قصص نجاح شباب سوريين فرّوا من جحيم الحرب وأعادوا بناء ما فقدوه

قصص نجاح شباب سوريين فرّوا من جحيم الحرب وأعادوا بناء ما فقدوه

عيون فيها الكثير من الأمل في تخطّي الحسرة على الماضي، ووجوه متفائلة بعد أن كاد اليأس يتملّكها... هي عيون ووجوه مجموعة من الشباب السوريين الذين تمكّنوا من تحقيق نجاحهم الخاص في فترة قصيرة والبدء من جديد.

هم شباب من أسر كانت أوضاعها المادية مرتاحة. آباؤهم كانوا مُبدعين في فن النِجارة ويمتلكون ورشاً تضم عشرات العمال وصيتها حسن في سوريا، وبالأخص في منطقة جوبر في دمشق.

ولكنّ شبح الحرب التهم كل ما راكموه فقرّروا، قبل أربع سنوات، الرحيل والبدء من جديد في مكان آخر من العالم بعيداً عن الدمار. وكانت مصر هذا المكان الجديد. "من تحت الصفر"، على حد قولهم، بدأوا وأصبحوا من أشهر النجارين في محافظة الجيزة.

 

رحلة الهروب من الحصار

بعينين مغرورقتين بالدموع قال: "لا أريد أن أتذكر الماضي، حتى لا أصاب بالجنون". هو حسان دحروج، ابن الثلاثين عاماً، الذي ترك بلده في الرابع عشر من أغسطس عام 2012.

أقوال جاهزة

شارك غردأفقدتهم الحرب كل ما امتلكوه في سوريا ولكنهم لم يستسلموا. أربعة شباب أعادوا بناء ما خسروه وانطلقوا من جديد

شارك غردفي الذكرى الخامسة للثورة، قصص نجاح سوريين اضطرتهم الحرب إلى ترك بلدهم وممتلكاتهم فأعادوا بناء حياة جديدة


"جاء موعد تجنيد شقيقي الأصغر محمد، ولم يكن أمامه سوى خيار واحد هو الخروج من سوريا حتى لا يفقد حياته في حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل. في ذلك التوقيت كانت المدينة محاصرة ونسبة الدمار فيها لا تتجاوز الـ50%، آما الآن فدُمّرت بالكامل. رفض أخي الخروج من سوريا بمفرده، فبدأنا في دراسة الخروج معه".

نجار

وأضاف: "كانت الحرب في ذلك الوقت قد التهمت ما نملكه من ورش. وفكّرنا أنا وأصدقائي سامر محجوب، وربيع جراد، وجميل صابر في الخروج. فشقيقا سامر وربيع في مثل سن شقيقي، وكانوا أيضاً مهددين بالطلب للتجنيد. لذلك وجدنا أن لا مفرّ من الخروج من سوريا. وهذا ما جرى".

في نهاية شهر أغسطس 2012، جمعوا ما تبقى لهم واستعدّوا. كانوا جميعاً يمتلكون أربعة آلاف دولار. خرجوا إلى لبنان ثم إلى مصر، وكانوا ينوون الذهاب إلى ليبيا للعمل هنالك، "ففي ليبيا لدينا أصدقاء سوريون يعملون في النجارة وكانوا سيُوفّرون لنا فرصة عمل"، روى دحروج.

وتابع: "دخلنا مصر عن طريق المطار. كان في انتظارنا صديق سوري سبقنا إلى مصر قبل عدة شهور، وأخذنا إلى مسكنه في حي شبرا الخيمة. كان يعمل في أحد المطاعم الشعبية. وكان من المقرر أن نبقى هنالك أربعة أيام ولكننا بقينا سنة ونصف السنة تقريباً".

 

الاستقرار في مصر بالصُدفة

آخر جملة لدحروج أضحكت الجميع. وهنا قرّر سامر محجوب أن يشاركنا في الحديث ويحكي عن كيفية استقرارهم في مصر. قال: "قضينا في شبرا ثلاثة أيام وفي اليوم الرابع ذهبنا إلى مكتب سفريات ليبي في منطقة وسط البلد. ذهبت مع حسان لمعرفة تفاصيل السفر إلى ليبيا. وجدنا هنالك موظفاً ليبياً. وعندما أخبرناه أننا سوريون، تغيرت ملامح وجهه وقال لنا: لماذا تذهبان إلى ليبيا؟ عودا إلى سوريا وجاهدا مع إخوانكم هناك. فقلت له: لماذا لا تذهب أنت إلى الجهاد؟ وكدنا أن نتشاجر لولا تدخّل حسان. خرجنا من المكتب، وحينها قررت عدم السفر إلى ليبيا، والاستقرار في مصر، ووافق الجميع على ذلك. بقينا في شبرا، وكان هدفنا الوحيد هو البحث عن عمل قبل أن تنفد أموالنا.

 

البحث عن العمل قبل نفاد الأموال

وأكمل حسان دحروج: "رحلة البحث عن عمل كانت من أصعب ما يكون، واستمرت ما يقرب من تسعة أشهر. طرقنا جميع الأبواب وذهبنا إلى دمياط والإسكندرية وصعيد مصر. ووجدنا في النهاية أن الأمل الوحيد هو إيجاد عمل داخل القاهرة، لأن الجميع يأتي من المحافظات للعمل هنا".

