الجيت سكي آخر صيحة للهرب نحو أوروبا

الجيت سكي آخر صيحة للهرب نحو أوروبا

تبدو المسافة الفاصلة بين المغرب واسبانيا قصيرة (15 كيلومتراً) غير أن حاجز التأشيرة للعبور إلى الضفة الأندلسية يجعل المسافة أطول والطريق أصعب بالنسبة للحالمين بالفردوس الأوروبي.

وهذا ما يدفع عدداً من العاطلين عن العمل المغاربة إلى البحث عن أي طريقة للـ"هرب" من الواقع المعيشي أملاً في إيجاد فضاء جديد يفسح المجال لبناء المستقبل المشرق.

وهكذا تنوّعت طرق الهجرة السرية إلى اسبانيا التي تعرف في البلد بالـ"حريك". وأُضيف إلى المغاربة في السنوات الأخيرة الأفارقة القادمين من جنوب الصحراء ومعهم السوريين.

الهجرة السرية

لا أحد ينكر أن غالبية المهاجرين المغاربة الذين قصدوا الجارة الشمالية انتقلوا إليها بطريقة غير قانونية، أو ما يسمى الهجرة السرية أو غير الشرعية. في السابق، كان السفر إلى اسبانيا بجواز السفر فقط. ولكن مع مطلع التسعينيات وانضمام بلاد الأندلس إلى الاتحاد الأوربي وتوحيد نظام تأشيرة "شينغن"، أصبح على المغاربة الراغبين في السفر أو الهجرة إلى إسبانيا الحصول على التأشيرة. وأمام تأزم الوضع الاقتصادي في الجارة الجنوبية وارتفاع عدد البطالة بدأت ظاهرة السفر بطرق غير شرعية تخامر الراغبين في الوصول إلى الأراضي الأوربية.

وعلى مدى عقدين ونصف العقد، ما زال "غول" الهجرة السرية يؤرق الجهات الأمنية للبلدين معاً. وفي السنوات الأخيرة، تفاقم هذا أكثر بسبب انضمام الأفارقة ومعهم اللاجئون السوريون إلى قائمة المرشحين إلى ركوب قوارب الموت، حسب تفكير المرشحين للهجرة غير الشرعية.

وإذا كانت هذه الهجرة غير القانونية من المغرب نحو أوروبا دشنت عبر قوارب صغيرة أو بالاختباء في الشاحنات التي تقل البضائع، فإن الأمر اليوم شهد تطوراً كبيراً بإقحام طرق حديثة ووسائل جديدة لعبور الضفة المتوسطية نحو القارة العجوز وذلك من البوابة الإسبانية.

الجيت سكي أحدث الطرق للـ"حريك"

أوضح السيد م. ز (عضو شرطة الحدود بميناء طنجة) لرصيف22 أن ظاهرة الهجرة السرية نحو أوروبا وإسبانيا تحديداً اتخذت في السنوات الاخيرة أبعادًا خطيرة ومأسوية. وتابع: "كانت في بداية التسعينيات الوسيلة الوحيدة التي يستعملها المرشحون للهجرة غير الشرعية، القوارب المطاطية التي يقال لها باللغة الاسبانية «Les pateras». 

وكانت هذه الأخيرة تقل عشرة أشخاص، مقابل 10 ألاف درهم (900 دولار) للشخص الواحد. لكن هذه الطريقة ما زالت مستفحلة رغم محاربتها من قبل الوحدات الأمنية المغربية والاسبانية".

وأظاف أن شبكات الهجرة السرية فطنت إلى طرق حديثة، آخرها التوجه إلى جزيرة "الصفيحة" المحتلة من الاسبان والقريبة من مدينة الحسيمة، مشيراً إلى أن هدف المغاربة ومعهم بعض الأفارقة وعدد كبير من السوريين هو إيقافهم من قبل الأمن الاسباني الذي سيقوم بترحيلهم إلى مدينة مليلية المحتلة، وهذا ما يريده هؤلاء المهاجرون.

