موقعة الكوندوم، مستشفى المطرية ومعاييرنا المزدوجة!

موقعة الكوندوم، مستشفى المطرية ومعاييرنا المزدوجة!

مرت الذكرى الخامسة لثورة يناير بهدوء نسبي. لم تحدث أي تظاهرة معارضة في ميدان التحرير، الذي يعتبر رمزاً للثورة. سوى أن حدثاً بسيطاً عكر صفو الأجهزة الأمنية. إذ تجرأ شابان على نشر  فيديو مدته دقيقتان بغرض السخرية من القمع الذي تمارس الأجهزة الأمنية ضد المعارضين.

قام شادي حسين والممثل الشاب أحمد مالك بنفخ بالونات وتوزيعها على بعض جنود الشرطة، على أنها هدايا للاحتفال بعيد الشرطة، الذي يتزامن مع ذكرى الثورة. لكن هذه البالونات لم تكن عادية، بل هي في الأصل واقيات ذكرية. في تلميح جنسي سخر شادي ومالك من قوى الشرطة، التي أطلقت النار على شادي قبل ذلك أكثر من مرة، أما مالك فالشرطة قد أصابته أيضاً بارتجاج في الدماغ، أثناء مشاركته في تظاهرات وفعاليات سلمية أثناء ثورة يناير. وبالطبع لم يحاسب أحد من أصاب هذين الشابين.

فوراً هاجم معظم الإعلاميين الشابين وانتقدوهما بقسوة وطالبوا بمحاكمتهما.  فادعى أحمد موسى كذباً أن شادي على اتصال بجاسوس إسرائيلى، أما الإعلامي سيد علي فقال موجهاً كلامه لشادي: "لولا الشرطة لوجدت واقياً ذكرياً كبيراً جنب والدتك".

اللافت أن الأمر تخطى الإعلاميين ليمتد إلى بعض النواب في مجلس الشعب والفنانين ورموز المجتمع.

كثير منهم هاجوا وثاروا وكأنما فعله شادي ومالك جريمة تفوق في بشاعتها جرائم الاغتصاب والقتل. فقد طالب هشام سليم أن يغسلا حمامات الشرطة لمدة شهر عقاباً لهما. أما النائب مرتضي منصور فطالب بهتك عرضيهما.

الفنان أحمد بدير وصف الفعل بجريمة بشعة تنم عن كراهية الوطن وتعد إهانة للمصريين جميعاً. بل تمادى بدير واتصل بأشرف زكي نقيب الممثلين، ليطالبه بالتدخل لحذف كل مشاهد بدير مع الفنان الشاب أحمد مالك من الفيلم "هيبتا" وهما عملا فيه معاً ولم يعرض بعد.

الفيديو القصير فجر حالة من الغضب العارم في الأوساط الموالية للنظام. ليس لبشاعة الفعل ولكن لرمزيته، فكيف يسخر شابان من جهاز القمع البوليسي الذي يحكمنا؟ منذ قبل الذكرى الخامسة للثورة بأسابيع، والشرطة تمارس قمعاً غير مسبوق، حتى أن بعض الشباب تم القبض عليهم بتهمة النية في التظاهر وليس التظاهر. لتعيدنا إلى ما قبل 25 يناير.

قارن هذا مثلاً بما حدث بعد ذلك بأسبوع. حين دخل أمين شرطة على طبيب الاستقبال أحمد السيد في مستشفى المطرية الحكومي بسبب إصابة بسيطة حدثت له، ويبدو أن مشادة كلامية نشبت بين أمين الشرطة والطبيب. ثم انهال أمين الشرطة على الطبيب أحمد السيد ونائب مدير المستشفى الطبيب مؤمن عبد العظيم الذي حاول التدخل لتهدئة الموقف، بالسباب والضرب والركل، وداس رأس الدكتور بالجزمة. وأشهر سلاحه لتهديد الطبيبين والقبض عليهما من دون وجه حق، ثم اتصل بزملائه الأمناء وحضر نحو 8 منهم ليعتدوا بدورهم على الطبيبين.

واللافت أن أمين الشرطة هدد أحد شهود العيان على الهواء مباشرة، في حلقة العاشرة مساء التي يقدمها وائل الأبراشي، حين شهد لمصلحة الأطباء وحكى تفاصيل الاعتداء. فرد أمين الشرطة: "أكيد عندك ولاد …. ربنا يخليهم لك".

فإذا كان أمين شرطة لديه الجرأة لتهديد شاهد على الهواء أمام ملايين المشاهدين، فماذا يمكن أن يفعل في زنزانة مظلمة بعيداً عن أعين الناس؟

حتى بعد أن حرر الطبيبان محضراً ضد الأمين، اضطرا للتنازل عنه فيما بعد. فأمين الشرطة حرر محضراً يفيد أن الأطباء اعتدوا عليه، فضلاً عن تهديدهما بحبسهما بتهمة الانتماء للأخوان المسلمين، فاضطرا للتنازل.

