هل كان مصير إيلان أفضل إذاً؟

هل كان مصير إيلان أفضل إذاً؟

يبدو أن الحرب، والتهجير، والموت، لم تعد أقسى الظروف التي تواجه أطفال بلاد اللجوء، الذين يشقون البحار مدفوعين مع عائلاتهم أو بدونها إلى أوروبا. إذ تظهر اليوم أزمة جديدة تتعلق باختفائهم، بعد أن كشفت وكالة الشرطة الأوروبية Europol أن 10 آلاف طفل ممن سجلوا دخولهم إلى أوروبا بوسائل غير شرعية، من دون مرافقة ذويهم، اختفوا عن أعين حكومات الدول الأوروبية المسجلين فيها، خلال العامين الماضيين، مطلقين بذلك أزمة المصير المجهول.

هنالك 5 آلاف من الأطفال المفقودين اختفوا في إيطاليا وحدها، وألف آخرون في السويد، وتخشى وكالة الشرطة الأوروبية أن يكون هؤلاء الأطفال عرضةً للوقوع في أيادي عصابات الجريمة المنظمة، التي باتت تنشط في هذا المجال. وأبدت تخوفها أيضاً من تعرضهم لحالات اتجار بالبشر، أو الاستغلال الجنسي أو الاستعباد. علماً أن مدير Europol أكد لصحيفة The Guardian البريطانية أن ليس كل هذا العدد من الأطفال ضحايا الأعمال الإجرامية الآن، فربما التحقوا بأقربائهم في مناطق معينة، لكن الحكومات التي سجلوا عندها دخولهم، لا تعرف أين هم، وماذا يفعلون.

إيلان وأصدقاؤه

بالعودة إلى الوراء، كان سبتمبر الماضي 2015، نقطة تحول في النظرة العالمية إلى أزمة اللاجئين المتدفقين عبر البحر إلى أوروبا، إذ وصل نحو مليون، غالبيتهم من السوريين، إلى القارة الأوروبية، و27% منهم هم أطفال، بحسب منظمة Save the Children.

أقوال جاهزة

شارك غردهل يعقل أن مصير بعض الذين عبروا إلى أوروبا ليس أفضل من مصير الذين بقوا في بلادهم برغم الأخطار وصعوبة العيش

شارك غرد10 آلاف طفل ممن دخلوا أوروبا بوسائل غير شرعية اختفوا عن أعين السلطات ويخشى من كونهم وقعوا ضحايا الاتجار بالبشر

وذكرت صحيفة Independent البريطانية في تقرير لها أن نحو 700 طفل يتقدمون باللجوء إلى الدول الأوروبية يومياً، أي نحو ضعفَيْ عدد الأطفال الذين كانوا يتقدمون باللجوء في العام 2014. لكن هذه الأعداد الواصلة، قابلها عدد هائل من الذين لم يصلوا. ففي سبتمبر وجد الطفل الكردي آيلان ميتاً على أحد الشواطئ التركية بعد محاولة فاشلة للعبور، فأثار ذلك ضجة عالمية ما زال صداها حتى اليوم في وسائل الإعلام. ومثل إيلان، غرق في بحر إيجة وحده، 185 طفلاً في العام نفسه، كما غرق نحو 30% من اللاجئين في البحر، علماً أن هذا الرقم هو فقط للذين التقطوا جثثاً عن الشواطئ، إلا أن هناك أرقاماً أخرى لم تنقذ ولم تنتشل من البحر.

الوصول إلى أوروبا

في تقرير صادر عن منظمة أطباء بلا حدود عن رحلة التهريب إلى أوروبا، بعنوان "طريق المصاعب إلى أوروبا"، يوصف الوصول إلى الشواطئ الأوروبية بأنه أسوأ من البحر. ففي اليونان مثلاً تقف النساء اللاجئات ومن الممكن أن يكن حوامل، مع أطفالهن تحت المطر لأيام متواصلة في دور التسجيل.

وحذرت منظمة الأمم المتحدة للأطفال Unicef في تقرير لها في شهر يناير الماضي، من الوضع الصحي المتردي الذي يعاني منه الأطفال اللاجئون في برد أوروبا، خصوصاً الذين وصلوا حديثاً إلى شواطئ اليونان وإيطاليا، حيث لا يوجد أي نوع من التجهيزات الكافية لاستقبالهم وأقلها التدفئة. ففي بعض المراكز، حتى في دول الوجهات الأخيرة كألمانيا لا يوجد تدفئة كاملة، ما لا يعطي الفرصة للأطفال بالتحسن بعد وصولهم، وتقول المنظمة في التقرير نفسه إن عدد الأطفال الذين يصلون إلى أوروبا يساوي واحداً من أربعة أشخاص من مجمل عدد اللاجئين.

أما القضية الأخيرة، قضية الأطفال الضائعين، مجهولي المصير، فليست جديدة في أوروبا. منذ عام 2010، تتحدث بعض وسائل الإعلام الأوروبية عن أزمة ضياع الأطفال اللاجئين فيها، وتعرضهم للوقوع بين أيدي العصابات الإجرامية، التي تشكل ارتباطات بين المهربين وعصابات الاتجار بالبشر. علماً أن تهريب الأطفال تحت سن 18 إلى أوروبا أمر قديم، لم تخلقه أزمة اللجوء السورية. إلا أن الأرقام تحولت عام 2015 من مئات الأطفال إلى 10 آلاف طفل ضائع. وعام 2015 وحده تضاعف عدد القاصرين غير المصحوبين مع ذويهم مرتين عن العام الذي سبقه، بالإضافة إلى كون هؤلاء الأطفال مسجلين في برامج اللجوء بشكل رسمي، لا كالأطفال الفارين سابقاً، والذين كان يفر معظمهم قبل التسجيل في مراكز اللجوء، ما يجعل إحصاؤهم غاية في الصعوبة. أيضاً كانت الحكومات الأوروبية تحاول ألا تبقيهم على أرضها، ما يجعلها تتأخر في تسجيلهم فيفرون قبل أن يكون لهم أسماء رسمية في الحكومة.

أما في تركيا، مركز الانطلاق بالنسبة للأطفال اللاجئين السوريين، فالأمر ليس أفضل حالاً. فهم عرضة للاستغلال، والعبودية الجنسية، والبيع والشراء، وللعمالة بأجور زهيدة جداً. وآخر فضائح تركيا قضية تشغيل الأطفال السوريين في معامل الأقمشة، إذ وجدت إدارة ماركة الثياب الشهيرة H&M  أطفالاً سوريين في معامل أقمشة تركية اعتادوا أن يتعاملوا معها لتزودهم بالبضائع. ويقدر أن يكون جزء كبير من الأطفال المخفيين عن أعين الحكومات الأوروبية، يتم استخدامهم اليوم في أوروبا بالطريقة نفسها كونهم لا يملكون وجهة ولا أهل.

بين الموت اليومي في تركيا، والموت المحتمل اليومي أيضاً في أوروبا، والموت الحقيقي في البحر، ومع كل هذه الأرقام المذكورة السابقة، للضائعين والمرضى،  أصبح السؤال مشروعاً، هل يعقل أن مصير بعض الذين عبروا إلى القارة العجوز ليس أفضل من مصير الذين بقوا في بلادهم برغم الأخطار وصعوبة العيش؟

التعليقات

المقال التالي