أجيال من الأطفال العديمي الجنسية والنسب تولد مع استمرار الصراع في سوريا

أجيال من الأطفال العديمي الجنسية والنسب تولد مع استمرار الصراع في سوريا

بعد معاناة استمرت أكثر من عام، تمكنت "عطاف"، وهو اسم مستعار للاجئة سورية تقيم في الأردن، من انتزاع وثيقة رسمية تثبت نسب بناتها الثلاث لوالدهن. وهي كانت قدمت مطلع العام 2014 إلى الأردن مع بناتها، اللواتي تبلغ أكبرهن 15 عاماَ وأصغرهن 10 سنوات، بعدما انقطع التواصل بينها وبين زوجها قبل مغادرتها سوريا، وتجهل مكان إقامته اليوم.

تقول: "تزوجت عام 2000، وأنجبت بناتي الثلاث في درعا بسوريا. ولكن مع تفاقم الاضطرابات في المنطقة التي أسكن بها، قررت المغادرة عام 2014، وأتيت إلى الأردن من دون أي وثائق رسمية". وتضيف: "ظروف مغادرتي لدرعا والقرار السريع حالا دون أن أفكر في ضرورة جلب هذه الأوراق. لكن عندما وصلت إلى الأردن، علمت أن غياب أي أوراق ثبوتية للفتيات يعني ضياع حقوقهن، خصوصاً في النسب إلى والدهن وصولاً إلى حقهن في الجنسية السورية".

أقوال جاهزة

شارك غردحتى لو انتهى الصراع، لن يتمكن بعض السوريين من العودة إلى بلادهم نظراً لأنهم لا يحملون الجنسية أو أيّ أوراقاً ثبوتية

حصلت عطاف على دعم من منظمة "أرض العون القانوني التي تقدم خدمات المساعدة القانونية للاجئين السوريين. فقامت بتحريك قضية إقرار بالزوجية والنسب، رغم استحالة الوصول إلى الزوج. لكن بعد الأخذ بشهادة الشهود من معارفهما، الذين كانوا يقيمون في القرية، تمكنت عطاف من كسب القضية.

هذه حالة واحدة من آلاف حالات اللاجئين السوريين، الذين بات أبناؤهم من دون وثائق ثبوتية لأسباب متعددة، إما لعدم توثيق زيجاتهم في سوريا قبل لجوئهم إلى الأردن، أو لضياع أوراقهم الثبوتية. بينما الإشكالية الأبرز تكمن مع السوريين الذين يتزوجون بعقود زواج "خارجية" أو "عرفية" ما يجعل من زيجاتهم غير مثبتة رسمياً.

بحسب تقرير صادر عن منظمة أرض العون القانوني العام الماضي، فإن "السوريين الذين لا يسجلون رسمياً واقعات زواجهم، وبالتالي لا يسجلون مواليدهم، يعملون بذلك على زيادة عدد النساء غير المحميات اجتماعياً، والأطفال الذين يفتقرون إلى وثائق الهوية والأهلية الاجتماعية في الأردن أو في مكان آخر".

وكشف التقرير أن السوريين كانوا يفتقرون لآليات وصول ميسرة للتسجيل الرسمي، كما أنهم يفتقرون، ربما للفروق بين العادات الثقافية للأردنيين والسوريين، إلى تقدير حاجتهم للقيام بذلك. وحذّر التقرير من أنه "إذا استمر الوضع القائم، فسيتعرض الأردن لخطر ظهور جيل من الأطفال السوريين المجهولي النسب والهوية ضمن حدوده بعد انتهاء الأزمة السورية".

واعتبر أنه "إذا بقي السوريون غير قادرين أو غير راغبين في تسجيل زواجهم، وفي النهاية، عدم تمكنهم من الحصول على شهادات ميلاد، فإن عدداً لا يحصى من الأطفال سيكونون غير قادرين مستقبلاً على العودة إلى سورية".

من جهتها، تنبهت دائرة قاضي القضاة لهذه الإشكالية القانونية، واتجهت بالتعاون مع المفوضية العليا لشؤون اللاجئين إلى تثبيت عقود الزواج والولادات للاجئين السوريين.

وينص قانون الأحوال الشخصية على أنه إذا أجري عقد زواج ولم يوثق رسمياً يعاقب كل من العاقد والزوجين والشهود، بالعقوبة المنصوص عليها في قانون العقوبات وتغرم المحكمة كل واحد منهم بغرامة مقدارها 200 دينار، أي غرامة إجمالية قيمتها 1000 دينار (ما يعادل 1450 دولاراً).

