لماذا يعتنق نصف مليار شخص الديانة البوذية حول العالم؟

لماذا يعتنق نصف مليار شخص الديانة البوذية حول العالم؟

تُعدّ الديانة البوذية إحدى الديانات الرئيسة في العالم، إذ يعتنقها نحو «300 مليون» شخص. يرى بعضهم أنها فلسفة أكثر منها ديانة، فتعاليمها تُوجّه النفس البشرية للأخلاق الحميدة، والبُعد عن الكراهية والعادات السيئة. إلا أنها أخذت مُنعطفًا آخر إذ يتخذها بعض الرهبان البوذيون منهجًا للتعصب والوحشية لبسط نفوذهم.

مفهوم الديانة البوذية

كلمة «بوذا» تُطلق على من وصل لحالة عالية من الاستنارة والتبصُّر والزُّهد. وهي تعني «العالِم أو المتيَقّظ، أو المُعتكف والمُستنير». مؤسس هذه الديانة أميرٌ سابق يُدعى «سيدارتا جاوثاما» وُلد عام 558، وتوفي عام 480 قبل الميلاد؛ في بلدة على حدود النيبال.

وُلد «سيدارتا» في قصرٍ فخم، وتحت إمرته الكثيرون ممن يلبون طلباته. تزوج وهو في الـ16 من عمره، لكنه عَزف عن الدنيا ودخل في حالةٍ من الانفراد مع نفسه وهو في الـ 29 إذ كان يرى أن حياته بلا معنى، ومُقيدة بالطبقية وِفْق الديانة الهندوسية التي كانت تُصنّف البشر عند ولادتهم بحسب وضعهم الاجتماعي.

انعزل، وهنا كانت بداية حياته الزهيدة. مكث مع 5 تلامذة له في رحلة بحث عن الحقيقة الوجودية. وانفرد عنهم في بحثٍ عن دواء لأوجاع البشر وتعاستهم. ودخل في حالات من التأمل في الكون والحياة والوجود، وكان يرى أن التقشف والزُّهد هما أفضل رياضة لتهذيب النفس ومنعها من إتباع شهواتها التي كان يَعتقد بأنها مصدر آلامها.

تعاليم البوذية كما وضعها مؤسسها بعد رحلة بحث طويلة

تنص تعاليم بوذا على أربع حقائق هي:

  1. الحياة معاناة، وتنبع هذه المعاناة من 7 مُسببات هي «الولادة، المرض، مُصاحبة العدو، مفارقة الصديق، الإخفاق في تلبية متطلبات النفس، الشيخوخة، الموت».
  2. الأصل في المعاناة هو التمسك الأناني بالحياة، وحب الشهوات والرغبات.
  3. التخلص من المعاناة هو معاناة بحد ذاتها، وتسمى هذه الحقيقة بالصفاء الروحي إذ يتم التخلص من المعاناة بالكف عن التعلق بالحياة، والتخلص من الأنانية، والكف عن اتباع ملذات النفس وشهواتها.
  4. للتخلص من الأنانية وشهوات النفس لا بد من سلك الطريق الصحيح والنبيل الذي يرتكز على أُسس هي:

«الإدراك السليم للحقائق النبيلة، التفكير السليم الخالي من نزعة أنانية أو شهوة جامحة أو اضطراب الأحلام، الفعل السليم الذي يسلكه الإنسان لحياة مستقرة تسير على العلم والسلوك الصحيح والحق، قول الصدق دائمًا دون حِنث، التركيز والملاحظة والاجتهاد، والفعل، والانتباه، والارتزاق السوي في الحياة».

كذلك شملت التعاليم الأساسية البوذية 5 قواعد:

  1. تحريم إيذاء وقتل النفس.
  2. تحريم ومنع أخذ ما لم يُعطى له.
  3. منع القول البذيء والمسيىء.
  4. تحريم ممارسة السلوكيات الحسيّة المُشينة.
  5. تحريم تناول المشروبات المًسكرة والمخدرات.

أما الجانب الأخلاقي فكان ينص على التسامح والتعامل بالحسنى، والتصدق على الفقراء، وجعل التقشف أسلوب حياة بعيدًا عن الترف والبزخ لِما في ذلك من تهذيبٍ للنفس، ومنعها من الممارسات غير المرغوبة.

أما الممارسات التي نبذتها الديانة البوذية فهي: الاستسلام للملذات والشهوات، سوء النية في القول أو الفعل، الغباء وعدم إدراك الحقيقة الصحيحة في الأشياء.

