"طريق المصاعب إلى أوروبا": أرقام صادمة عن أزمة اللاجئين

"طريق المصاعب إلى أوروبا": أرقام صادمة عن أزمة اللاجئين

منذ بداية 2015 أصبح خبر ابتلاع البحر الأبيض المتوسط للناس خبراً عادياً، يلتقطه القارىء وينساه بعد بضع دقائق. إذ يتفاقم عدد الغرقى مع تفاقم عدد المهاجرين غير الشرعيين، الأحياء الموتى، الذين يضعون أرواحهم على كفوفهم، محاولين العبور إلى أوروبا، بحثاً عن الأمان والحرية، هرباً من البلاد المشتعلة بحروبها ومجاعاتها ومجازرها. في الضفة الأخرى من البحر، شكّلت الأعداد الهائلة عام 2015، أزمة عالمية حقيقة تحدث عنها العالم معتبراً أنها من أصعب الأزمات التي مرّت على العالم منذ مدة طويلة.

توجه المنظمات الإنسانية العالمية غير الحكومية خصوصاً، والمعنية بالعمل في المجال الإغاثي الإنساني اتهاماتٍ شديدة اللهجة إلى سياسات دول الاتحاد الأوروبي على أنها شريك فاعل في أزمة الهجرة غير الشرعية ومخاطرها وعقباتها، كان آخرها التقرير الذي صدر عن منظمة أطباء بلا حدود في 19 يناير تحت عنوان "طريق المصاعب إلى أوروبا". إذ كانت الأخيرة كثفت جهودها العام الماضي في التقاط الغارقين من المتوسط، ومحاولات إنقاذهم وتقديم الإغاثة الأولية الطبية للناجين على الشواطئ الأوروبية اليونانية والإيطالية.

فبعد أن عاينت فرق المنظمة نحو 100 ألف مهاجر من الواصلين أو الذين قاموا بإنقاذهم، أصدرت تقريرها الناقد، وبشكل حاسم للسياسات الأوروبية، متهماً أوروبا أنها السبب الرئيسي في ذهاب الأمور إلى ما آلت إليه عام 2015.

أقوال جاهزة

شارك غردأطباء بلا حدود: أوروبا تفاقم أزمة اللاجئين

شارك غرد"إنه الطريق الوحيد"، يجيب أحد المهاجرين عندما يسأله المنقذ عن سبب إقدامه على هذا الفعل المغامر والخطر

ازمة اللاجئين - رجال في المركب

توضح المنظمة بالأرقام، التزايد الكبير في محاولات العبور من إفريقيا الشمالية وتركيا إلى أوروبا، والمصاعب الشديدة التي تواجههم في الرحلة المرعبة التي يخوضونها، بدءاً بالحديث عن إغراقهم عمداً في المتوسط، إلى نقص الموارد البشرية الأولية لدى استقبالهم، وإغلاق الحدود بين الدول الأوروبية بشكل مزاجي في وجههم.

"إنه الطريق الوحيد"، يجيب أحد المهاجرين عندما يسأله أحد أعضاء الفرق المنقذة في منظمة أطباء بلا حدود، عن سبب إقدامه على هذا الفعل المغامر والخطر. إذن سياسات الدول الأوروبية، التي تغلق جميع سبل النزوح الطبيعي، أو اللجوء الإنساني بشكل رسمي من بلاد الحروب إليها، لا بل تحد أي نوع من أنواع تأشيرات الدخول الطبيعية، ما عدا "الفيزا الطلابية" في ألمانيا، التي تكلف مبلغاً ضخماً، لا يمكن لكثير من مواطني بلاد الحروب توفيره، تشارك حقاً في جعل البحر طريقاً وحيداً لا شريك له. ويبدو أن حالة اليأس العظيم التي وصل إليها الناس، الشباب خصوصاً، في تلك البلاد، وصلت حداً لا يحتمل، فأصبح قرار الموت أو الحياة الكريمة قراراً حاسماً لا رجعة عنه.

الصدمة بالأرقام والحقائق

تشير الأرقام إلى نزوح مليون و8616 شخصاً إلى أوروبا عام 2015. 3771 منهم على الأقل قضوا غرقاً في المتوسط.

البلد الأول المصدر للمهاجرين هو سوريا، إذ يحتل السوريون نحو 49% من مجمل النزوح العام. 21% من أفغانستان، و9% من العراقيين. و25% من النازحين هم من الأطفال دون سن 18. وقد عالجت منظمة أطباء بلا حدود 12 ألفاً و214 مريضاً، ممن يعانون من الصدمات في اليونان وصربيا.

