أخصوا أصحاب "البشرة الداكنة"!

أخصوا أصحاب "البشرة الداكنة"!

ليلة رأس السنة 2016، كانت اللحظة الفاصلة بين موجة احتضان اللاجئين من العالم الغربي، والتحسّر على صورة إيلان الكردي، وبين الذعر من "ثقافة الاغتصاب الإسلامية" الذي تفشى كالوباء في مختلف العواصم الأوروبية مع مرور الساعات. الوسائل الإعلامية العالمية هي المسؤولة عن إيقاع الجمهور في حب الطفل العربي، ثم في احتكار ثقافته ودينه، تماماً كما صوّرتها في رسمةٍ ساخرة الصحيفة الهزلية شارلي إبدو في نسختها الأخيرة.

فلو كانت كل تلك الوسائل الإعلامية محايدة كما تنص أخلاقيات الإعلام، لكانت برهنت أن ثقافة الاغتصاب تلك ليست مستوردة من من مناطق أصحاب "البشرة الداكنة" في النهاية كما تزعم الغالبية، والأرقام تدل على ذلك.

بالعودة إلى 15 ديسمبر، اتصلنا بمواطنة في مدينة ميونيخ تدعى أستريد ب.، لتخبرنا عن الصورة العامة في منطقتها، وعن الأخبار التي تحدث بلبلة هناك، ويترأسها خبر أن الحكومة الألمانية ترسل مومسات للاجئين في منطقة سولن بالتحديد، بهدف إشباع رغباتهم الجنسية، وإبعادهم عن فتيات البلد. احتكاك الثقافة الألمانية بأكثر من مليون طالب للجوء، 70% منهم شبان عازبون تراوح أعمارهم بين 25 و35 عاماً، لم يكن سهلاً، بل خلق حالة من الذعر من أصحاب البشرة الداكنة. هكذا تناولت صحف عدة موضوع التحرش الجنسي الذي يحصل داخل مراكز اللاجئين في ألمانيا، ونشرت حتى أفكار بعض الشبان الذين ينظرون إلى المرأة غير المرافقة بـ"اللعبة العادلة".

أقوال جاهزة

شارك غردثقافة الاغتصاب ليست مستوردة من مناطق أصحاب "البشرة الداكنة"، والأرقام تدل على ذلك

شارك غردالوسائل الإعلامية هي المسؤولة عن الذعر من "ثقافة الاغتصاب الإسلامية" الذي تفشى كالوباء في مختلف العواصم الأوروبية

منظمات اجتماعية عدة أيضاً حاولت التبليغ عن حالات تحرش واغتصاب واتجار بالجنس بالقوة في بعض مراكز اللاجئين، متهمةً الشرطة الألمانية والسلطات بمحاولة طمس تلك الحقائق. أخبرتنا أستريد أيضاً عن الحالة الاستفزازية التي عاشها المواطنون في ميونيخ خلال فترة احتفالات الـOktoberfest الأخيرة، أو مهرجان البيرة الشهير الذي يقام في بافاريا منذ العام 1810. في هذا المهرجان يرتدي المحليون أزياء بافارية تقليدية، والفتيات يلبسن الـDirndl أو الفستان المشبك على شكل كورسيه على الصدر، ما يدفعه إلى الأعلى ليخرج بالكامل تقريباً من القميص الأبيض. مشهدٌ أثار شباناً "داكني" البشرة، ودفعهم إلى ملاحقة الفتيات في الزي التقليدي، لينالوا قسماً من "الكعكة"، إن كان عن طريق التحديق بطريقة منحرفة، أو حتى لمس الفتاة رغماً عن إرادتها. كما أفصحت أستريد عن "سر الحكومة الألمانية الكبير"، على حدً قولها، ومفاده أن الحكومة تعمل على إرسال مومسات إلى بعض مراكز اللاجئين، لتحد من المواجهة الجنسية الدقيقة التي تحصل بينهم وبين المحليين، لعلها تطفئ اللهيب والكبت الجنسيين حول الملاجئ.

انتشر الخبر بسرعة في ضواحي ميونيخ، ومحوره أنه بالفعل يجري تسهيل دخول المومسات من أوروبا الشرقية نحو ألمانيا، ليتم إرسالهن أسبوعياً إلى بعض مراكز اللاجئين من جنسيات مختلفة، ظناً من النافذين أن ذلك سيهدئ قلق الجميع، تماماً كما اقترح القسيس البافاري Ulrich Wagner في جلسة نقاش لحزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي في مارس 2015، كحلٍ للتستوستيرون العربي في ألمانيا. وسرعان ما استخدمت الوسائل الإعلامية حوادث الاعتداءات المماثلة، خصوصاً حادثة كولون ليلة رأس السنة، كذريعة لتشن حملة هستيرية عنصرية ضد الملايين من اللاجئين والمسلمين داخل ألمانيا وخارجها.

بدأ تسلسل الأخبار بحكاية الألف شخص من ذوي "البشرة الداكنة"، الذين يتراشقون المفرقعات أمام محطة القطارات في كولون بوجود نحو 200 شرطي. ثم نامت القصة لتستيقظ بعد بضعة أيام على المئات من الشكاوى عن حالات تحرش جنسي بالفتيات الألمانيات في محطة القطارات، ونشل وغيرها. صبت الوسائل الإعلامية من جميع أنحاء العالم اهتمامها على خبر كولونيا. ومع تصاعد وتيرة الأخبار، ارتفعت نسبة العنصرية بشكلٍ خيالي ضد اللاجئين، وضد المواطنين من أصولٍ عربية، وكبرت كرة الثلج المتدحرجة لتدوس في طريقها ميزة الإنسانية والوعي الاجتماعي. وفتحت الساحة لقصص الانتقام العشوائي من "الأجانب" المارين على الطرقات، لعل شرف الفتيات الألمانيات يعود لمكانته السابقة.

هل يعرف هؤلاء الأبطال الألمان الساعون إلى حماية البتولية الاجتماعية لفتيات البلد، ما هو وضع المرأة السائد في بلدهم؟

فقد ورد في تقريرٍ نشرته مؤسسة Terre des Femmes عن العنف الجنسي في ألمانيا:

  • أن كل امرأة تقريباً متأثرة بطريقةٍ ما من العنف الجنسي.
  • 13% من النساء القاطنات في ألمانيا عشن العنف الجنسي على أشكاله، من التحرش إلى الاغتصاب، منذ عمر الـ16.
  • امرأة من 7 خضعت لحالة جدية من العنف الجنسي خلال مرحلة ما من حياتها.
  • 160000 هو عدد حالات الاغتصاب سنوياً.
  • 8% فقط من النساء اللواتي عشن حالة عنف وتحرش جنسي يلجأن للشرطة. نسبة ليست صادمة في بلدٍ يواجه مشكلة عميقة مع الاعتراف بالاغتصاب.

هل كنتم تعرفون أن قانون العقوبات الألماني لا يتبع اتفاقية اسطنبول التي من شأنها حماية المرأة ضد العنف؟ على الأرجح لا، لأنه لا يعتبر سبقاً صحفياً بكل بساطة، ولأنه لا يخدم المجتمع الذكوري في ألمانيا. كما أن امرأة من 2 تخضع لتحرش جنسي في مجال عملها، وفق دراسة صادرة عن Anti - discrimination Agency. هل امتلأت الساحات بالعضلات المفتولة انتقاماً من ثقافة التحرش الجنسي في المكاتب الألمانية؟

هل يعرف هؤلاء الأبطال الساعون إلى حماية البتولية الاجتماعية لفتيات البلد، ما هو وضع المرأة السائد في بلدهم؟

لنعود إلى الحالة الاستفزازية التي عاشها المواطنون الألمان جراء حالات التحرش التي شهدها مهرجان البيرة. في الواقع إن حالات التحرش تزداد عاماً بعد عام، ففي 2012 ارتفعت نسبة التحرش 40% من العام الذي سبقه، إذ تم معالجة نحو 90 امرأة خلال أسبوعين فقط، ومنها حالات فتيات تم دس مواد مخدرة في مشروبهن، وحالة اغتصاب. أمرٌ يتكرر كل عام، مع الملايين من السياح الذين يقصدون ميونيخ للتمتع بالبيرة الوطنية، وسرقة بعض القبلات السكرى. هل أحدثت تلك الأرقام بلبلة في المجتمع الألماني، أم التحرش الجنسي من بشرة فاتحة اللون يُنظر إليها بطريقة مختلفة عن غيرها؟ أخيراً وليس آخراً، نقف عند يناير وسبتمبر 2015، ونقرأ تقريراً صدر عن نسبة الجرائم في ألمانيا وخرج بنتيجة واضحة: اللاجئون لم يزيدوا من نسبة الجرائم. وضمن الجرائم التي وقعت أقل من 1% هي من طبيعة جنسية. إن معظم اللاجئين قصدوا ألمانيا بحثاً عن الأمان والسلام.

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

كلمات مفتاحية
العنصرية اللاجئون

التعليقات

المقال التالي