بينما يتجه العالم كله إلى الإنجليزية، هل يهجر المغرب العربية إلى الفرنسية؟

بينما يتجه العالم كله إلى الإنجليزية، هل يهجر المغرب العربية إلى الفرنسية؟

يقول كارل ماركس إن" التاريخ إذا كرر نفسه، ففي المرة الأولى مأساة، وفي المرة الثانية مهزلة". سياق هذه المقولة مذكرة من وزير التعليم المغربي رشيد بلمختار دعت إلى تحويل لغة تعليم مادتي الرياضيات والفيزياء من اللغة العربية إلى اللغة الفرنسية في بعض الاختصاصات التقنية في الثانويات العمومية المغربية خلال السنة الدراسية المقبلة 2016-2017. تعد هذه المذكرة عودة لتاريخ سابق، حين كانت تدرًس غالبية المواد بلغة "المستعمر" قبل تعريب التعليم، رغم الانتقادات الكثيرة التي كان أبرزها، توبيخ رئيس الوزراء عبد الإله بنكيران لوزيره في التعليم في قلب البرلمان.

اعلان


مسار لغة التعليم بالمغرب

يعتبر المغرب دولة متنوعة ثقافياً ولغوياً، وقد انعكس ذلك على النظام التعليمي لدولة تنوعت لغاتها الأم بين العربية والأمازيغية وحتى العبرية. قبل حلول الاستعمار عام 1912 كانت المدارس المغربية نادرة وتقليدية، يدرس الأطفال فيها غالباً القرآن وأبجديات اللغة العربية، لتتمكن الغالبية المحظوظة منهم من متابعة دروس التربية الإسلامية والحساب والمنطق (كلها باللغة العربية) في جامعة القرويين، بينما غالبية الشغب كانوا أميين.

شكًل فرض الاستعمار على المغرب منعطفاً في التدريس. إذ قامت القوى الاستعمارية ببناء العديد من المدارس "العصرية"، التي تشبه إلى حدً كبير المدارس القائمة حتى الآن، من ناحية التنظيم وتنوع المواد المقدمة. ولم يكن هدف تأسيس هذه المدارس تعليم أبناء المغاربة، إنما أبناء الأوروبيين في المغرب. من جهة أخرى أسست فرنسا مدارس للفئات الميسورة وسمًيت بمدارس أبناء الأعيان، كانت الدراسة فيها باللغة الفرنسية أو الإسبانية فقط، ما عدا حصًتي اللغة العربية والدين الإسلامي. بسبب هذا التقسيم الاستعماري ترسًخت عند بعض الفئات فكرة أن اللغة الفرنسية لغة تفتًح وعلم لأن كل المواد العلمية كانت تدرًس بها.

في المقابل قامت مبادرات خاصة عدة من بعض الميسورين "الوطنيين"، الذين أسسًوا مدارس تسمًى مدارس حرًة في بعض المدن المغربية، كانت تحاول منافسة المدارس الأوروبية، والتدريس فيها باللغة العربية فقط.

غداة استقلال المغرب عام 1956 حددت أولى الحكومات 4 محاور للنًهضة بتعليم المغرب: التعميم، التوحيد، التعريب، مغربة الأطر. إلا أن هذه المحاور لاقت تحديات أبرزها عدم توفًر من يعوًض الأساتذة الفرنسيين لعدم توافر العدد الكافي من الأطر المغربية القادرة على التدريس بالعربية في تلك الفترة. فبقيت الدراسة بالفرنسية في المنطقة الوسطى أي المستعمرة، بينما حدث تحول كبير في الشمال المستقل من إسبانيا، إذ قررت الدولة المغربية في إطار مركزتها، جعل بعض مواد التعليم هناك بالفرنسية أيضاً، رغم عدم دراية السكان بها، ما أدى، إضافة إلى عناصر أخرى كالتهميش، إلى قيام انتفاضة الريف الشهيرة سنوات 1958 و1959.

رغم ذلك عرف التعليم تطوراً سريعاً وازداد عدد التلاميذ بسبب اهتمام الحكومة الفعلي بتعميم التعليم.

هذا التعميم كان يستدعي بالضرورة تحويله للغات الشعب، فالمدارس لم تعد نخبوية الآن والهدف كان مختلفاً. في بداية الستينيات تم تعريب بعض مواد السنوات الأربع الأولى من الابتدائي، لكن من دون إتمام البقية، سمّي ذلك النظام المزدوج اللغة، بين العربية والفرنسية.

وفي عام 1990 جرى إقرار التعريب الكامل فتخرج أول فوج درس حتى الثانوية باللغة العربية. استمر التعليم الجامعي (ما عدا شِعب القانون والدين واللغة العربية) بالفرنسية، في ظل غياب أي إرادة سياسية لتغيير الأمور، وفي ظل تبعية كبيرة لفرنسا. في هذا الإطار، أتت مذكرة الوزير غير المتحزًب بلمختار، غير أنها واجهت عدداً لا يعد ولا يحصى من الانتقادات.

مقابل تذكير الوزير بفشل نظام التعريب وبأن الفرنسية لغة الجامعة والعلم والانفتاح، تكثر التساؤلات عن سبب اختيار الفرنسية كلغة علم بينما أكثر من 90 من محتوى الانترنت بالإنجليزية؟ إلى أي مدى تؤثر التوازنات الاقتصادية الضيقة على مسألة هوياتية ومصيرية كتعليم أبناء الشعب؟ قد يقال إن جودة التعليم بالفرنسية كانت أحسن، لكن المعطيات التاريخية كشفت أنه حين كان التعليم بالفرنسية كانت نسبة المنتسبين للمدارس لا تراوح 5% من الأطفال المغاربة؟

كان أبرز منتقدي مذكرة الوزير الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية، التي رأت في هذه الخطوة ضرباً مباشراً للهوية المغربية، إضافة إلى انتقادات مباشرة تلامس النخبة الفرنكوفونية التي تفضل تدريس أبنائها في المدارس الأجنبية، مقابل تجريب مختلف السياسات اللغوية في أبناء الشعب، متّخدة من المدرسة العمومية حقل تجارب.

هذه التساؤلات كلها لا تبشر بمستقبل منير لإشكالية لغة التعليم في المغرب، خصوصاً أن التاريخ يوشك أن يكرر نفسه في تجسيد لمقولة ماركس.

التعليقات

المقال التالي