"العلاقات الحرة" للنساء في المجتمعات العربية

"العلاقات الحرة" للنساء في المجتمعات العربية

أن تخوض المرأة تجربة "الجنس غير المشروط"، أو كما أطلق عليه في القرن التاسع عشر "الحب الحر"، صراع استمر بين المجتمعات العربية والنساء لسنوات طويلة، حاولت المرأة فيها انتزاع حقوقها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. أما الجزء المتعلق بالحياة الجنسية والعاطفية، فانتزعته وحرّمته مجتمعات وتيارات سياسية عدة عبر التاريخ.

ظهر التناقض بشكل ملحوظ في المجتمعات العربية، لناحية تعاملها مع تجربة الرجل الجنسية قبل الزواج، وتقبلها تحت إطار اجتماعي محدد، مقابل استحالة تقبل تجربة جنسية للمرأة. وليس الإطار الديني وحده الذي حاصر التجربة الجنسية لدى النساء، بل الاطار الاجتماعي، الذي تعامل بمنظور أكثر مرونة مع التجارب الجنسية لدى الرجال، وبرر له ممارسته للجنس باعتبارها تجارب عابرة أو نزوات، يمكن تقبلها من منطلق إنساني، بينما استمر في التعامل بمفهوم سلطوي تحيطه العادات والأعراف مع جسد المرأة وحقها في التعامل معه.

أقوال جاهزة

شارك غردالعلاقات الجنسية الحرة، المباحة للرجل والمحرّمة على المرأة

شارك غردتكشف المجتمعات العربية عن تناقضات واضحة بين تقبل تجارب الجنس غير المشروطة لدى الرجال والنساء

من بين التيارات السياسية التي اختلفت إيديولوجيتها حول حق الفرد وحرية والمساواة بين الجنسين، برز التيار اليساري منذ نشأته على مدار قرن مضى، منادياً بحقوق النساء في شتى المجالات، إلا في ما يتعلق بتجاربهن الجنسية، وفرض قيوده على أجسادهن. يقول الباحث السابق في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تامر وجيه: "استخدم اليسار المشوه التهليل لحقوق النساء في أجر متساو وحقها في العمل، لكنه رفض الحديث عن حقها في خوض تجربة الحب الحر، لأنه سيصنع تغييراً جذرياً في بنية الأسرة وحرية المرأة الجنسية، ما يؤثر على الوضع السياسي لمؤسس الحركة الشيوعية".

ورغم وجود مجتمعات مسموح فيها أخلاقياً بالعلاقات الحرة، والانفصال منها دون قيود مرهقة، يبقى الأمر صعباً جداً في المجتمعات العربية. يرى تامر: "في تقديري غالبية نساء مصر، دخلوا في نوع من الحب وعلاقة غير خاضعة لقواعد الشكل المقبول اجتماعياً، وحقهن في أن تكون التجربة غير مجرمة أخلاقياً واجتماعياً وقانونياً".

تواجه النساء اللواتي خضن تجارب الحب الحر تحدياً مريراً بين ما يعتبر حقاً من حقوقهن الشخصية، وبين النظرة المجتمعية ومقارنتهن بالنساء اللواتي مارسن الجنس داخل إطار اجتماعي محدد. تقول ماريان، التي أوشكت على الثلاثين من عمرها، أنها خاضت تجربة الجنس غير المشروط مع صديقها الذي أصبح خطيبها بعد مرور عامين من العلاقة، إلا أنها خاضت معارك طويلة مع صاحب المنزل الذي تسكن فيه، لأنه يرفض حضور صديقها إلى الشقة من دون وجود أي ارتباط رسمي بينهما.

وتوضح ماريان أنها خاضت تجربتها بدافع إنساني، اكتشفت من خلاله جسدها، ولم تعر اهتماماً للمجتمع ونظراته الدونية لإقامتها علاقة جنسية خارج الإطار الاجتماعي. وتضيف: "هذه حياتي، والرجل الذي مارست معه الجنس لسنوات طويلة وعشت معه في منزل واحد أستطيع بكل ثقة استكمال حياتي معه، رغم ما يحاصرنا من انتقادات وتهم أخلاقية".

تجربة أخرى تسردها منة الله، الفتاة العشرينية، التي قررت أن تضع حداً لتدخل المجتمع في علاقتها بالجنس الآخر. تقول منة إنها خاضت تجربة جنسية لمرة واحدة مع الشخص الذي أحبته منذ سنوات الجامعة إلى أن شقا طريقهما وعملا معاً في المجال نفسه.

منة قررت مواجهة المجتمع بعلاقتها التي لم تمتثل حتى الآن لإطار اجتماعي محدد، إذ تتحدث عن علاقتها بشكل واضح مع الأصدقاء، أو عبر صفحتها على موقع فيسبوك. وتؤكد أن المجتمع لن يعترف بحقها في خوض تجربة حب غير مشروطة كما يقبلها منها الرجل إلا بالصدمة، ومواجهة هذا الواقع.

ترى منة أن تلك الصراعات والتناقضات التي تواجهها الفتاة في المجتمع العربي، تؤثر عليها وتجعلها دائماً في اضطراب وصراع بين حريتها الشخصية وبين نموذج الفتاة المحافظة الذي يفرضه المجتمع عليها.

وعلى مدار سنوات كشفت المجتمعات العربية عن تناقضات واضحة بين تقبل تجارب الجنس غير المشروطة لدى الرجال والنساء. يقول الباحث في مجال علم الأنثروبولوجيا رجائي موسي: "تعاملت المجتمعات العربية على نحو متناقض مع التجارب الجنسية غير المشروطة للجنسين، وهو أمر مرتبط بالسلطة الذكورية في الأساس، ومن خلال الحرية التي أعطتها تلك المجتمعات للرجل، أصبح لا يبحث عن الحب الحر بمفهومه الإنساني، بل عن امتلاك أكبر عدد من النساء، في حين يخاف من المرأة التي تقيم علاقة حرة". ففي الوقت الذي منعت فيه المجتمعات العربية المرأة من التجربة، نمت داخل العقل الذكوري العربي نظرة مدنّسة تجاه كل فتاة خاضت تجربة جنسية غير مشروطة.

يقول رجائي إن العلاقات الجنسية غير المشروطة، كانت موجودة وتم تقبلها في مجتمعات عدة، وقديماً كان هناك أشكال أخرى من الزواج، جرت السيطرة عليها في ظل الأديان التوحيدية التي دعت لإله واحد. ولكن مع قبول تعدد الزوجات مثلاً في الإسلام، توالت المجتمعات العربية بتأسيس القيمة الخاصة بالشرف الذي اختصرته في حفظ فرج النساء.

يشير الباحث إلى خطورة الأثر النفسي لذلك على الفتيات، نتيجة الأسرة أولاً والمجتمع ثانياً. إذ يعتبر المجتمع تجربة الفتاة مصدر تهديد لسلطة الأسرة والمجتمع، ما ينعكس عليها شعوراً مضاعفاً بالقهر. وسيبقى المجتمع والأسرة خائفين من انفتاح التجربة الجنسية للفتاة، بسبب تهديده الواضح لسلطته الذكورية.

نانسي عطية

صحافية مصرية في جريدة الجريدة، ساهمت في عدد من الصحف المصرية. تحمل إجازة في السياحة وتتابع حالياً دراسة الصحافة والإعلام.

التعليقات

المقال التالي