ماذا لو استفاق التونسيون صباحاً ووجدوا البلاد بلا مُفتٍ؟

ماذا لو استفاق التونسيون صباحاً ووجدوا البلاد بلا مُفتٍ؟

ماذا لو استفاق التونسيون صباحاً ووجدوا البلاد بلا مُفتٍ؟ هل تتعطل حياتهم؟ قطعاً لا. إنهم لن يلاحظوا أصلاً غيابه عن المشهد، فهو لم يكن يوماً جزءاً منه، إذ يقتصر حضوره على دقائق معدودة يظهر فيها على شاشة التلفزيون عشية دخول رمضان ليعلن موعد بداية شهر الصوم ويُعاود الظهور بعد شهر معلناً عيد الفطر.

منصب موروث عن النظام الملكي

برغم ذلك، يدير المفتي في تونس ديواناً كاملاً يتبع مؤسسة رئاسة الحكومة، ويُشغّل موظفين وعمالاً، وتُخصص له سنوياً موازنة مالية من دافعي الضرائب. فحتى المواطن غير المسلم، يدفع مالاً، بُطرق غير مباشرة لتغطية نفقات "سماحة الشيخ" وديوانه.

اعلان


ورثت الدولة الحديثة في تونس منصب المفتي عن النظام الملكي الذي كان يحكم البلاد قبل الاستقلال، حتى منتصف خمسينيات القرن الماضي. حينذاك، كان للمفتي نفوذ واسع في مؤسسات الدولة التي كانت تستمد شرعيتها من الإسلام كدين، يوم كانت تابعة للخليفة العثماني في الآستانة.

أقوال جاهزة

شارك غردما الدور الذي يلعبه مفتي الجمهورية في بلد يُعدّ المُصدّر الأول للشباب المتطرف إلى بؤر التوتر العربية

شارك غرداعتراضات كثيرة على وجود منصب المفتي في دولة مدنية مثل تونس

وخلال الاستعمار الفرنسي، حافظ المفتي على سلطته الدينية وخسر كثيراً من نفوذه السياسي. لكن بعد الاستقلال، وتحوّل الدولة نحو "العلمنة الجزئية" على يد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، خسرت كل القوى الدينية، بما فيها المفتي، سلطتها الدينية، وذلك عقب تأميم التعليم والقضاء وانحسار نفوذها الاقتصادي بعد إلغاء الأوقاف. ولكن المفتي حافظ على وجوده الشكلي وبعض الامتيازات المادية.

امتيازات عالية ومهمات شكلية

لا تتوافق الامتيازات المعنوية والمادية التي ترصدها الدولة للمفتي في تونس مع المهمات التي يقوم بها. فالمفتي التونسي يحتل رتبة "كاتب دولة" (وزير دولة)، ويٌخصص له راتب شهري يقدّر بعشرة أضعاف الدخل الأدنى في البلاد ويبلغ 3250 ديناراً (نحو 1600 دولار أميركي) إلى جانب سيارة و500 ليتر من البنزين. كما يُشغّل ديوان الإفتاء عدداً من الموظفين ويخصص له مقرّاً إدارياً في قصر الحكومة في القصبة.

هذه المصاريف لا تتوافق مع المهمات التي حددها القانون لديوان الإفتاء، والتي تبدو شكليةً إلى أبعد الحدود ويمكن لأيّة إدارة صغيرة في وزارة الشؤون الدينية أن تقوم بها.

فوفقاً للقرار الحكومي 107 لسنة 1962، فإن المفتي في تونس هو "مستشار الدولة في شؤون الشريعة وأصول الدين والمراسم الإسلامية، ويضطلع بكل ما يسند إليه من مهمات دينية أخرى". ويلفّ الغموض عبارة "مستشار الدولة في شؤون الشريعة"، فالدولة التونسية، وفقاً للدستور الجديد، دولة مدنية تخضع للقانون الوضعي ولا تقيس قرارتها وقوانينها على الشرائع الدينية.

أما "المهمات الأخرى" التي نص عليها القانون، ومنح من أجلها أموال دافعي الضرائب للمفتي وديوانه، فهي: "تعيين بداية كل شهر قمري، ضبط المقدار السنوي للزكاة، منح شهادات اعتناق الإسلام للراغبين فيها من غير المسلمين، الإجابة عن أسئلة المستفتين، تمثيل الجمهورية التونسية في الملتقيات العلمية والمؤتمرات وفي المجامع الإسلامية الإقليمية والدولية، إبداء الرأي في ما يعرض عليه من كتب مدرسية أو وثائق وبحوث ودراسات ذات العلاقة بالدين الإسلامي".

وغالبية هذه المهمات وقتية وموسمية وبعضها غير مفعّل. كما أنها لا تستحق إنشاء ديوان كامل بكل ما يحتاجه من جهاز إداري وموارد مالية وبشرية.

هل من داع لوجود مفتٍ في دولة مدنية؟

وبرغم أن الدستور التونسي ينفي في فصله الأول ضمنياً صفة "العلمانية" عن الدولة إذ يؤكد أن "تونس دولة حرّة مستقلة الإسلام دينها"، إلا أنه يعود ويؤكد مدنيّتها، أي عدم خضوعها لأيّة مرجعيات دينية، في فصله الثاني غير القابل للتعديل، والذي يقول إن "تونس دولة مدنية تقوم على إرادة الشعب وعلوية القانون".

من هذا المنطلق، توجد العديد من المآخذ على وجود منصب" المفتي" في البلاد وبدرجة أقل على وجود وزارة تُعنى بالشأن الديني.

لا يرى المؤرخ التونسي، عادل اللطيفي، أن البلاد بحاجة إلى إفتاء ممركز لسببين على الأقل، "أولاً، لأن مفهوم الإفتاء يتعارض مع العلاقة المباشرة بين المؤمن ودينه وهي من مميزات الإسلام مقارنة بالمسيحية. فالإفتاء مبني على استثناء فئة معينة تحتكر حق تأويل النص والمقدس. وهذا ما حصل في التاريخ عندما احتكرت هذه الفئة حق تأويل المقدس وكونت بذلك رأس مال رمزي جلب لها نوعاً من الوجاهة التي استعملت لأغراض سياسية أحياناً. ثم ثانياً، ونتيجة لهذا الانفراد بالتأويل، بدأت عملية مأسسة غير مُعلنة للدين كان عنوانها الفتوى".

ويضيف اللطيفي: "أما اليوم، فنحن في دولة مدنية ولا أرى موجباً لخطة المفتي ومؤسسات وإدارة وامتيازات فقط لرؤية هلال العيد مرتين في السنة". ويطالب بـ"إلحاق وظائف المفتي بإدارة للشؤون الدينية تشرف عليها كنشاط اجتماعي في إطار مواطني".

ومع ذلك، لا يرى اللطيفي تعارضاً بين ما أقره الدستور من مدنية الدولة ووجود إدارة رسمية لتنظيم الشأن الديني. يقول: "كل المشكلة تتوقف على المحتوى الذي نعطيه للشأن الديني. إذا اعتبرنا الدين هنا في بعده المعياري الفقهي، فبطبيعة الحال ستدخل هذه المؤسسة في تعارض مع قوانين الدولة. وهذا ما تعيشه مصر منذ أن ثبتت في دستورها الشريعة مرجعية للتشريع. أما إذا اتفقنا على أن الشأن الديني هنا يقصد به أساس النشاط التعبّدي وما يرتبط به فلا مشكلة في ذلك. فالمهم أن تحافظ الدولة على نمط تسيير عقلاني مُعلمن".

إلى جانب ما تتكلفه ميزانية الدولة على ديوان الإفتاء في تونس اليوم، وإلى جانب ما تطرحه هذه الوظيفة من جدل في دولة مدنية ذات دستور وضعي وتقدمي إلى أبعد الحدود، إلى جانب كل هذا، لا يكاد المفتي يقدّم عملياً أيّة إضافة على مستوى إصلاح الخطاب الديني، لجهة ما يسببه هذا الخطاب اليوم من مشاكل في بلد يعد المُصدّر الأول للشباب المتطرف إلى بؤر التوتر العربية في سوريا والعراق وليبيا.

كذلك الحال بالنسبة لقضايا الفتاوى التي يستقيها المواطن التونسي، في أغلب الأحيان، من القنوات الدينية ومواقع الإنترنت وتطبيقات الهواتف دون عناء سؤال المفتي الذي لا يستطيع منافسة "الدعاة النجوم" على الفضائيات، وخاصة شيوخ السلفية في مصر والسعودية.

أحمد نظيف

صحافي تونسي يهتم بشؤون الجماعات الدينية والأقليات، مؤلف كتاب "بنادق سائحة: تونسيون في شبكة الجهاد العالمي". يحمل إجازة في الإعلام وإجازة في الإخراج.

كلمات مفتاحية
الإسلام تونس

التعليقات

المقال التالي