البرقع قبل أن يصبح "رمزاً" للأصولية

البرقع قبل أن يصبح "رمزاً" للأصولية

هذا ليس كرنفال البندقية الذي يقصده الآلاف من أنحاء العالم سنوياً، ليعيشوا تلك التجربة الجذابة، بمجرد وضع قناع غامض يشعر البشرة من داخله أنها تتنفس حريّة. وليس هذا البرقع السياسي، الذي تربطه الثقافة الحديثة بالأصولية الإسلامية، وتفرض عليه عقوبات في بعض الأماكن في العالم.

هذا هو فخر نساء سلطنة عمان، والثقافة الأصيلة للبدو، الذين يربطون تاريخهم ونسبهم بالنبي محمد، وقبله. وقد انتقل البرقع العماني من الرمزية الاجتماعية التي تأخذ معاني مختلفة مع تسلسل الحقبات الزمنية، إلى تحوله واحداً من الأكسسوار الأكثر غموضاً للنساء المعاصرات، مروراً بارتباطه بالأصولية.

البرقع - نساء غجريات

يقال إن العمانيين عرفوا كيفية التوفيق بين تراث الماضي وضرورات الحاضر وآفاق المستقبل، بفضل تلك الهوية القبلية التي تمسّكوا بها، رغم تآكل الثقافات العربية حولهم. ومن ذلك المعتقد تمارس النساء البدويات نوعاً من الحرية الاجتماعية، ويشاركن في الحياة السياسية والاقتصادية من دون قيود ذكورية، وينتقين ملابسهن وفق تقاليد القبيلة إلى حدٍ ما، وعادةً ما تكون مفعمة بالألوان. يعتبر البرقع العماني الحجر الأساسي للهوية الأنثوية في الصحراء البدوية، فهو يميّز الانتماء إلى قبيلةٍ ومنطقةٍ معينتين، ويخبر عبر مختلف تصاميمه عن وضع المرأة الاجتماعي و"الجنسي".

أقوال جاهزة

شارك غردالرموز الاجتماعية والجمالية المرتبطة بالبرقع العُماني

البرقع - امراة تضع قناع

كانت المرأة البدوية ترتدي ذلك القناع المصنوع في الأصل من جلد الورق المقوى، لتحمي وجهها من الهواء الصحراوي ورماله. وهو لا يرمز إلى اضطهادها بأي شكلٍ من الأشكال، بل تفتخر به وتتوق لاقتنائه منذ سن البلوغ، كرمزٍ لكونها أصبحت امرأة واثقة بنفسها.

البرقع - قناع خاص بالغجر

التصميم الاجتماعي

قد تجدون تصاميم وأشكالاً وألواناً عدة من البرقع العماني، وفق المنطقة التي تكونون فيها، والقبيلة التي تلتقونها، وحتى وفق وضع المرأة الاجتماعي وأحياناً الاقتصادي. في كتاب “Travels of Arabia” كتب Lieut Wellsted عام 1837، واصفاً رحلته إلى عمان، أن النساء يتنقلن في البلاد ووجوههن مكشوفة، بينما في مسقط يرتدين قناعاً مستطيل الشكل، بطول نحو 25 سم وعرض 18 سم، ودائره مرسوم بالذهب ويتخلله في الوسط على مستوى الأنف عظمة فك الحوت، وعلى جانبيها فتحتان صغيرتان للرؤية.

أما Jenny Balfour-Paul فحكت عام 1979 في كتابها “Indigo in the Arab world” عن أن النساء في مسقط وضواحيها لم يغطين وجوههن يوماً، ولكن في بقية مناطق عمان كانت تجد نوعين من الأقنعة، البرقع أو القناع الذي يغطي الوجه، وشكلاً آخر من الأقنعة أكثر إثارة وبالكاد يغطي تفاصيل الوجه.

البرقع - قناع اسود

علماً أن النساء العمانيات يلبسن اليوم قناعاً يخبئ قسماً من جبهة الرأس وينزل على الأنف بقطعة رفيعة من القماش، ليصل إلى القسم الأسفل ويغطي الفم والذقن. أما النساء البدويات فيختلف البرقع الخاص بهن وفق تقاليد القبيلة. ففي إمكانهن اقتناء قناع يخبئ الوجه باستثناء العينين، يتخلله تلك الحلقة العمودية على الأنف، بينما تختار أخريات إظهار الخدود والحنك بطريقة أوسع، وبعضهن يقررن تصميم القناع بشكلٍ يظهر جمال الوجه بطريقة جد جذابة. أما في المناطق الشمالية من عمان، كالبريمي والمسندم، فتلبس البدويات أقنعة رفيعة ذهبية، وفي الشرقية ورمال وهيبة، يلبسن القناع الذهبي أيضاً ولكن بمواد أكثر سماكة، وشكل غير مسطح ويشبه المنقار في الوسط. وفي جنوب المنطقة الوسطى، يعطى البرقع للمرأة لدى زواجها، وبذلك يدل إلى وضعها الاجتماعي، وعادةً ما يغطي الوجه بلونٍ أسود داكن.