نظراً لارتفاع القيمة، عمدت الدائرة إلى إعطاء مهلتين لتصويب أوضاع اللاجئين السوريين. ويقول مدير الإصلاح والتوفيق الأسري في دائرة قاضي القضاة، القاضي أشرف العمري: "في بداية موجة اللجوء، انتشر الزواج غير الموثّق من دون رقابة القضاء، لوجود قناعة لدى العائلات بأن إقامتها في الأردن مؤقتة، وأنها بعد العودة الى سوريا ستعمل على توثيق الزيجات هناك، إلى جانب اختلاف الأعراف والعادات في مسألة الزواج، والخوف من رفض بعض معاملات الزواج، خصوصاً تلك التي يكون فيها عمر الزوجة دون 15 عاماً، إذ يمنع قانون الأحوال الشخصية الزواج للفتاة دون سن 15 عاماً في الأردن".

وأضاف: "لعدم التوثيق آثار كارثية على الفتاة وحقوقها، وعلى الأطفال وحقوقهم، ويترتب على ذلك تحديات على الدولة المضيفة، من خلال توثيق الجنسيات والولادات". وأوضح: "أطلقنا مع الجهات الشريكة حملات توعية في المخيمات عن مخاطر عدم توثيق الزيجات، فضلاً عن استحداث محكمة شرعية في مخيم الزعتري لتسهيل توثيق الزيجات".

ويشير العمري إلى أن "أرقام الزواج الموثق ارتفعت لكل الأعمار من 803 حالات عام 2012 إلى 2936 عام 2013، و7000 حالة تقريباً عام 2014.

يقول المسؤول القانوني لمنظمة أرض العون في مخيمات اللاجئين السوريين بسام الضمور إن "المسألة ليست فقط الغرامة، للأسف، ونتيجة لثقافة انعدام الثقة بالمؤسسات الرسمية، فإن نسبة من اللاجئين تعزف عن تسجيل زيجاتها بشكل رسمي، رغم كل حملات التوعية، ولكن أحياناً تطغى القناعات الفردية. هذا الواقع يدفع ثمنه بالمحصلة الأطفال فقط".

كما يرى أن "الإشكالية الأخرى في حالات زواج القاصرات دون سن الخامسة عشرة. فرغم أن هذا النوع من الزيجات ممنوع في الأردن لكنه رائج في سوريا، وتحديداً في الريف. وتهتم العائلات غالباً في إتمام الجانب الديني من الزواج، أي بأن يكون على يد شيخ وبحضور الشهود، لكنها لا تهتم بالجانب المدني والقانوني وضرورة التسجيل وعدم مخالفة القانون لجهة الحد الأدنى لسن الزواج". ويتابع: "الولادات من هذه الزيجات تعد إشكالية. هنا نضطر للانتظار حتى بلوغ الزوجة السن القانونية وتثبيت الزواج، ثم تثبيت النسب للأطفال".

ويوضح أن "التحدي الأبرز يكمن في حالات الزواج غير الموثقة التي ينجم عنها أطفال، وبعد الإنجاب يقرر الزوج العودة وحيداً إلى سوريا، أو الهرب في رحلة الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا. يوجد حالات كثيرة من هذا النوع، إذ ينقطع الاتصال بين الزوجة والزوج، وبالتالي يصعب تثبيت نسب الأطفال وإعطائهم حقوقهم".

أما النوع الأخير من المشاكل، الأقل شيوعياً، فهو حالات الزواج غير المثبت أو العرفي، بين فتيات سوريات وأشخاص من جنسيات عربية أخرى، فيتم الزواج لفترة محددة، ثم يغادر الزوج إلى بلده وينقطع الاتصال به.

ويوضح الضمور أن "هذا النوع من الزيجات محدود جداً كون غالبية حالات الزواج تتم بين اللاجئين أنفسهم، لكن يترتب على تلك الزيجات مشاكل اجتماعية وقانونية عدة، خصوصاً لدى وجود أطفال".

ويضيف: "الأثر كذلك يمس الأردن كدولة، بوجود أجيال من الأطفال العديمي الجنسية على أرضه. حتى في حال انتهاء الصراع لن يتمكن هؤلاء من العودة إلى بلادهم نظراً لأنهم لا يحملون الجنسية السورية".

ويختم: "تبقى الحاجة الماسة إلى الاستمرار في حملات التوعية من خطورة عدم التسجيل، والاستمرار في تحديد فترات لتصويب الأوضاع من دون فرض غرامات على المخالفين".

نادين نمري

صحفية أردنية متخصصة في صحافة حقوق الإنسان، لديها اهتمام خاص بقضايا الحريات الدينية والأقليات في الشرق الاوسط، والجندر وحقوق الطفل والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، مناهضة لعقوبة الاعدام. حائزة على جائزة صحافة حقوق الانسان للعام 2015 المقدمة من منظمة صحفيون لحقوق الإنسان ومعهد الإعلام الاردني. تعمل في مجال الصحافة المكتوبة منذ 12 عاما.

التعليقات

المقال التالي