيرها من قضايا الردة المشابهة، تهدف إلى الإساءة لاستخدام النصوص القانونية بطريقة مؤذية للأفراد".

وتضيف: "هذا النوع من القضايا لها حساسية شديدة. ومن هنا، يجب التعامل معها بسرية ووضع قيود لها، خصوصاً أنه في كثير من الأحيان تثبت المحكمة الشرعية عدم ردة الشخص، لكن في المقابل يخسر القضية اجتماعياً، ويتم التعامل معه على أنه مدان بالردة في وسطه الاجتماعي".

وتشير الخياط إلى أن "القضاة الشرعيين متنبهون لحقيقة إساءة استخدام هذا البند، من هنا نلمس حرصاً كبيراً في التعامل مع تلك القضايا، وحالات إثبات الردة تحديداً، والقضايا التي يتم تحريكها من طرف غير معني، تكون شبه معدومة".

يخلو التقرير السنوي لدائرة قاضي القضاة في الأردن من أي إحصاءات تتعلق بحجم قضايا الردة في المحاكم الشرعية، أو عدد القضايا التي تم بها إثبات الردة أو نفيها، لكن قضاة شرعيين يؤكدون محدوديتها، كما أن نسبة إثبات الردة فيها نادرة جداً.

وتوضح الخياط أن الهدف من تحريك هذا النوع من القضايا ليس إثبات ردة الشخص المقابل، إنما "استخدامها بطريقة كيدية بهدف تضييع الحقوق أو تأخير إعطائها"، مشيرةً في هذا السياق إلى أمثلة عدة "كأن يرفع رجل دعوى ردة على زوجته لحرمانها من مؤخر الزواج، أو للمماطلة في إعطائها المؤخر أو النفقة إلى حين البت في القضية، أو أن يرفع شخص على آخر قضية ردة لتأخير السير في إجراءات قانونية أو خلافية بينهما".

بحسب قانون المحاكمات الشرعية الحالي، يحق لأي شخص التقدم باسم الحق العام في أي قضية تتعلق بالحقوق الشرعية. ووفقاً للخياط، فإن هذا البند يفتح المجال أمام التمادي في تحريك القضايا الكيدية، بحجة الحفاظ على الحقوق الشرعية.

وتقول: "الأصل أن يكون تحريك قضايا الحق العام في المحاكم الشرعية صادر عن مدعي عام المحكمة الشرعية، وأن يعمل المدعي العام الشرعي على التحقيق بسرية وموضوعية، قبل تحويل القضية للقضاء".

حالياً تعمل دائرة قاضي القضاة على إعداد قانون جديد لأصول المحاكمات الشرعية. يستحدث مشروع القانون الجديد نيابة عامة شرعية. ووفقاً للتعديلات المقترحة، فإن النيابة العامة ستكون هي المعنية في رفع قضايا الحق العام، ما يعني حتماً التخلص من إشكالية القضايا الكيدية التي يتم تحريكها ضد مواطنين كما في حالة الردة.

في هذا السياق، يبدي الباحث والمفكر الإسلامي الشيخ حمدي مراد أملاً في أن يسهم مشروع قانون أصول المحاكمات الشرعية الجديد في حل إشكالية الحق العام في القضايا الشرعية، والحد من سوء استخدام النصوص من قبل بعض الأفراد، لتحريك قضايا كيدية أو انتقامية.

ويوضح مراد أن "القضاء الشرعي حريص جداً في مثل هذه المواقف، لكننا نتمنى مزيداً من التفاصيل، التي تضيف دقة وعمقاً في مفهوم المحاكمات والمرافعات، وحتى لا يستغل منها الردة وحكمها وإطلاقها على الآخر لمصالح شخصية أو مآرب كيدية، ويجب أن تحرص المحاكم القضائية في ذلك حرصاً مضافاً على حرصها، لما يترتب على هذه التهم من مخاطر وردود فعل".

ويقول: "لا إكراه في الدين، وفي المقابل لا عبث في اتباع الدين. لذلك، فإن مفهوم الردة بحاجة إلى مزيد من الوقفات، خصوصاً في إطار القضاء والمحاكم، حتى نساهم في الإصلاح والتوجيه وليس القمع للآخر".

نادين نمري

صحفية أردنية متخصصة في صحافة حقوق الإنسان، لديها اهتمام خاص بقضايا الحريات الدينية والأقليات في الشرق الاوسط، والجندر وحقوق الطفل والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، مناهضة لعقوبة الاعدام. حائزة على جائزة صحافة حقوق الانسان للعام 2015 المقدمة من منظمة صحفيون لحقوق الإنسان ومعهد الإعلام الاردني. تعمل في مجال الصحافة المكتوبة منذ 12 عاما.

كلمات مفتاحية
الأردن

التعليقات

المقال التالي