البحر سيد الأخطار

ازمة اللاجئين - الهجرة غير الشرعية الى اوروبا

ثمة اعتقاد سائد بل اتهام حقيقي، أن ليس كل الغارقين في البحر غرقوا بسبب عوامل طبيعية لم يقدر البشر أن يتدخل فيها. تشير الكثير من الشهادات من الناجين إلى أن بعض القوارب تم إغراقها عمداً، أو تجاهلها على الأقل. فيروي هؤلاء الشهود عن مجموعات من اللصوص الملثمين في بحر إيجة، يسرقون اللاجئين أو يرمون أمتعتهم في البحر، كما تحدث آخرون من الناجين إلى جزيرتي ليسبوس وكوس، عن قوارب كبيرة كانت تقترب من قواربهم المطاطية وتثقبها بأرماح طويلة في محاولة لإغراق القوارب المحاولة للعبور. كما روى آخرون رؤيتهم لقوارب تشبه قوارب خفر السواحل اليوناني قربهم من دون أن تنقذهم، والتحقيق في هذا الأمر ما زال مفتوحاً، إلا أن السلطات اليونانية تنكر ذلك الاتهام بشدة.

في شهر مايو، اتخذت منظمة أطباء بلا حدود قراراً بإطلاق عمليات شاملة للبحث والإنقاذ في مياه المتوسط، فقامت خلال ثمانية أشهر بإنقاذ نحو 20 ألفاً ومئتي مهاجر من قلب البحر، كما ساعدت، بالتعاون مع منظمات أخرى، الآلاف ممن تم إنقاذهم على سفن الإنقاذ الأخرى.

شواطئ إيطاليا واليونان: لا بر للأمان

ازمة اللاجئين - الهجرة غير الشرعية

بعد النجاة من البحر، يظن المسافرون أنهم عبروا الجزء الأكبر من الصعاب، فتشهد شواطئ اليونان وإيطاليا انهيارات عاطفية بعد الانتهاء من خوض البحر، ويقبل الناجون بعضهم بعضاً أو يقفزون فرحاً، لكنهم لا يعلمون أن الأمر لم ينته بعد، وأن الشواطئ تلك هي معسكرات الانطلاق فقط، فالاستقبال اليوناني مثلاً، هو من أكثر الاستقبالات إهانة للإنسان، إذ تفتقر اليونان إلى أبسط التجهيزات لاستقبال الوافدين، فيقيمون في خيم قذرة ويفترشون الأرض، بلا فراش ولا أغطية، عدا القذارة وتلوث المياه. وتم منع منظمات العمل الإنساني من سدّ الثغرات، فكانت جزيرة كوس مثلاً تستقبل ما بين 200-500 لاجئ يومياً في شهر أكتوبر 2015، ولا يوجد مرافق استقبال للاجئين، إذ تستمر السلطات المحلية في رفض إنشاء أي مرافق استقبال أو عبور منظمة. فضلاً عن أن إجراءات تسجيل اللاجئين تستغرق كثيراً من الوقت، فيقف اللاجئون تحت المطر لأيام كاملة، منهم نساء حوامل وأطفال، ما أدى إلى ازدياد حالات التهابات الجهاز التنفسي بنسبة 160%.

أما إيطاليا فهي أفضل قليلاً من اليونان، كونها معبراً قديماً للمهاجرين غير الشرعيين، إلا أن نظامها القائم لاستقبال اللاجئين، لا يلائم التدفق الهائل لاستقبال الجدد، فيتم حشر الواصلين في مراكز مكتظة، لا تتوفر فيها الخدمات الأولية لسبل العيش.

الطريق البري نحو الغرب والشمال

ازمة اللاجئين - رجل تحت المطر

مليون و8616 شخصاً نزحوا إلى أوروبا عام 2015. 3771 منهم على الأقل قضوا غرقاً في المتوسط

من أصل 851 ألفاً و319 طالباً ممن وصلوا إلى اليونان عام 2015، انتقلت الغالبية الساحقة إلى دول أوروبا الغربية والشمالية، وتعتبر الطرقات البرية التي سلكها هؤلاء نحو الدول الغربية محفوفة بالمخاطر، بالإضافة إلى الإغلاق الموصوف "بالمزاجي" للحدود في أوقات غير محددة، ما يجعل اللاجئين عالقين أحياناً لأيام عدة. لا يتوفر لهم أي شيء، بانتظار أن تفتح الحدود للعبور إلى الدول الأخرى.

لم يثن ذلك اللاجئين عن خوض الرحلة، أو تخفيف أعداد المتدفقين، فكل ما حصل أن ازدادت رحلتهم خطورة، وأصبحت أكثر مأسوية وأعلى كلفةً. فكلما زادت القيود التي تفرضها الدول الأوروبية، زاد توجه المهاجرين إلى أحضان المهربين.

لا شك أن عام 2015 هو العام الذي يدخل التاريخ على أنه عام الهجرة غير الشرعية و"أزمة اللجوء"، ويبدو أن دول الاتحاد الأوروبي ساهمت فعلاً في تعاظم الأزمة وازدياد مأسويتها. تطالب المنظمات الإنسانية الدول الأوروبية بتأمين معابر آمنة، وخدمات أساسية، لاستقبال لاجئيها، وجداول انتقائية يمكن على أساسها تفريق اللاجئين الحقيقين عن غيرهم، ما يتيح منح اللجوء الحقيقي إلى المحتاجين، بدلاً من إغلاق جميع الطرقات في وجههم ما عدا البحر.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيد عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي