بين وسائل التواصل الاجتماعي والقوانين الأردنية #الحكي_مش_جريمة

بين وسائل التواصل الاجتماعي والقوانين الأردنية #الحكي_مش_جريمة

في شهر أغسطس العام الماضي، تمّ توقيف مدير تحرير صحيفة "السبيل" عاطف الجولاني على خلفية مقال نشره ينتقد فيه "مؤسسة المواصفات والمقاييس" التي رفضت شحنة غاز إلى الأردن. ليعاد تخلية سبيله خلال أيام بعد دفع كفالة مالية. الخبر يعدّ "بديهياً" في بلد كالأردن، أجمع فيه مراقبو الحريات في مؤسسات عدة، على أن العام 2015 كان عاماً "سيئاً" لحرية الصحافة، إذ شهد توقيف صحافيين وكتاب ومدونين.

غير البديهي في الخبر، أن الجولاني نشر مقاله في النسخة الورقية على الصفحة الأولى، من دون أن يتحرك أحد لملاحقته، لكن بعد نشره على موقع "السبيل" الإلكتروني صدر فوراً قرار بتوقيفه، استناداً إلى قانون الجرائم الإلكترونية. ساعد في ذلك التفسير الجديد الذي خرج به الديوان الملكي في تلك الفترة لهذا القانون، وفيه أن الجرائم الالكترونية، وتحديداً جرائم القدح والذم المخالفة للمادة 11، المرتكبة من خلال المواقع الالكترونية، وشبكات التواصل الاجتماعي، تسري عليها أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية وليس قانون المطبوعات والنشر.

اعلان


هذا القانون نفسه، الذي يخضع لاستنسابية التفسير ورهاب الأمن ومكافحة الإرهاب، فتكون أولى ضحاياه حرية التعبير التي لا تمس الصحافيين فقط، بل جميع مستخدمي مواقع التواصل البالغ عددهم ستة ملايين في الأردن، هو الذي تطالب حملة #الحكي_مش_جريمة، بإلغائه محذرة من خطره الداهم على حرية التعبير. الحملة التي أطلقها "مركز حماية وحرية الصحافيين" قبل أيام، بالشراكة مع مؤسسات إعلامية وناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي، لاقت أصداء واسعة، واستقطبت الكثير من الناشطين والإعلاميين الذين وحدوا صورهم الشخصية مع صورة الحملة. وبدأوا التوعية عن الحملة وأهدافها، كما عن مخاطر المادة 11 في قانون الجرائم الإلكترونية.

يحرص مسؤولو الحملة في منشوراتهم على التأكيد أن مطالباتهم بإلغاء المادة لا تعني التهرب من مساءلة الصحافيين والإعلاميين المتجاوزين، بل ينشدون إلغاء النص القانوني الذي يسبب حبسهم وتوقيفهم، على اعتبار خضوع قضايا المطبوعات والنشر للقضاء المدني الذي لا يتضمن عقوبات سالبة للحرية وليس للقضاء الجزائي.

يُذكر أنه منذ صدور القرار الجديد، جرى توقيف أكثر من 9 إعلاميين وناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، بينهم من كتب فقط "الله على الظالم". تعلّل السلطات إجراءاتها بنص المادة القائل: "يعاقب كل من قام قصداً بإرسال أو إعادة إرسال أو نشر بيانات أو معلومات عن طريق الشبكة المعلوماتية أو الموقع الإلكتروني أو أي نظام معلومات تنطوي على ذم أو قدح أو تحقير أي شخص، بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وبغرامة لا تقل عن 100 دينار ولا تزيد على 2000 دينار".

المشكلة هنا بحسب المتابعين تتعزز مع ازدياد المخاوف الأمنية، وقانون مكافحة الإرهاب بمفهومه الفضفاض، فالتعريفات الغامضة لمصطلح الإرهاب، تعني أن أي تقرير لا يلقى استحسان بعض المسؤولين يمكن إحالة صاحبه إلى القضاء. والأخطر أن قرارات الديوان الخاص بتفسير القوانين، تعني إعمال سلطاته الدستورية بحسب المادة 123 من الدستور، ما يعني أن مخالفة للقانون تصب في دائرة المخالفة الدستورية.