أين ينتشر معتنقو الديانة البوذية؟

انتشرت الديانة البوذية في القارة الآسيوية حيث نسبة كبيرة من معتنقيها في دولٍ مثل «الصين، اليابان، تايوان، التبت، النيبال، منغوليا، كوريا، فيتنام، وبعض أجزاء من الهند وسيلان».

النزاعات بين المسلمين والبوذيين في القارة الآسيوية

كما هو الحال في جميع الديانات حول العالم، هناك فئة شاذّة ترى أنها صاحبة القرار السليم وحدها، وأن تعاليمها يجب أن يُؤخذ بها حتى لو كانت بعيدة تمامًا عن التعاليم الأصلية السّوية.

ففي تعاليم البوذية يُحرم قتل النفس أو إيذاؤها، لكن جميع الأعمال الوحشية التي تُنفذ ضد المسلمين في بلدان مثل «بورما وسريلانكا» قام رُهبان بوذيون يُفترض أن يكونوا صوت الديانة التي حرّمت إيذاء النفس البشرية منذ مئات السنين قبل الميلاد.

بدأت النزاعات بين هاتين الطائفتين بعد وصول الجنرال «ني وين» للحكم في بورما عام 1963م. فتعرض المسلمون للتهميش والطرد من الجيش، كما وصفهم الرهبان البوذيون بأنهم «قاتلو البقر».

وبالرغم من أن المسلمين في بورما لم يتخذوا أي نشاطٍ عدواني ضد البوذيين، أو حتى دفاعًا عن أنفسهم، فإن أحداث العنف التي يرتكبها مسلمون آخرين في بلدانٍ مجاورة، كان لها أثر بالغ عليهم. فبدأ الرهبان البوذيون في بورما بالتحريض ضد المسلمين حين قامت حركة «طالبان» الأفغانية بتدمير تماثيل بوذا في ولاية «باميان» في أفغانستان عام 2001.

على إثر ذلك طالب الرهبان بتدمير مسجد «هانثا» في «توانغو» انتقامًا لتدمير التمثال، وقامت مجموعات بوذية بفرض سيطرتها الوحشية على ممتلكات ومنشآت المسلمين، فكان لا بد من رد المسلمين على ما يصيبهم.

في بورما كان الوضع أكثر كارثية بعدما تزعمت الخلافات والعداء ضد المسلمين جماعة بوذية تُسمي نفسها «جماعة 999» بقيادة الرّاهب «آشين ويراثو» الذي أدخل السجن عام 2003 لاتهامه بالتحريض على الكراهية الدينية، وأفرج عنه عام 2012.

في سريلانكا على سبيل المثال عام 2013، وقعت مناوشات بين رهبان بوذيين وأعضاء من الألوية البوذية «بودو بالا سينا» من جهة، والمسلمين في البلاد من جهة أخرى، بعدما اعترض هؤلاء الرُّهبان على طريقة الذبح الإسلامية للماشية، وعلى تنامي الوجود الإسلامي في البلاد.

ومن جانب آخر، يرى بعض المحللين أن أعمال العنف التي اندلعت عام 2013 بين المسلمين والبوذيين بدأت في محل بيع للذهب. حيث تستغل الحركات في بروما وسريلانكا الوضع الاقتصادي في جعل الأقليات الدينية كبش فداء دائمًا لتنفيذ رغبة الأغلبية.

وفي حادثة أخرى في بورما عام 2013، صدمت فتاة مسلمة راهباً بوذياً بدراجتها، واندلعت على إثرها أعمال شغب شنها الرهبان البوذيون ضد المسلمين فقتلوا عدداً غفيراً من الأقليات المسلمة، واستهدفوا العديد من المساجد، وأحرقوا مئات المنازل.

إحصاءات منظمة حقوق الإنسان:

تفيد المنظمة بأن معاناة مسلمين «الروهنجا» في «بورما» وانتهاك حقوقهم استمرا منذ العام 1978، وقد وفر معظمهم إلى دولٍ عدة، منها بنغلادش. وبحسب إحصاء عام 2002، فقد توارى نحو 11 ألفًا من المسلمين إلى تايلاند حيث أقاموا في مخيمات لجوء هربًا من تلك الأعمال الوحشية ضدهم.

مي السيد

جيوفيزيائية، وكاتبة علمية في موقع أراجيك وعدّة مبادرات علمية عربية أخرى.

التعليقات

المقال التالي