البرقع - مادونا

الغموض الذي يرافق تلك الأقنعة البدوية الجذابة لاقى إعجاباً كبيراً في عالم الموضة العمانية، وباتت المرأة غير البدوية تلبس تصاميم جميلة منه مرصعة بالأحجار الكريمة في الحفلات الكبيرة والأعراس. وانتشر عشق الأقنعة البدوية تلك في عواصم الموضة العالمية وبين صفوف النجمات الجريئات. هكذا، افتعلت سابقاً مادونا ملكة البوب جدالاً واسعاً لدى ظهورها على غلاف مجلة Harpers Bazaar بنسختها الأميركية ووجهها مغطى ببرقع معدني جذاب، وخرجت عارضات Givenchy لموسم خريف 2009 إلى المنصة مرتديات برقعاً معدنياً بالكاد يغطي الوجه لينسدل على القسم الأعلى من أجسامهن بطريقةٍ بديعة كما تخيلها المصمم Ricardo Tisci. أما دار Martin Margiela فأقامت حفلاً تنكرياً لعارضات تغطي وجوهن أقنعة عليها زهور وأحجار ملونة، ومطرزة بجمالٍ غامض يعكس أناقة البرقع البدوي.

الرمزية الشعرية

نختار البرقع ليس لأننا نخجل من الظهور علناً من دونه، بل لأننا نجده جميلاً". هكذا وصفت بدوية البرقع الذي يلازم وجهها. قبائل عدة من عمان مثل قبيلة الحراسيس تؤمن أن البرقع هو دلالة على التواضع الجنسي ورمزٌ لخصوبة المرأة، لذلك تضعه المرأة على وجهها في مرحلة البلوغ وأحياناً قبل زواجها، ويتم خلعه عند بلوغ سن اليأس، إذا تمكنت المرأة من أن تغير تلك العادة التي لزمتها لعقودٍ طويلة.

البرقع - امرأة غجرية في عمان

تتوق الفتاة المراهقة لارتداء برقعها الأول تماماً كما تكون الفتاة الغربية منفعلة لدى ارتدائها صدريتها الأولى، هذه مرحلة انتقالية تهيئها لمرحلة الزواج، الذي يحصل في الإجمال بموافقتها الشخصية، وإذا قررت الانفصال عن زوجها لاحقاً فبإمكانها ترك بيت زوجها والعودة إلى منزل والدها، مع قطيع الغنم الذي حصلت عليه. في تلك الحالة بإمكان المرأة المطلقة إزالة القناع عن وجهها، إذا لم تعد تنوي الزواج برجل مرةً أخرى. لكن نادراً ما يحصل هذا، لأن امرأة من دون قناع تعتبر متحررة جنسياً.

أما في المدن العمانية، فإن الدلالة الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية هي التي تحكم البرقع. في ولاية صحار مثلاً كان يرمز البرقع، حتى فترةٍ وشيكة، إلى انتماء المرأة إلى الطبقة الوسطى من التجار، بينما لم تستخدمه الطبقة العليا والعائلات المرتبطة بالسلطان في حياتها اليومية.

يذكر أن نساء "الرقيق" اللواتي كن يشكلن 15% من نساء صحار، ممنوعات عن استخدام البرقع لأنه يمثل المرأة الحرة، ومع إلغاء العبودية في الخمسينات، اختار العديد منهن البرقع علامة على تحررهن من العبودية، ورمزاً لانتقالهن إلى طبقة أعلى من المجتمع.

البرقع - غجريات

تفكك ثقافة البرقع

ذلك البرقع لطّخه العالم "الحديث" وإعلامه من خلال ربطه بالأصولية الإسلامية، من دون أي فهمٍ عميق لتلك الرموز الاجتماعية التي طورها البدو حتى قبل نشوء الإسلام، كلغةٍ ثقافية استخدمتها القبائل المختلفة للتحاور. والبرقع الذي استخدمته المرأة الصحراوية كأداة ثقافية تعطيها مكانتها في المجتمع، تماماً كاستخدام قبائل أخرى من أفريقيا وأميركا وغيرها من القارات رموزها الاجتماعية الخاصة، هذا البرقع تاه لدى تصادم ثقافات الشرق الأوسط بالعالم الحديث، خصوصاً لدى الأجيال الصاعدة التي تبنت لغة التبرج لتزيين الوجه عوضاً عن البرقع المطرز النادر بجودته. 5% من البدو في الشرق الأوسط ما زالوا يعيشون تقاليدهم وعاداتهم في قلب الصحراء، والآخرون يندمجون أكثر فأكثر في العولمة التي ينقصها التنوع والغنى الثقافيان، لأنها تفرض لوناً ثقافياً واحداً في الأفق.

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

كلمات مفتاحية
المرأة سلطنة عمان

التعليقات

المقال التالي