أكثر من ذلك، لا تحتوي هذه المادة على إمكانات هائلة لسوء معاملة الصحافيين فحسب، بل تجرّدهم من الحماية التي يحصل عليها جميع الصحافيين في مقابل التقيّد بقانون المطبوعات والنشر.

في سياق متصل، تنبع خطورة مثل هذه القوانين من تعزيزها ثقافة "التدجين الذاتي" القائمة على بث الرعب في نفوس العاملين في مجال المعلومات، لدفعهم إلى ممارسة رقابة ذاتتية صارمة خوفاً من الوقوع في مطب الأحكام الجزائية.

في هذا الإطار، خرج "المعهد الدولي للصحافة" محذراً من أن وسائل الإعلام الإلكترونية في الأردن باتت على المحك. وبينما شدّد المعهد على إلغاء هذا القانون، دعا إلى ضغط مدني لإحداث تغييرات في نظام الترخيص.

وكان التقرير السنوي لمنظمة "هيومن رايتس ووتش"، انتقد ممارسة السلطات الأردنية التضييق على الحريات عام 2015، معتبراً أن الحكومة فوتت فرصاً للإصلاح، إضافة إلى تقليص حرية التعبير. والنتيجة كانت اعتقالات طالت نشطاء وصحافيين ومعارضين لسياسة الدولة وسياسة الحكومة، وجهت لهم تهماً خضعت غالبيتها لمزاج أحكام فضفاضة وغامضة بموجب "قانون مكافحة الإرهاب" الذي عدله المجلس التشريعي مؤخراً ليشمل أعمالاً مثل تعكير صفو علاقات الأردن بدولة أجنبية. وبحسب المنظمة، في فبراير 2015، حكمت المحكمة على زكي بني أرشيد، وهو قيادي في "الإخوان المسلمين"، بالسجن 18 شهراً بسبب انتقاده للإمارات العربية المتحدة على فيسبوك. وبموجب القانون نفسه، يقبع الصحافي جمال أيوب في السجن منذ 22 أبريل الماضي بسبب مقال انتقد فيه القصف السعودي في اليمن. وفي يوليو 2015، اعتقل الصحافي في جريدة "الرأي" غازي المرايات استناداً إلى قانون مكافحة الإرهاب كذلك. والقائمة تطول.

يُذكر أن قانون مكافحة الإرهاب وضع عام 2006، ومع تزايد المخاوف على الأمن إثر اشتعال الحرب السورية، جرى توسيع مروحة هذا القانون، لتشمل عام 2012 إلى جانب الصحافيين، التضييق على المواقع الإلكترونية. وخير دليل على آثاره السلبيّة هو تصنيف الأردن في المرتبة 143 من بين 180 دولة في احترام حرية التعبير، وفق منظمة "صحافيين بلا حدود".

وسط هذا الواقع السوداوي، تعتبر حملة "#الحكي_مش_جريمة عنصراً إيجابياً لا سيما أنها استطاعت حشد أصوات هائلة خلال أيام قليلة. وإلى جانب التوعية التي تقوم بها، والعريضة الإلكترونية الموجودة على صفحتها، وبث المقاطع التوعوية، أعدت الحملة دراسة قانونية أرسلت للحكومة والبرلمان، تتضمن كل المواد المقيّدة للإعلام في العديد من التشريعات، أبرزها قانون المطبوعات والنشر، قانون الجرائم الإلكترونية، قانون العقوبات، قانون محكمة أمن الدولة وقانون منع الإرهاب.

لم تلق الحملة أي رد يذكر من السلطات، لكنها أعلنت أنها لن تنطفئ كغيرها من الحملات سريعاً، بل ستحرص على الاستمرار إلى ما بعد الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة في الثالث من مايو المقبل. هذا اليوم سيكون مناسبة لضخ الدماء في شرايين الحملة إلى حين تحقيق مطالبها.

 

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي