هل تنقرض الصحف الورقية فعلاً في الـ2040؟

هل تنقرض الصحف الورقية فعلاً في الـ2040؟

في زمن الانهيار اللبناني المتسارع والفراغ المستحكم بمفاصل الدولة، يأتي خبر توجه الصحف اللبنانية العريقة للإقفال ليجعل المشهد أكثر قتامة. السبب المعلن في بيانات الصحف، التي تدرس هذا القرار لم يكن جديداً: الأوضاع الاقتصادية والمالية المتردية. ويبدو أن الأمور وصلت إلى مستويات متقدمة من التأزم، إذ لم تكن أحوال هذه الصحف في أحسنها قبلاً، فهي تصارع للبقاء في وجه الصحافة الالكترونية المتنامية منذ سنوات عدة، في ظل غياب مصادر التمويل مع انهيار الأنظمة وتراجع المعلنين.

 

"السفير" و"النهار" و"اللواء"

هكذا فوجئ موظفو صحيفة "السفير" اللبنانية بكتاب من رئيس التحرير طلال سلمان يناقش فيه خيار التوقف عن الصدور بالنسخة الورقية، معللاً ذلك بأن "الظروف اختلفت خصوصاً في ظل ثورة المعلومات (مواقع التواصل)، فضلاً عن تبدل الأحوال في طول الوطن العربي وعرضه، ونحو الأسوأ، مع الأسف. كذلك فإن الظروف السياسية والاقتصادية فاقمت الأزمة، لا سيما وأنها انعكست على الدخل الإعلاني وعلى الاشتراكات وصولاً إلى البيع".

أقوال جاهزة

شارك غردالعديد من مسؤولي الصحف العربية لا يعون أهمية المواقع الالكترونية باعتبارها صحيفة قائمة بذاتها، لا مجرد "أكسسوار" للنسخة الورقية

طمأنت "السفير" موظفيها إلى "احترامها لحقوقهم، بل تقديسها لهذه الحقوق"، لكن حال الصدمة التي عمت لم يكن سببها الخوف على المصير وحسب، بل مشاهدة انهيار أحد أعرق المؤسسات اللبنانيات التي حملت شعار "صوت الذين لا صوت لهم"، وذهبت على امتداد الوطن العربي حاملة قضايا العروبة والوحدة. مؤسسة خرج منها كبار كتاب وشعراء وصحافيي ورسامي العالم العربي، وعايشت كبرى التحولات في العالم العربي وصمدت أمامها، تعلن التوجه للإقفال عشية عيدها الثالث والأربعين. مع العلم أنها كانت رفعت كلفة النسخة الورقية قبل فترة، وأتبعتها بتسريح بعض الموظفين في محاولة لامتصاص الأزمة.

بموازاة ذلك تدرس صحيفة "النهار"، التي تُعتبر الأعرق، وقف الصدور الورقي بعدما بدأت منذ سنوات التخفيف من حجم الأعباء، من خلال التخلي عن كتاب بارزين لديها. ثم عمدت إلى تقليص عدد صفحاتها، وفتح مجال الرحيل الطوعي للموظفين بعد التأخر في دفع رواتبهم لأكثر من سبعة أشهر للبعض.

ولتكتمل مشهدية الانهيار، خرج رئيس تحرير صحيفة "اللواء" صلاح سلام ليبلغ الموظفين عن فتح باب الاستقالات بعد تعميم الصحيفة، التي تصدر منذ العام 1963، على الموظفين خبر التوجه إلى حسم الرواتب، ومن يعترض على هذا القرار بإمكانه الاستقالة.

هذه القرارات قوبلت بموجات استنكار واسعة ونوبات حزن على النسخة الورقية، التي لا تسقط معها رائحة "فلفشة" الجريدة، ومشهد الأكشاك المعتاد فحسب، بل ذكريات كاملة يخفف وجودها من ضراوة الواقع.