لكن مؤخراً، يضيف مصدرنا، دشنت الحكومتان المغربية والاسبانية تعاونًا أمنياً يقضي بتسلم من تعتقلهم السلطات الأمنية للجارة الشمالية إلى نظيرتها الجنوبية. ورغم ذلك، فإن مغامرات المهاجرين ما زالت مستمرة من أجل بلوغ الفردوس الأوربي.

ومن بين الطرق الحديثة كذلك، يروي عنصر آخر من الأمن المغربي بمدينة تطوان، أن شبكات "تهريب" البشر نحو أوروبا أبدعت طريقة جديدة وهي تنظيم رحلات سريعة على متن دراجة "جيت سكي". وتكون الانطلاقة من مدينة القصر الصغير نحو شاطئ طريفة، بالتراب الإسباني.

ووفق المصدر ذاته، فإن الرحلة تستغرق قرابة 15 دقيقة ويتم نقل المرشح بمبلغ 40 ألف درهم (قرابة 4000 دولار). وبحسب عدد من الروايات، فإن هذه الرحلات غالباً ما تتم تحت جنح الظلام، ويرتدي خلالها المرشح لباساً بلاستيكياً قوياً حتى لا تتبلل ملابسه ويبدو عادياً في ميناء طريفة عقب وصوله. إلا أن هذه الطريقة، توضح المصادر، رصدتها دوريات الحرس المدني الاسباني. 

وكانت جريدة "الباييس" الإسبانية تابعت هذا الموضوع مستغربة هذه الطريقة الجديدة، مشيرة إلى أن الشرطة الاسبانية اكتشفت أن الوسيلة الجديدة تستعمل لتهريب البشر وليس المخدرات.

وإلى جانب ذلك، جرى رصد طريقة حديثة للهجرة، وغالباً يقوم بها الأفارقة، وتتجلى في قطع المسافة الرابطة بين بلدة بليونش ومدينة سبتة المحتلة، غير أنها تشكل خطراً على حياة من يقومون بها، لأن مآل أغلبهم هو الغرق.

طرفاية أو المنفذ الجديد

ربما لم يخطئ المخرج المغربي داود ولاد السيد الاختيار عندما عنون فيلمه السينمائي سنة 2004 بـ"طرفاية باب البحر" لأن مدينة طرفاية (جنوب المغرب) أصبحت في السنوات الأخيرة الوجهة "المفضلة" لنشاط شبكات الهجرة السرية نحو إسبانيا. فالفيلم، المقتبس من رواية " حشيش" للكاتب المغربي يوسف فاضل، جاء ليميط اللثام عن هذه الظاهرة التي تحولت من الضفة الشمالية للمملكة نحو جنوبها. 

فالقصص، التي تناولها المخرج تكاد تتشابه مع تلك التي استقيناها من أحد المقربين من عالم الهجرة السرية. فالموت والغرق كانا مآل عدد من المترشحين لهذه المغامرة سواء في الفيلم أو في الواقع. 

ويروي أحمد. ن (34 سنة) الذي كان واحداً من الذين ركبوا المركب للوصول إلى إسبانيا عبر جزر الكناري. لكنه عاد إلى المغرب بسبب الأزمة الاقتصادية التي ضربت إسبانيا، وهو يؤكد أنه اضطر إلى إرسال زوجته ورضيعها وبقائه وحيداً في بلاد الأندلس مواجهاً الأزمة التي عاشها مدى ثلاثة سنوات، خاصة بعد تسريح مئات العمال من إحدى شركات الصباغة.

لكن مع اشتداد الأزمة، اضطر إلى العودة إلى المغرب في العام الماضي باحثاً عن آفاق جديدة في مسقط رأسه بالعاصمة الاقتصادية.