نجار

وأضاف: "تعرّفنا على صاحب محل ملابس يريد أن يُصمم خزانة لعرض الملابس بداخلها، وأحضر لنا تصميماً لما أراده. ووافقنا على التنفيذ مع أنه رفض أن يُعطينا جزءاً من المال مقدماً لشراء المواد اللازمة. بدأنا نبحث عن أماكن لشراء الخشب في منطقة الموسكي، واشتريناه أنا وسامر وكانت التكلفة 1500 جنيه. وبعدها استجدّت مشكلة أخرى، وهي أين سنقوم بتنفيذ ذلك. نريد ورشة. بحثنا ووجدنا ورشة صغيرة، وقمنا باستئجارها مقابل 100 جنيه يومياً. ونفذنا الخزانة في يومين، وذهبنا بها إلى صاحب محل الملابس، فطلب عشر قطع أخرى، فوافقنا ونفذنا طلبه في غضون شهر تقريباً. وهكذا كانت البداية".

ربيع جراد يبلغ من العمر 26 عاماً، وملامحه مصرية أكثر منها سورية. حدّثنا عن رحلتهم في مصر: "تعلمت الكثير، الاجتهاد وعدم اليأس، والتوكل على الله. فبعد أن قمنا بتسليم العمل لصاحب محل الملابس، أخذنا نبحث عن عمل آخر قبل أن تنفذ أموالنا، وبالأخص أن هامش الربح كان قليلاً، وجميعنا لدينا التزامات من مسكن ومأكل ومصاريف يومية. البحث عن عمل يحتاج إلى مصاريف تنقّل، فكنا في بعض الأحيان نمشي لأكثر من خمس ساعات حتى نوفّر بعض المال. في تلك الفترة أكثر شيء أحببته هو هاتف سامر".

 

أولى خطوات النجاح الحقيقية

ضحك الجميع مرة أخرى. وقال سامر: "في أحد الأيام كان التعب يتملكنا جميعاً من كثرة المشي والبحث عن عمل. وفي الليل رنّ هاتفي وإذا بشخص يدعى محمود كنّا قد تعرّفنا عليه أثناء المشاجرة مع الشخص الليبي الذي كان يعمل في مكتب السفريات. طلب مقابلتي أنا وحسان. وبالفعل في اليوم التالي ذهبنا إليه في منطقة فيصل، وأخبرنا أن مُقاولاً يطلب نجارين للعمل في منطقة التجمع الخامس وبالأخص في الداون تاون. ذهبنا إليه واتفقنا. وعملنا معه لمدة عام ونصف العام. كنّا نُصمم له مكاتب ونُجهز مطاعم ومحالّ ملابس".

نجار

نجار

ذكّر حسان الحاضرين برحلة البحث عن ورشة نجارة ليقوموا بتنفيذ ما يطلب منهم. وقال: "بعد أن بدأنا في العمل مع المقُاول، بدأنا نبحث عن ورشة نجارة أكبر. ووجدناها في منطقة فيصل، كان صاحبها يستخدم جزءاً منها. واستأجرنا منه مكاناً داخل الورشة. ومع مرور الوقت طلب نسبة مما نقوم بتصنيعه. في ذلك الحين لم نستطع الرفض لأننا لم نكن نمتلك المال اللازم لشراء معدّات خاصة بنا".

 

رحلة البحث عن الاستقلالية

"كنا نجوع وندّخر لكي نحقق استقلاليتنا"، قال جميل صابر ليشاركنا هو الآخر الحديث عن رحلتهم. وأضاف: "بعد أن فرض علينا صاحب الورشة نسبة من الأرباح، كان هدفنا الأول هو الادخار وشراء معدات، لنعمل باستقلالية. ونجحنا بتوفيق من الله في فعل ذلك خلال عام ونصف عام. كنّا نعمل ليلاً ونهاراً، وجمعنا نحو خمسين ألف جنيه".

IMG_20160307_214719

وتابع: "بحثنا عن مكان مناسب لتجهيز ورشة ووجدناه، ولكن سعر المعدّات كان مرتفعاً ويقارب المئة ألف جنيه. لذلك لم يكن أمامنا سوى أن نجمع الماكينات يدوياً. وحتى هذة الفكرة كانت مكلفة أيضاً. أمضينا شهراً كاملاً في البحث عن معدات، ولم يتمّ الأمر إلا من خلال هاتف سامر".

وأكمل صابر: "كان المتصل شخصاً قمنا بتصنيع غرفة نوم له، وكان يعلم أننا نبحث عن ماكينات. اتصل بسامر وأخبره أن هنالك ورشة نجارة يريد مالكها بيع معداتها مقابل 25 ألف جنيه. ذهبنا جميعاً في اليوم التالي وجلسنا مع صاحب الورشة واشترينا المعدات بمبلغ 23 ألف جنيه، وفتحنا ورشتنا الأولى".

هكذا بدأوا بعملهم الخاص. روى صابر: "أنجزنا أعمال النجارة لعدد كبير من الفيلات في منطقة التجمع، وبدأنا في تنفيذ أعمال لمهندسين استشاريين داخل منازلهم الخاصة، ولأصدقائهم".

طاولة سفرة مصنوعة من الخشب

راح صيت عملهم الجيّد ينتشر. وتوسّعت أعمالهم فقرّروا تجهيز ورشة ثانية وهم حالياً بصدد تنفيذ ذلك. الآن، يحلم الأصدقاء الأربعة بامتلاك مصانع في دمياط والموسكي.

أربعتهم يُجمعون على رسالة واحدة يحبّون أن تصل للشباب السوريين: بدأنا من تحت الصفر بعد أن فقدنا كل شيء، ولكن الإصرار والأمل وعدم تذكر الماضي والنظر إلى الأمام ساعدتنا على النجاح.

 

كلمات مفتاحية
الثورة السورية مصر

التعليقات

المقال التالي