 

لبنان ليس وحده

المشهد على سوداويته ليس حصراً على لبنان. العالم بأجمعه يفقد صحفه الورقية التي تشكو انعدام التمويل وفقدان القراء، بينما يتحدث المتابعون، ومنهم الخبير الإعلامي روس داوسن عن بدء انقراض الصحف الورقية بنسب وأطر زمنية متفاوتة، وصولاً إلى الانقراض التام في العام 2040. في العالم العربي، قد تكون مصر المثال الأبرز، فبحسب تصريح رئيس تحرير جريدة "اليوم السابع" المصرية، انخفضت كمية الصحف المطبوعة في مصر إلى 800 ألف نسخة في العام 2015، بعد أن كانت في العام 2010 بحدود مليوني نسخة يومياً.

عالمياً، ترزح "نيويورك تايمز"، وهي إحدى أبرز الصحف الأميركية، تحت ديون بقيمة مليار دولار أميركي، ولا تملك منها كسيولة إلا 60 مليون دولار. وسجلت أسهمها تراجعاً بنسبة 55% العام الماضي، وتراجع عدد المحررين فيها من 1330 إلى 1250. كما خفضت الصحيفة رواتب معظم موظفيها بنسبة 5% لمعظم فترات السنة. بدورها، أوقفت صحيفة "واشنطن بوست" إصدار عددها الأسبوعي الخاص، وعمره 27 سنة، بعدما انخفضت نسبة مبيعاته. وتراجعت خلال الفترة الأخيرة، صحف عريقة مثل "كريستيان ساينس مونيتور"، الغارقة في الديون، تماماً عن إصدار النسخ الورقية التي انخفضت إلى 200 ألف نسخة، واكتفت بتلك الإلكترونية التي يزورها أكثر من مليون متصفح. بينما اتجهت صحف أخرى مثل "لوس أنجلوس تايمز" إلى تسريح عدد كبير من موظفيها.

بدورها، أعلنت صحيفة "الغارديان" البريطانية أنها تعتزم التخلي عن 100 موظف، بعد انخفاض عائداتها من الإعلانات 25%. وتوقفت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية هذا الشهر عن الصدور، لتستمر في صيغتها الإلكترونية. وبذلك تكون "الإندبندنت"، التي صدرت في العام 1986، أول صحيفة بريطانية تتحول إلى الصيغة الرقمية فقط. بدوره قال رئيس تحرير صحيفة "الباييس" الإسبانية، صاحبة أكبر توزيع في البلاد والمعروفة بصحيفة إسبانيا الديموقراطية منذ عام 1976، إن الصحيفة تتجه لوقف نسختها المطبوعة والاكتفاء بالموقع الالكتروني.

 

المواقع الإلكترونية: بديل أم "أكسسوار"؟

صحيح أن المشكلة تجمع الصحف الورقية عبر العالم، لكن الفرق لا يزال شاسعاً بين العالم العربي والبقية، في مقاربة أزمة الصحافة المكتوبة، ولا تنطبق على الطرفين ظروف ومواقيت انهيار النسخ الورقية (الحروب، التمويل، انقطاع الانترنت، الكهرباء..) نفسها. بينما وظفت الصحف العالمية العريقة الصعود التكنولوجي للاستمرار، واستطاعت تطوير مواقع إلكترونية تحتوي أزمتها، وتنافس الصحف الصاعدة. تتعدد المشكلات المتعلقة بالصحف العربية وتتشعب. من عدم وجود ثقافة حقيقية لدى مسؤولي الصحف تعي أهمية المواقع الالكترونية، باعتبارها صحيفة قائمة بذاتها، وليست مجرد "أكسسوار" للنسخة الورقية. إلى تغير المزاج الشعبي، وحال القرف التي جعلت جمهوراً واسعاً ينفض عن القراءة والمتابعة العميقة. إلى تغير خريطة السياسة في العالم العربي وانهيار أنظمة وصعود أخرى، ما ترك تأثيراً عميقاً على الصحف الممولة سياسياً بشكل أساسي. إلى النوستالجيا التي تنظر إلى كل جديد بعين الريبة وتعلي من شأن الماضي. وعندما تقرر اللحاق بالركب، يكون القطار قد سبقها في عالم يتقدم بسرعة مرعبة. إلى وإلى... الأسباب لا تنتهي، بينما يعد النقاش فيها في عالم غارق بالقتل والدماء في أحسن الأحوال ترفاً.

 

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيد عن التجاذبات السياسية القائمة.

كلمات مفتاحية
الإعلام لبنان

التعليقات

المقال التالي