كيف سيسدد العرب والمسلمون في أوروبا فاتورة تفجيرات بلجيكا؟

كيف سيسدد العرب والمسلمون في أوروبا فاتورة تفجيرات بلجيكا؟

كانت مروة حسن تستعد لمغادرة منزلها في العاصمة البريطانية لندن لاصطحاب طفلها البالغ من العمر عامين إلى حضانة الأطفال، القريبة من البيت، عندما فوجئت بأنباء تفجيرات بروكسل، فقررت اللجوء لاستراتيجيتها المفضلة في هذه الحالات، وهي البقاء داخل المنزل.

تقول مروة، وهي مصرية مسلمة تعيش في لندن منذ أكثر من 10 سنوات: "أشعر بالرعب من النزول إلى الشارع وبصحبتي طفل، ربما يفكر أحدهم في الاعتداء على طفلي، ولا أستطيع منعه خصوصاً أن هذا النوع من الهجمات زادت وتيرته أخيراً، وقد نضطر لإلغاء الذهاب إلى الحضانة حتى تهدأ الأمور".

تملك مروة، التي ترتدي الحجاب وتعمل منتجة فيديو، أسباباً وجيهة لخوفها من التعرض للاعتداء. فقد سبق لها سماع تعليقات توصم الإسلام بالإرهاب، وتطالب بترحيل كل المسلمين من أوروبا، من أشخاص التقوا بها عشوائياً في الشارع.

تعبر حالة هذه السيدة عما يتعرض له العرب والمسلمون في أوروبا من عداء بعد الحوادث الإرهابية، وآخرها تفجيرات بروكسل، التي راح ضحيتها أكثر من 30 شخصاً، وأعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عنها.

وزادت المواقف العنصرية التي تتعرض لها مروة بعد اعتداءات فرنسا الإرهابية، التي وقعت في نوفمبر 2015.

وأضافت: "أتعرض غالباً لتعديات لفظية من أشخاص يتعمدون رفع أصواتهم في وجهي والحديث عن الإرهاب، كما يتعمد البعض النظر إلي باشمئزاز فور رؤيتي، وكأنني المسؤولة عن الانفجارات، وفي إحدى المرات تجاهل سائق حافلة عامة التوقف في المحطة التي أنتظر فيها بمفردي".

كما تمتد معاناة مروة إلى إجراءات السفر أيضاً، ما يدفعها لتأجيل سفرها إلى بلدها الأم حتى تهدأ الأوضاع.

وتوضح السيدة المسلمة أن مظهرها وزوجها يدفع بعض رجال الأمن في المطارات الأوروبية لتعمد المبالغة في تفتيشهما. وتوضح: "حتى بعد ركوبنا الطائرة تلاحقنا نظرات الركاب القلقة والمشككة، لذلك نفضل الانتظار لينسى الناس أحداث العنف".

 

قيود على الهجرة

لا تختلف مشاعر مروة كثيراً عن شعور محمد طنطاوي، وهو مهندس مسلم يعمل في السويد. يلخص محمد رد فعله على تفجيرات بلجيكا بكلمتين: "إحباط وخوف"، قبل أن يضيف: "ماذا الذي يضمن ألا يكون التفجير التالي في ستوكهولم؟".

يرى طنطاوي أن الضرر الواقع على العرب والمسلمين تمتد آثاره حتى لمن هم خارج أوروبا، سواء الباحثين عن عمل أو الراغبين في الهجرة واللجوء.

ويعتقد المهندس أن غالبية السويديين متعاطفين مع الأقليات الذين يعيشون في بلادهم، لكنهم في الوقت نفسه يريدون من المسلمين أن يحلوا مشاكلهم من دون نقلها إلى السويد. ويقول: "الإرهاب والهجرة واللجوء، كلها موضوعات مرتبطة بعضها ببعض، ولا يمكن مناقشتها بشكل منفصل، لأن مرتكبي الحوادث الأخيرة دخلوا أوروبا ربما برفقة جيل سابق من المهاجرين أو اللاجئين".

لا ترهب الاعتداءات المادية طنطاوي، لكن أكثر ما يقلقه هو السياسات المستقبلية لدول أوروبا، وتزايد شعبية الأحزاب اليمينية المتطرفة، ما قد يؤدي إلى صدور قوانين تحرم العرب من العمل أو الهجرة، أو حتى حرية التنقل في أوروبا.

 

جرائم كراهية

يبلغ عدد المسلمين في أوروبا أكثر من 20 مليوناً، ما يساوي 6% من إجمالي سكان القارة العجوز، بحسب إحصاءات مركز "بيو" الأمريكي للأبحاث. ومن المتوقع وصولهم إلى 30 مليوناً عام 2030. ويعيش في بلجيكا التي شهدت أحداث الثلاثاء الدامي نحو 700 ألف مسلم.

وتشهد جرائم الكراهية تجاه المسلمين زيادة ملحوظة عقب التفجيرات والاعتداءات الإرهابية بواسطة جهات أو أفراد تعلن انتماءها للإسلام. ففي الأسبوع التالي لاعتداءات فرنسا العام الماضي، سجل المجلس الفرنسي للدين الإسلامي 60 جريمة كراهية تجاه المسلمين ودور عبادتهم، وفي بريطانيا تم تسجيل 115 جريمة كراهية في الأيام العشرة التالية للاعتداءات نفسها.

 

الأزمة بعيون أوروبية

ولكن كيف يرى الأوروبيون علاقة السكان المسلمين بحوادث الإرهاب التي يقودها تنظيم الدولة الإسلامية حالياً؟ رصيف22 تواصل مع "فوت فان كايمر"، الباحث السياسي في البرلمان الأوروبي، الذي تصادف وجوده بالقرب من محطة "مالمبيك" التي شهدت أحد انفجارات بروكسل.

وفسر فان كايمر تزايد الاعتداءات على المسلمين بعدم قدرة نسبة كبيرة من الأوروبيين على التمييز بين الإرهابيين والمسلمين المسالمين، والاعتقاد السائد بوجود تعاطف من جانب السكان المسلمين، والإرهابيين خصوصاً، ذلك أن مرتكبي هذه الحوادث لم يأتوا من الخارج بل خرجوا من المجتمعات الإسلامية.

وقال فان كايمر: "حتى لو كان عدد المتطرفين يقدر بالعشرات أو المئات، لكنهم جاءوا من بين السكان المسلمين ولم يهبطوا من السماء"، ما يجعل التفرقة صعبة بين المسالم والإرهابي.

وأوضح أن بروكسل مدينة متنوعة سكانياً، وفيها أعداد كبيرة من المسلمين متمركزة شمال غرب المدينة، وهي منطقة تعاني من زيادة نسب البطالة. وهناك اعتقاد سائد لدى الناس أن فتح الباب لاستقبال المهاجرين يزيد البطالة، ما صنع صورة سلبية عن المهاجرين المسلمين.

تغذي هذه الظروف شعبية الأحزاب اليمينية المتطرفة، وينتهز بعض السياسيين حالة الإحباط العامة من تزايد البطالة وتراجع التصنيع والتحديات الناتجة عن العولمة، التي تضر بالاقتصاد المحلي للدول الأوروبية، لترويج أفكار تعادي الآخر، وتزيد من خشونة الخطاب المعادي للإسلام والثقافة العربية.

ويضيف فان كايمر: "هناك دائرة مفرغة من الكراهية، فالحوادث الإرهابية تساعد على نمو كراهية المسلمين، ما يؤدي بدوره إلى محاصرتهم داخل مجتمعات ضيقة، ليصبحوا فريسة سهلة للتطرف والأفكار الجهادية".

في المقابل، هناك نسبة غير قليلة من الأوروبيين الرافضين لنمو التيارات اليمينية، ويفضلون العيش في مناطق من مدينة بروكسل تتسم بالتنوع العرقي والديني، كما يميلون إلى التطوع لمساعدة اللاجئين والجيل الجديد من أبناء المهاجرين.

وبحسب فان كايمر تؤدي الهجمات الإرهابية في أوروبا إلى:

  • تراجع الخصوصية ومنح صلاحيات لأجهزة الأمن للمراقبة العامة.
  • مزيد من الإنفاق على الأجهزة الأمنية ودعم القمع.
  • تراجع حقوق الإنسان.
  • سياسات تصعب من قبول المهاجرين واللاجئين القادمين من الشرق الأوسط.
  • دعم أقل لمبادرات الحد من العنصرية.

 

اللاجئون السوريون

أما ليتيتسيا جامبيني، مديرة الإعلام في مؤسسة "سورس فابريك" الصحافية في برلين وعضو جمعية أورومتوسطية للشباب، فترى أن الضحية الأولى للحوادث الإرهابية في أوروبا بعد القتلى والجرحى الذين سقطوا فيها، هم اللاجئون السوريون والعرب والأفارقة بشكل عام.

وتقول جامبيني لرصيف22: "الكثير من اللاجئين يصلون إلى المجتمعات الأوروبية ويبقون داخل دوائرهم من دون تواصل مع السكان، ما يجعلهم عرضة دوماً للّوم ويسهل اعتبارهم مصدراً لتهديد السلم الاجتماعي في أوروبا".

 

كلمات مفتاحية
الإرهاب

التعليقات

المقال التالي