الحشرات طعام المستقبل؟

الحشرات طعام المستقبل؟

نمل مشوي أو عنكبوت مقلي أو حتى دودة حيّة. قد يقزز مجرد ذكر هذه الحشرات الكثير من الأشخاص، إلا أن هذه الحشرات تُشكّل الطبق الأساسي بامتياز للعديد من الشعوب. فأكثر من مليوني شخص، بحسب منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة FAO، يأكلون الحشرات يومياً، إذ يعتبر النمل الأحمر المشوي طعاماً شهياً في المكسيك، ويُعدّ طبق ديدان موبان المقلية من المأكولات المألوفة في جنوب أفريقيا وديدان جوز الهند الحية تُشكّل أطيب المأكولات في بعض مناطق فيتنام.

أطباق اعتادها كثيرون في مختلف أنحاء العالم، إلا أن ممارسة أكل الحشرات التي تعرف بالإنجليزية بـEntomophagy ما زالت عادة غريبة، برغم ازدياد اهتمام الطباخين ورواد العمال والمنظمات العالمية بالحشرات، التي قد تُشكّل طعام المستقبل، أو قد تساهم في الأمن الغذائي.

فنجد في بلجيكا مثلاً شركة"جرين كاو" Green Kow التي تقدّم منتجات تحتوي على يرقات الخنفساء mealworms لتوزيعها في المتاجر العادية، وطعمها كطعم الجزر أو الطماطم أو حتى الشوكولا. وتقدّم الشركة الناشئة "إيت إنتو" Eat Ento في المملكة المتحدة، هريسة من الدود أو الكركيت في مهرجانات الطعام، حتى أنها فتحت مطعماً متخصصاً بمطبخ الحشرات. واللائحة طويلة كالطحين المصنوع من الكريكيت أو الفلافل من الدود. كما توجد منظمة غير ربحية "ذي نورديك فود لاب" تُعنى بدراسة مطبخ الحشرات، وتتخذ من الدنمارك مقراً لها. وانخرطت منظمة الفاو الدولية أيضاً بجدية في مطبخ الحشرات، من خلال الدراسات، والفعاليات مع تنظيم أول مؤتمر بعنوان "الحشرات لتغذية العالم" في مايو 2014.

أقوال جاهزة

شارك غردالحشرات هي الحل لمشكلة الطعام التي بدأت تُهدد البشرية، ولتوفير الأمن الغذائي

شارك غردهل ينجح الخبراء في قلب أذواق ملايين الناس وحثهم على تخطي اشمئزازهم لتصبح الحشرات جزءاً من أطباقهم اليومية؟

ولكن، من يأكل الحشرات عادةً؟

أكل الحشرات entomophagy ليس فكرة جديدة، بل هو رافق تطوّر الإنسان الذي لا شك أنه وجد في الحشرات إلى جانب النباتات، طعاماً جديداً. وبعد العديد من السنوات، كان الرومان واليونانيون يأكلون يرقات الخنفساء والجراد على العشاء، حتى أن الفيلسوف والعالم اليوناني أرسطو كتب عن جمع الزيز الشهيّ.

وفي سفر اللاويين من العهد القديم (11:22)، ذُكر أيضاً الطعام الممنوع والمسموح. فيبدو أن أكل الأرانب والخنازير والبجع والفئران والسلاحف وحيوانات ابن عرس، كان محرماً خلافاً للجراد الصحراوي Bald locust والخنفساء Beetle والجندب Grasshopper.

واعتُبر الجراد الصحراوي مصدراً مغذيّاً في الجزائر القديمة، حيث كانت تجمع الآلاف منها وتُغلى بالماء المالحة وتجفّف تحت الشمس، في حين أن سكان أستراليا الأصليين كانوا يعدون الأطباق من العث Moth، هؤلاء ما زالوا حتى اليوم من آكلي الحشرات كنمل العسل Honey pot ant واليرقات Witchetty grubs.

وعلى الرغم من أن الحشرات شكلت مصدر أكل للناس طوال عشرات آلاف السنين في كل أنحاء الأرض، فلم تصبح يوماً شائعة في الدول المتطورة، بل فقط في العديد من المناطق الناشئة في أميركا الوسطى والجنوبية وأفريقيا وآسيا. ففي تايلاند وفيتنام وكامبوديا والصين وأفريقيا والمكسيك وكولومبيا وغينيا الجديدة، على سبيل الذكر لا الحصر، يتناول السكان الحشرات لقيمتها الغذائية وطعمها على حدّ سواء.

وتساءل كثيرون عن الأسباب التي حالت دون تطوّر هذه العادة في الدول المتطورة، إلا أن الأسباب ما زالت مجهولة. ولكن، لربما جعل انتشار الزراعة، خصوصاً تدجين المواشي، الحشرات والنباتات والحيوانات الأليفة مصدر طعام أقل أهمية.

وبحسب منظمة الفاو، تضم لائحة الحشرات الصالحة للأكل 1900 نوع. ولعل أكثر الحشرات والعناكب شعبية في العالم هي: الكريكت، النمل، الجندب، وباقة متنوعة من الدود مثل دود موبان ودود القز ودود الشمع، إضافة الى العقارب والعنكبوت الذئبي Tarantulas.

فوائد متعددة…

الحشرات طعام الإنسان - الفيم الغذائية

بغض النظر عمن يأكل الحشرات أم لا، اتّفق الخبراء والعلماء على أنّ هذه الكائنات الصغيرة تحمل في أكلها العديد من الفوائد الغذائية والاجتماعية والبيئية.

وإذا نظرنا الى هذه الفوائد، نجد أنّ الحشرات مغذية جداً وهي بمعظمها تحتوي على نسبة عالية من البروتين ومنخفضة من الكربوهيدرات. وقد تختلف الفوائد استناداً الى مراحل حياتها والنظام الغذائي. إلا أنّ الأكيد، بحسب منظمة الفاو، هو أنّها توفر بروتين عالي الجودة وعناصر مغذية على غرار اللحوم والأسماك. فعلى سبيل المثال، نجد في الجنادب القدر نفسه من البروتين الموجود في لحم البقر المفروم، مع نسبة أقل من الدهون، بينما تكون وجبة الديدان أو اليرقات (Mealworms) بديلاً عن الأسماك. كما أنّها غنية بالألياف والمغذيات الدقيقة Micronutrients مثل النحاس والحديد والمغنيسيوم والمنغنيز، والفوسفور والسيلينيوم والزنك. من دون أن ننسى أن الحشرات تشكّل مخاطر منخفضة لانتقال الأمراض الحيوانية المنشأ Zoonotic diseases كإنفلونزا الطيور أو جنون البقر.

أما الفوائد البيئية لأكل الحشرات، فهي أيضاً كثيرة. فتبعث الحشرات معدلات انبعاثات غازات الدفئية (المسبّبة للاحتباس الحراري) أقل من الماشية التقليدية. مثلاً تنتج الخنازير 10-100 مرة أكثر غازات دفيئة لكل كيلوغرام من وزن اليرقات. أيضاً يمكن تحويل علف الحشرات من النفايات البيولوجية، كالمواد الغذائية والفضلات البشرية، والسماد والطين الحيواني إلى بروتين عالي الجودة، الذي يجوز استخدامه كعلف للحيوانات. كما تستخدم الحشرات كمية مياه أقل بكثير من الماشية التقليدية وبعضها مقاوم للجفاف.

ومن الفوائد الاجتماعية، نجد أن جمع الحشرات وتربيتها قد توفر استراتيجيات مختلفة لتنويع موارد العيش. فيمكن جمعها مباشرة وبسهولة في البرية، مع الحد الأدنى من الإنفاق التقني والأموال. لذلك، تستطيع المجتمعات الأكثر فقراً، كالأفراد الذين لا يملكون أراضي مثلاً في المناطق الحضرية والريفية، جمعها والاستفادة منها. والاهتمام المتزايد بأكل الحشرات يوفر فرص جديدة لتطوير ريادة الأعمال في الاقتصاديات المتطورة والانتقالية وفي طور النمو. عدا أنه لا هدر مع الحشرات إذ إن معظمها يمكن أكلها بأكملها أو حتى معالجتها لصناعة مختلف المأكولات.

مستقبل واعدٌ إذاً؟

خصوصاً أنه بحلول العام 2050، سيرتفع الطلب في الدول المنخفضة أو المتوسطة الدخل، على المنتجات الحيوانية بشكل كبير، مع نمو الاقتصاديات والدخل. لذلك، لا بد لنا من إيجاد سبل جديدة لإنتاج ما يكفي من البروتين لملايين الأشخاص، ونظامنا الغذائي والاقتصادي اليوم لا يخوّلنا تلبية طلب الجميع.معروف أن تربية المواشي العالمية تُكبّد البيئة خسائر فادحة، من تلويث التربة والمياه أو انبعاثات غازات الدفيئة، لا سيما أنها تبعث غازات أكثر من الطائرات والقطارات والسيارات مجموعة. وبالتالي، يعتبر العديد من الخبراء أن الحشرات هي الحل لمشكلة الطعام التي بدأت تُهدد البشرية، ولتوفير الأمن الغذائي، خصوصاً في أكثر الدول فقراً، والحد من سوء التغذية، الذي يقتل نحو 3 ملايين طفل سنوياً. ويعزى نجاح اللجوء الى أكل الحشرات في أنها في كل مكان وتتكاثر وتنمو بسرعة، وتأثيرها على البيئة منخفض جداً، في حين أنّ فوائدها الغذائية كبيرة، وأنها قد تُشكل علفاً للحيوانات الأخرى أيضاً.في العديد من الدول، أكل الحشرات ليس المستقبل، بل الحاضر وفي قلب ثقافتها وتقاليدها. إلا أن قطاع الحشرات الصالحة للأكل ما زال يخطو أولى خطواته في العديد من الدول الأخرى، ومن الصعب توقّع نجاحه أم لا. فهل سينجح الخبراء في قلب أذواق ملايين الأشخاص وحثّهم على تخطي اشمئزازهم لتصبح الحشرات جزءاً من أطباقهم اليومية؟ هل ينجحون أيضاً في تعديل القوانين لتسهيل بناء مزارع الحشرات وتربتيها وصناعتها في الدول المتطورة تحدياً؟ يصعب الجواب، لكن كل المدافعين عن أكل الحشرات يعتبرون أن هذه العادة ليست في تقديم كمية معينة من البروتين يومياً فحسب، بل في الحرص على أن كل شخص على الأرض لديه القدرة على النفاذ إلى طعام صحي متنوع، وصديق للبيئة ولذيذ أيضاً. والأكيد أن الحشرات لن تغير شكلها أو تصبح أكثر جاذبية، بل إن حلّ الاستدامة بين أيدينا نحن البشر. وقد بدأ المشوار مع تضاعف الاهتمام بأكل الحشرات وجعل التكنولوجيا والروح الريادية في خدمة أكل الحشرات على غرار مشروع لصناعة "مزرعة منزلية" لتربية الحشرات في مطبخك! فهل أنت مستعدّ؟

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

كلمات مفتاحية
الطعام العالم

التعليقات

المقال التالي