إيران و"حرية" تداول الخمر فيها

إيران و"حرية" تداول الخمر فيها

كثيراً ما تغزل كبار الشعراء الإيرانيين في الخمر، فعملاقا الشعر الفارسي حافظ الشيرازي وعمر الخيام كتبا الشعر فيه. لكن هل توقعا هم وغيرهما من الشعراء أنه سيأتي يوم تمنع فيه الخمور التي طالما تغزلوا بها في إيران، أو أن يأتي يوم يصبح فيه لفظ "خمر" محظوراً وغير مسموح حتى بكتابته؟

مسارات تكشف توجهات

منذ أسابيع قليلة تناقلت وسائل الإعلام الإيرانية خبر حذف كلمة خمر من الكتب الفارسية. وقال رئيس هيئة النشر في وزارة الثقافة والإرشاد الإيرانية محمد سلجي في حوار صحافي إنه لم يتم الموافقة على طباعة أكثر من 500 كتاب، تضمنت مفردات الخمر. وأضاف: "لن نسمح بنشر المؤلفات التي تتحدث عن الخمر وإن كانت تذم الخمر".

قبل الثورة الإسلامية

قبل مجيء الخميني وقيام الثورة الإسلامية، وأثناء حكم الشاه رضا بهلوي وابنه محمد، كانت الحانات منتشرة في جميع أنحاء إيران، بل إن شيراز (إحدى مدن إيران الكبرى)، كانت من أشهر مصنعي ومصدري النبيذ إلى أوروبا، واشتهرت بزراعة أجود أنواع العنب. كان اسم شيراز يطبع على أغلى وأجود زجاجات النبيذ في العالم.

ثم جاءت الثورة الإسلامية لتطيح كل ذلك، ويتم إغلاق كل الحانات ومصانع الخمور التي لم تنتج منذ قيام الثورة الإسلامية قطرة خمر واحدة. لكن الحكومة الإيرانية سمحت للأقليات الدينية في إيران (الأرمن واليهود والزرادشتيين) بتناول الخمور في أعيادهم الدينية فقط. وبالتالي هم الفئة الوحيدة المرخص لها بتصنيع الخمور محلياً، لكن ذلك يضعهم في دائرة الشك من قبل الشرطة الإيرانية.

هل نجحت الحكومة في منع الإيرانيين من تناول الخمور؟

تبث القنوات التلفزيونية المحلية بشكل دوري إعلانات تحذر فيها المواطنين من خطر تناول الكحوليات المصنعة محلياً، لأنها تسبب التسمم أو العمى، أو حتى الوفاة، لأنها تحتوي على مزيج خطير من الإيثانول والميثانول.

وبالنظر إلى الأرقام الرسمية المعلنة في وسائل الإعلام الإيرانية، هناك 200 ألف مدمن على الكحول، وهو الرقم المعلن رسمياً، لكن بعض الخبراء يقولون إن الرقم أكبر مما يذكر بأضعاف. وصرّح مسؤول في وزارة الصحة الإيرانية، رفض الإفصاح عن اسمه، لوكالة تسنيم الإخبارية، أنه يتلقى يومياً تقارير من المستشفيات في جميع أنحاء طهران بوجود حالات تسمم كحولي، لكن الحكومة الإيرانية ما زالت تنكر كل ذلك لتتفادى الإحراج، لأن المسألة تدينها وتدين نظامها.

تداول الخمر في ايران - إيران وحرية تداول الخمر فيها - كوب نبيذ

من الإنكار إلى فتح مراكز تأهيل

عام 2013 في مدينة رفسنجان جنوب شرق إيران، توفي عشرات الشباب، معظمهم دون 27 عاماً. وتم نقل المئات إلى المستشفيات في حالة تسمم كحولي، بسبب الكحول المصنع محلياً. بعد ذلك بعام أعلنت الحكومة افتتاح أول مركز لإعادة تأهيل مدمني الكحول، وكان هذا اعترافاً صريحاً منها بتضخم حجم الظاهرة. وفي العام الماضي أفادت تقارير الشرطة بتوقيف مئات السائقين خلال قيادتهم للسيارة تحت تأثير الكحول، من ضمنهم عشرات النساء. والغريب أن انتشار احتساء الكحول لا يقتصر على أحياء طهران الثرية، إنما تشير التقارير إلى زيادة نسبة استهلاك الكحول في أحياء جنوب طهران، التي يسكنها مواطنون ينتمون إلى طبقات اقتصادية متدنية.

وتعتزم السلطات الإيرانية خلال شهر مارس الجاري، فتح 150 مركزاً للعلاج من التسمم الكحولي، لمواجهة هذه المشكلة المتزايدة في السنوات الأخيرة، بحسب ما أعلن مسؤول في وزارة الصحة الإيرانية.

تهريب الكحوليات

ينص قانون العقوبات الإيرانى على عقوبات قاسية بخصوص تناول المشروبات الكحولية، فمن يتم الإمساك به متلبساً بشرب الكحول، أو شرائه، تجري معاقبته بـ80 جلدة وغرامة تتعدى 500 دولار لأول مرتين. لكن في المرة الثالثة، من المتوقع أن يعاقب بالإعدام. لكن هذا لا يمنع أن ترى أثناء سيرك في شوارع طهران شاباً يقترب منك ويعطيك بطاقة مدون فيها رقم هاتفه للاتصال به إذا كنت تريد بعض البيرة أو الفودكا المهربة من روسيا، أو حتى النبيذ المحلي.

على الحدود بين إقليم كردستان العراق وإيران، تجد مئات المهربين يجهزون صناديق الويسكي والفودكا والنبيذ، في طريقهم لتهربيها إلى إيران، ويقف على الجانب الآخر من الجبل الفاصل بين المنطقتين المهربون الإيرانيون ليتلقوا تلك الصناديق.

بحسب تقرير لـFrontline، تراوح أعمار المهربين الأكراد بين 17 و20 سنة، يحملون صناديق الكحول على ظهر الأحصنة، ومنهم من لا يمتلك حصاناً لعدم قدرته على تحمل سعره ونفقات إطعامه، فيكون مضطراً لحمل تلك الصناديق على ظهره والسير بها في طرق وعرة مدة ساعتين وسط الجبل، وذلك مقابل 10 دولارات في اليوم. إلى جانب خطر الإصابة في أي وقت برصاص الأمن الإيراني في حال علمهم بوجود عملية تهريب. يذكر أن سعر زجاجة الفودكا مثلاً عند تهريبها إلى إيران 4 دولارات، لكن حين تصل إلى إيران يكون سعرها قد وصل إلى 20 دولاراً.

تحاول الحكومة الإيرانية مكافحة عمليات التهريب. وبحسب وكالة مهر الإيرانية يتم تهريب أكثر من 80 مليون لتر من الكحوليات إلى إيران، غالبها يأتي من الحدود الشمالية الغربية من جهة كردستان العراق، وتقوم الشرطة بمصادرة ما يصل نسبته إلى 25%.

وصرح عضو البرلمان الإيراني السابق إقبال محمدي أنه يعتقد أن هناك فساداً يتسبب في إنجاح عمليات التهريب، وبعض الحالات يحصل فيها رشوة رجال الشرطة لإتمام عمليات التهريب. ورغم كل محاولات السيطرة على المشروبات الكحولية، فإن السلطات تفشل في ذلك.

تدخل إيران مرحلة ما بعد رفع العقوبات، التي من المؤكد سيكون لها انعكاسات اقتصادية وسياسية على الداخل، في ظل صدام الإصلاحيين والمحافظين. لكن ما هو التأثير الذي سينعكس على سوق الخمر في إيران، أو تحديداً على "حرية" تداول الخمر فيها. سنرى.

كلمات مفتاحية
إيران الخمور

التعليقات

المقال التالي