يحكي أحمد أنه غادر المغرب بطريقة غير شرعية انطلاقاً من مدينة طرفاية مقابل 10 آلاف درهم (ما يعادل 950 دولاراً)، مشيراً إلى أن حظه كان جيداً بتعامله مع "سمسار" وفى بوعده بتحقيق حلمه. ويعود بنا إلى سنة 2005 قائلاً: "بعدما تعذر عليّ الحصول على عمل في المغرب، وبعد تجربة فاشلة في ليبيا، بدأت أفكر في ركوب أمواج المتوسط للهجرة نحو إوروبا.

وبالفعل ناقشت الأمر مع أحد أصدقائي، فأحالني على أحد معارفه الذي بدوره مدّني برقم هاتف شخص له صلة بالموضوع. وبعد ترتيب الأمور، سافرت إلى مدينة مراكش، والتقيت الشخص الذي دوّن بعض البيانات الخاصة بي على ورقة صغيرة، وبعدها طالبني بنصف المبلغ والباقي لمّا أصل إلى جزر الكناري". 

وتابع أحمد حكايته: "في اليوم التالي، سافرت في شاحنة رفقة ثلاثة مغاربة صوب مدينة طرفاية. وصلنا إليها في المساء، قصدنا بعدها أحد مطاعم الوجبات السريعة. وخلال تناولنا هذه الوجبة تلقيت اتصالاً هاتفياً من "السمسار" الذي أبلغنا باللقاء به عند الساعة العاشرة ليلاً أمام أحد المقاهي بالشارع الرئيسي للمدينة. وهكذا كان. فاصطحبنا الرجل في سيارة كبيرة الحجم إلى مكان بالقرب من الميناء، طلب إلينا التخلص من الأشياء التي لا فائدة منها، وكرر نصيحته بلف وثائقنا الشخصية في كيس بلاستيكي وإحكام إغلاقه باللصاق. والغريب أنه سافرنا في مركب صغير رفقة بعض الأفارقة وكان عددنا 24 شخصاً".

وبعد ذلك يروي أحمد أنه بوصوله إلى جزر الكناري قصد إحدى الحانات فالتقى بالصدفة أحد المغاربة فطلب منه إيواءه حتى يرتب أموره. وهكذا كان، فاشتغل في الحانة بشكل سري وبعدها دفع مبلغ 500 يورو للشخص مكنه من عقد مؤقت هيأ به أوراق الإقامة ثم سافر إلى فالنسيا الاسبانية".

بعد مرور 11 سنة على مغامرة أحمد الذي كان محظوظاً عكس آخرين اصطدموا بحائط الموت والغرق في البحر، فإن مدينة طرفاية ما زالت وجهة للراغبين في الوصول إلى أوروبا بطريقة غير قانونية.

ويحكي أحد العارفين بخبايا الهجرة السرية أن سماسرة الظاهرة يقومون بتجميع "زبائنهم" في مدن الرباط والبيضاء ومراكش، ثم يسافرون بهم عبر حافلات أو شاحنات إلى جنوب المغرب وتحديداً مدينتي طرفاية وطان طان. ويضيف مصدرنا أن مافيا هذه الهجرة تنتظر دائماً جنوح الليل للقيام بتهجير أعداد كبيرة، حيث يجري تجميعهم وتكديسهم في قوارب صغيرة والإبحار بهم نحو جزر الخالدات.

ولعل أهم ما يميز هذه المناطق الساحلية المحيطة بالمدن الصحراوية، وعورة تضاريسها والمسالك المؤدية إليها وضعف المراقبة على حدودها البحرية، إضافة إلى دنوها من ساحل جزر الخالدات الإسبانية. وهنا، تفتح سوق جديدة وتبدأ تجربة أخرى من مسلسل الهجرة غير المشروعة. وأمام كل التحركات التي يقوم بها البلدان لمواجهة الظاهرة، فإن الأخبار المنشورة في صحافة البلدين تخبرنا يومياً باعتقال مرشحين للهجرة السرية أو غرق بعضهم مما يؤكد أن وضع نقطة نهاية للموضوع يبقى صعب المنال، بحسب كلام الباحث الاجتماعي المغربي حسن قرنفل.

التعليقات

المقال التالي