داعش يطارد الإنترنت في دير الزور

داعش يطارد الإنترنت في دير الزور

حتى وقت قريب، لم يكن داعش يعرف أهمية الاتصالات، وبشكل خاص الإنترنت، كسلاح يمكن أن يستخدم ضده. عرف ذلك بعد استهداف طائرات التحالف الدولي لمناطق خاضعة لسيطرته.

فهم داعش أن النقاط التي يتم استهدافها تُرسل إحداثياتها عبر شبكات الاتصال بواسطة ناشطين سوريين. هذا الوضع أدى إلى ملاحقة التنظيم للناشطين ومراقبته مقاهي الإنترنت والتحكم بها والتنصت على المستخدمين، ووصل الأمر إلى وضع شروط لمنح التراخيص لمن يرغب في افتتاح مقهى إنترنت في محافظة دير الزور السورية وحُصرت هذه المهنة بالأشخاص المقربين من التنظيم.

خوف داعش من الإنترنت

في دير الزور، ينشط الناشط الإعلامي رامي الحكيم بشكل سري في شبكة دير الزور 24. وأكّد أنه بعد نشر أخبار متعلقة بالمناطق الخاضعة لسيطرة داعش، بدأ الأخير بملاحقة الناشطين وتتبع كل مَن يشك في أنه يزود شبكات إخبارية بالمعلومات، خاصةً مع انتشار صور وفيديوهات ضد التنظيم عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

وروى أن "التضييق بدأ من خلال تتبع مستخدمي الإنترنت وتنفيذ مداهمات متكررة للمقاهي في دير الزور وريفها وتفتيش أجهزة الاتصالات فيها واعتقال الكثيرين بتهمة التخابر ونشر المعلومات".

أقوال جاهزة

شارك غردلماذا يخاف داعش من الإنترنت؟

شارك غردكيف يتفلّت الناشطون المعارضون لداعش في دير الزور من مراقبته للإنترنت

وزرع داعش جواسيس لمعرفة مستخدمي "الإنترنت الفضائي". وكل ذلك بهدف تغييب الواقع الذي يعيشه الأهالي عن العالم الخارجي، وأيضاً لعدم إثباط همة مؤيديه وعناصره بعد الضربات التي شنّها عليه التحالف الدولي.

وبحسب الحكيم، قام داعش بوضع شروط لافتتاح مقاهي الإنترنت، واعتقل كل من لديه نواشر تبث الإنترنت. "كل شخص يدخل إلى مقهى إنترنت يُسجّل اسمه وجهاز الكمبيوتر الذي يستخدمه. ويقوم المسؤول عن المقهى، وهو شخص تابع للتنظيم ويملك خاصية مراقبة الأجهزة، بمراقبة عمل كل شخص ليرى إن كان يقوم بنشر أخبار تخص داعش أو يقوم بالتواصل مع شبكات ومواقع إخبارية ويزوّدها بمعلومات عن واقع دير الزور وريفها".

العمل بسرية تامة

بعد قطع الحكومة السورية للاتصالات وشبكات الإنترنت عن دير الزور، منذ سيطرة داعش على المنطقة، راح عدد كبير من الناشطين في المجال الإعلامي في دير الزور وريفها يبثون الأخبار عن طريق نواشر الإنترنت الفضائي. لذلك بدأ داعش بمراقبة الأحياء والمنازل لمعرفة مَن يقوم باستخدام النواشر الفضائية كي يتم اعتقاله أو ربما تصفيته.

الناشر هو عبارة عن "دش" (ساتلايت) بقطر معين يتم وضعه في أماكن عالية ويحتوي على قاعدة وحامل إبرة لينشر شبكة الإنترنت في مساحة معينة. ويحاول الناشطون دوماً استخدام الناشر بشكل سري كي لا يتم كشف أمرهم.

محمد الخليف هو أحد المسؤولين في شبكة دير الزور 24 يذكر أنه في شهر سبتمبر الماضي اعتقل داعش 26 شاباً في "مقهى الملحم" في مدينة الميادين، بحجة أنهم ناشطون يقومون بتزويد جهات خارجية بالأخبار.

وتابع: "بسبب عدم قدرة داعش على الوصول إلى ناشري الأخبار الذين يعملون بشكل سري، يقوم بين الحين والآخر باعتقال شباب يرتادون مقاهي الإنترنت واقتيادهم إلى دورات شرعية أو إلى المعارك، والهدف تخويف الناشطين داخل دير الزور وريفها من العمل ضد التنظيم".

ويؤكد الخليف أن العمل ضد داعش في المناطق الخاضعة لسيطرته ليس بالأمر السهل، ويتعرّض مَن يقع في قبضته للإعدام بطرق مختلفة.

وعن عمل شبكتهم يقول: "نحرص دوماً على سلامة مراسلي الشبكة. هم لا يستخدمون الإنترنت والتواصل إلا عند الضرورة وبحذرٍ شديد وفي أماكن لا يمكن تتبعها، بعيداً عن أنظار جواسيس داعش. وعند انتهاء باقة النواشر يتم تزويد المراسلين بكود سرّي كي لا يضطروا إلى ملئها من المحال التي يراقبها داعش".

الناشر الفضائي

النواشر الفضائية المستخدمة من قبل الناشطين تعود إلى شركات عدّة أكثرها شيوعاً نوعان "التوواي" والهيوز "Hughes". والأخير وهو الأكثر استخداماً في دير الزور وريفها، يتم جلبه من تركيا إلى محال متخصصة تقوم ببيعه وتمتلك رخصاً يمنحها لها داعش. ويمتلك التنظيم أجهزة تستخدم في مقاهي الإنترنت للمراقبة. فيما يعتمد الناشطون على تهريب تلك الأجهزة سراً من تركيا بعيداً عن أعين داعش.

جهاز الهيوز "Hughes" يتكون من ثلاثة أنواع وتبلغ قيمة "الهيوز الدولي" و"الهيوز العراقي" 900 دولار أميركي، و"الهيوز الإماراتي" 1500 دولار. وكل جهاز يكون مفعلاً لمدة من ثلاثة إلى ستة أشهر بحسب سعة الجيغابايت. وكل ستة أشهر يُشحن بخمسين جيغابايت تكلفتها 650 دولاراً أميركياً، وهذه أكبر وأغلى باقة. ويستخدم التنظيم أجهزة اتصال يتم جلبها من العراق أيضاً.

الخبير في الجماعات الإسلامية وأحد ناشطي دير الزور عمر أبو ليلى (مطلوب من داعش ويقيم خارج البلاد)، يعتقد أن الدول المصدرة لأجهزة الإنترنت الفضائي تستطيع مراقبة نقاط وجود الأجهزة في المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم. ويقول إن "الماك أدرس هو العنوان الأساسي للجهاز ولا يمكن أن يعمل الناشر بدونه وهو يظهر لدى الشركة المسؤولة عن الجهاز أينما كانت، إذ يُستقبل عن طريق إشارة كي يُفعّل الخط، وبذلك من الممكن تحديد مكان تفعيله".

ويحذر الخبير في مجال المعلوماتية دلشاد عثمان من سهولة كشف أماكن نواشر الوايرلس المحلية، "فهي لا تحتاج إلى تقنيات متطورة، ولذلك يجب تجنب تفعيل نواشر الـWiFi-WiMAX ضمن مناطق سيطرة داعش. لكن جهاز الـVSAT مثلاً من الصعب جداً كشفه لأنه يحتاج إلى أجهزة رادار مثبة على طائرات لا يمتلكها داعش، كما من الممكن إخفاؤها في أماكن مهجورة أو غير مرئية".

الإنترنت وسيلة داعش

وبحسب عثمان، فإن الإنترنت هو أبرز وسيلة يعتمدها داعش للتواصل مع العالم الخارجي لنشر أفكاره وتجنيد المقاتلين، كما يقوم عناصر التنظيم بالتواصل مع أقربائهم عبره.

ويضيف أن "نواشر الإنترنت الفضائي ومقاهي الإنترنت أتاحت لمجموعة من الناس التعامل مع الجهاز نفسه وهذا يؤدي إلى تخفيف تكلفة تشغيل الجهاز الواحد، لكن في الوقت عينه هو خطر بسبب قدرة داعش على التحكم بالأجهزة وبذلك متابعة ومراقبة الأشخاص واعتقالهم".

ويستخدم داعش بحسب عثمان إلى جانب أجهزة الإنترنت الفضائي والنواشر، حواسيب عادية وهواتف ذكية، كما يقوم الموالون لداعش بزراعة برمجيات ذكية مثل برنامج Visual hacking في مقاهي الإنترنت لمراقبة الحواسيب وتتبع نشاط مستخدمي الشبكة.

لا يخفي عثمان أن اعتماد داعش على الإنترنت هو سلاح ذو حدين، فمن جهة يلبي عمل التنظيم، ولكن في المقابل يسمح للمجتمع الدولي بمراقبة مناطق سيطرته. فالإنترنت هو أحد أهم نقاط الضعف التي تساهم في تحديد مواقع التنظيم وأماكن وجود قياداته واغتيالهم.

سردار ملا درويش

صحافي سوري يحمل إجازة في الإعلام من جامعة دمشق، يعمل في الصحافة المكتوبة والمسموعة والإلكترونية وعضو هيئة إدارية في رابطة الصحفيين السوريين.

التعليقات

المقال التالي