علماً أن في "سلخانة" المطرية "قسم شرطة المطرية سابقاً"، يموت المحتجزون من شدة التعذيب. وبحسب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، هناك 14 محتجزاً ماتوا تحت التعذيب في قسم المطرية خلال العامين الماضيين. فلو تعامل المجتمع والإعلام مع جرائم التعذيب بالجدية عينها التي تعامل بها مع شادي ومالك، لانتهى التعذيب في بلادنا من زمان.

أقوال جاهزة

شارك غردعلى الجميع أن يخاف من الشرطة، هذه هي القاعدة التي ترسيها الدولة اليوم في قلوب المصريين

شارك غردحدثتان تلخصان ازدواجية المعايير في التعاطي مع الشرطة في مصر

لاحقاً قررت نقابة الأطباء إيقاف العمل في المستشفى لحين تحويل أمناء الشرطة للمحاكمة. هاجت الدنيا مرة أخرى، ولكن ليس ضد أمناء الشرطة بل ضد نقيب الأطباء الدكتور حسين خيري والدكتورة منى مينا، وكلية نقابة الأطباء. وسريعاً تطور الأمر إلى هجوم شرس ضدهما، لأنهما تجرآ وطالبا بمحاسبة من ضرب وهدد وروع وأشهر السلاح وقبض على الطبيبين من دون وجه حق أثناء تأدية عملهما. وأخيراً طالبت أصوات بضرورة حل نقابة الأطباء ووضعها تحت الحراسة.

هنا تقف لتسأل نفسك أين المدافعون عن الأخلاق الحميدة بعدما أمطرونا بالكلام عن بشاعة جريمة شادي ومالك؟ لماذا لم يثوروا ضد تجاوزات الشرطة، كما ثاروا ضد شادي ومالك؟ لماذا لم يخرجوا إلى الإعلام ويطلقوا التصريحات الرنانة؟ لماذا لم يتكاتف الفنانون لمساندة الأطباء؟ ولماذا لم يخرج أحمد بدير ويصرخ من أجل كرامة الأطباء، كما صرخ من أجل كرامة الشرطة في موقعة الكوندوم؟

بعد ذلك بأيام قليلة أصدر القضاء حكمه بالتصالح مع 90 من قيادات الداخلية والمالية والجهاز المركزي للمحاسبات في قضية الاستيلاء على مليار جنيه من أموال وزارة الداخلية. انتهت القضية بالتصالح بين المتهمين والدولة، ورفع أسمائهم من قوائم السفر من دون عقاب، بعد أن رد المتهمون 220 مليون جنيه للدولة.

وقد رأى القاضي أن المتهمين حصلوا على هذه الأموال بحسن نية، في صورة مكافآت وتالياً هم غير مذنبين! منهم محمد عبد السميع محمد "أمين شرطة في الأمن الوطني حالياً"، وسدد 20 مليون جنيه، وكرم أبو زهرة "مندوب مباحث في أمن الدولة، سدد 14.5 مليون جنيه. 20 مليون جنيه مكافأة لأمين شرطة لم تغضب إعلاميي النظام، بينما نكتة الكوندوم أشعلت سخطهم.

تخيلوا لو كان من سرق هذه الأموال من المحسوبين على الثورة، أو المطالبين بالديموقراطية، فهل كان القضاء سيقبل التصالح معهم لو ردوا المبالغ المسروقة؟ وهل كان الإعلام سيصمت عن الموضوع أم سيلاحق التيار الديموقراطي بأكلمه ليلاً ونهاراً بهذه الواقعة؟

المجتمع نفسه الذي شعر بخدش الحياء منتصرف شابين في العشرين من العمر. لا ينزعج عندما يخرج مرتضي منصور يسب كل من يعارضه بأبشع الألفاظ على الهواء. ولاينزعج عندما يُخوّن الإعلامى أحمد موسى كل من ينتمي لثورة يناير ويتهمه بأفظع التهم ويغتاله معنوياً وسياسياً. هذا المجتمع لم ينتفض عندما أنتهك الأعلامى عبد الرحيم خصوصية المواطنين المعارضين للنظام وعرض تسجيلات لمكالماتهم الشخصية على الهواء. ولا ينتفض من أجل ضحايا التعذيب أو سجن آلاف الشباب بتهم واهية!

فموقف من هاجموا شادي ومالك بضراوة يذكرني برجل كان يضرب زوجته كل يوم ويشتمها ويهينها. ومن قلة حيلتها حرقت له قميصه المفضل وهي تكويه، متظاهرة أنها فعلت ذلك من دون قصد. فانهال عليها ضرباً، حتى تدخل الجيران ليفصلوا بينهما ثم قالوا للزوجة: "صحيح أحنا بنسمعه بيشتمك ويضربك كل يوم، لكن ده برضه مش مبرر أنك تستعبطي وتحرقي له القميص اللي بيحبه!".

ماهر جبره

كاتب ومتكلم حر، متخصص في الشئون العربية. له مقالات في العديد من المواقع العربية والأمريكية. حاصل علي ماجستير علم النفس المجتمعي من جامعة "بوسطن كوليدج" بالولايات المتحدة. زميل الفولبرايت وزميل برنامج الديموقراطية لمعهد شئون العالم بالعاصمة الأمريكية واشنطن.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي