متى يرجع رجل الدين إلى دور العبادة ويترك العلم لأهله؟

متى يرجع رجل الدين إلى دور العبادة ويترك العلم لأهله؟
في ربيع 2008 حضرت لقاء ضمن فعاليات حملة قومية لتعديل قانون الطفل المصري (القانون الرقم 12 لسنة 1996) في فندق براميزا في الدقي. وقد جمع اللقاء المهتمين بتعديل القانون من ممثلين للحكومة ونواب للبرلمان، ونشطاء حقوقيين وممثلين عن المجتمع المدني، الذين كنت أنا في عدادهم.

جاء دوري ووقفت لأتحدث عن ضرورة تجريم ختان الإناث كأحد أهم البنود المطلوب إدخالها إلى القانون الجديد، وحاولت أن أوضح أضراره الكارثية على الصحة الجنسية والنفسية للمرأة، وعلى علاقة الفتاة بزوج المستقبل. ولمن لا يعرف كثيراً عن ختان الإناث فهو ممارسة منتشرة في دول عديدة، أهمها دول حوض النيل مثل مصر والسودان وأثيوبيا والصومال. وهو بتر جزء من العضو الجنسي الأنثوي بغرض كبح جماح شهوة المرأة، لحمايتها من أن تنزلق إلى ممارسة الجنس خارج إطار الزواج، هذا ما يقوله المدافعون عن الختان. وللختان أربع درجات تتدرج بحسب حجم الجزء المبتور.

والحقيقة أن قطع جزء من العضو التناسلي أو كله خصوصاً البظر، يحد من قدرة المرأة على الوصول إلى الإشباع الجنسي. فهو عضو حساس جداً يضم آلاف النهايات العصبية، وله عند المرأة وظيفة فسيولوجية شبيهة بالقضيب عند الرجل. هو مسؤول إلى درجة كبيرة عن الوصول إلى الأورجازم Orgasm أو النشوة.
علماً أن الختان غالباً ما يخلّف ندبات والتهابات في منطقة المهبل تجعل في بعض الأحيان من الجنس عملية منفرة ومؤلمة وغير مرغوبة. وتقلل هذه الندبات من مرونة الأنسجة المحيطة بفتحة المهبل، ما يجعل عملية الولادة أصعب وأخطر وأكثر ألماً. كما أن بتر أو قطع جزء من المشفرين الصغيرين أو الكبيرين، وهذه كلها تحمي المهبل، يجعل المهبل أكثر عرضة للإصابة بالميكروبات المختلفة. فضلاً عن الصدمة النفسية، التي تتعرض لها الأنثى، لترتبط ذكرى الدم والألم بذكرى الجنس في عقلها الباطن مدى الحياة. هذه بعض أضرار الختان وليس كلها!
أقوال جاهزة

شارك غردلو تعارض حديث ديني ما مع العلم، لمن نستمع، للعلم أو للدين؟

شارك غردختان الإناث ودرس في وجوب فصل الدين عن الدولة

وبينما كنت أشرح الأمر من منظور علمي وطبي بحت من دون أن أتطرق لكلمة واحدة تتعلق بالدين من قريب أو بعيد، قاطعني أحد الحضور قائلاً: يا أستاذ ماهر إن ما تقوله ضد الدين! وفوراً تم الحجر على رأيي العلمي، فمن أنا لأعارض الدين؟ وللأمانة هو ليس رأيي الشخصي، هو رأي العلم في هذه العادة البغيضة وأنا كنت أنقله.
وكان من قاطعني نائباً في مجلس الشعب (2005 - 2010) عن دائرة مدينة نصر، وعضواً في جماعة الإخوان المسلمين. سألته: "ولماذا كلامي ضد الدين يا سيادة النائب؟" فقال هناك حديث يقول: "إذا خفضت فاشمي ولا تنهكي فإنه أنضر للوجه وأحظى عند الزوج". وبحسب الرواية، فإن الحديث كان موجهاً إلى امرأة اسمها أم عطية، وعملها إجراء عملية ختان الإناث (داية)، والمقصود به أن تقطع جزءاً صغيراً من العضو التناسلي للمرأة وليس جزءاً كبيراً.
وهنا تطور النقاش إلى أمر بعيد كل البعد عن الطب والصحة النفسية، والقانون وحقوق المرأة إذ فجأة انقسم الحضور نصفين. النصف الأول يرى أن المقصود بالحديث هو إقرار شرعية الممارسة ووجوبها دينياً، فلو كان المقصود تحريم الختان لأمر الحديث بذلك صراحة. بينما رأى النصف الثاني أن المقصود بالحديث هو المنع التدريجي للممارسة، كما حدث في موضوع الخمر. وبينما يتجادل الحضور بقوة حول معنى الحديث، جلست أنا على مقعدي، إذ لم أجد لنفسي مكاناً في هذا الحوار، كان ذهني شارداً في أمر مختلف تماماً عن معنى الحديث.
كنت أسأل نفسي: "كيف نقرّ قانوناً يحدد إذا كنا سنُخضع بناتنا لهذه الجريمة البشعة أم لا، بناءً على تفسير حديث، متجاهلين العلم، في شأن طبي بحت. بعد أن أكد العلم بما لا يدع أي مجال للشك أن للختان أضراراً جسدية ونفسية بالغة! حديث ربما يفهمه كل واحد منا بشكل مختلف، وربما هو حديث ضعيف وربما نُقل بالخطأ، الله أعلم.
ولكن ربما يرد أحدهم ويقول إن الدين أعلم من العلم، وبالتالي لو تعارض حديث ما مع العلم، فعلينا أن نستمع للدين ونتجاهل العلم. ولكن أليس هذا منطق الشيوخ الذين ما زالوا يدعون مريديهم لشرب بول الإبل للتعافي من الأمراض تطبيقاً للحديث الذي جاء فيه أن قوماً جاءوا إلى المدينة النبوية ومرضوا، فأشار عليهم النبي بالشرب من ألبان الإبل وأبوالها، فصحوا وسمنوا، ثم ارتدوا وقتلوا الراعي؟ فهل تقبل أن تشرب فضلات الإبل لتتعافى من فيروس الكبد الوبائي لو أصابك؟ وهل تعلم أن منظمة الصحة العالمية حذرت من شرب بول الإبل لأن ذلك يؤدي إلى الأصابة بفيروس الكورونا الخطير، بعد أن ارتفع عدد حالات الإصابة به إلى 1024 مصاباً فضلاً عن 450 توفوا بسببه في السعودية وحدها!
عدا أن الدين وفهمنا له ليسا بثابتين كما تتخيل. فماذا لو حضرت خطبة الجمعة المقبلة لتجد شيخ الجامع يعظك عن كيفية شراء الإماء والعبيد، ويعلمك أن استعباد النساء والرجال أمر طيب ومشروع، فهل تقبل هذا الكلام؟ معظمنا ينفر من مجرد التفكير في شرعية عبودية إنسان لإنسان آخر. ولكن الحقيقة أن دولة مثل السعودية لم تجرم تجارة الرقيق إلا بعد ضغوط شديدة من الأمم المتحدة في ستينيات القرن الماضي، أي منذ نحو ستة عقود. فهل فجأة أصبحت العبودية حراماً بعد أن مارسها الناس باسم الدين قروناً؟ الحقيقة لا، فالنصوص لم تتغير ولكن وعينا البشري هو الذي تغير. كل وقت وله أذانه كما نقول بالعامية المصرية، وما كان مقبولاً من ألف سنة ليس مقبولاً الآن، وما كان شائعاً من قرن مضى ليس بالضرورة مقنعاً اليوم.
ظل الأزهر لقرون طويلة يعظ المسلمين ويعلمهم أن الختان مكرمة للمرأة. ولكنه سنة 2006 أفتى بالعكس بعد أن أوضحت منظمة الصحة العالمية أضرار الختان، وحينذاك قال إن ختان الإناث عادة وليس عبادة بل وحرمه أيضاً. وهنا علينا أن نسأل كيف يكون أمراً حلالاً بل محبباً ثم بعد 5 أو 10 سنوات يصبح حراماً؟ فهل تغير الإسلام أم تغير فهم رجال الدين للإسلام؟ وهل تغير الإسلام، أم تغير وعي المسلمين؟
والسؤال الأهم هنا هو، لماذا يفتي أهل الدين في العلم من الأصل؟ ألم يكن من الأفضل منذ البداية أن يقول الأزهر إن هذا شأن علمي يقرره الأطباء بدلاً من أن يفتوا بتحليله شرعاً باعتباره سنة، ثم يفتوا بحرمانه بعد أن يقنعهم أهل العلم بأضراره. وترى كم من أمور أخرى في حياتنا محللة ستصير حراماً، أو محرمة ستصير حلالاً بعد 10 أو 20 سنة؟
فأوروبا التي نقف طوابير أمام سفاراتها حتى نحظى بتأشيرة تنقلنا إلى العالم الحر الحديث لننعم بحياة أفضل، هذه القارة العجوز، لم تصبح عظيمة هكذا، إلا حين انحسر سلطان بابا الكنيسة الكاثوليكية من أوروبا كلها إلى ميل واحد مربع هو مساحة دولة الفاتيكان. في الغرب الذي نأمل أن نلحقه يوماً، لا نجد رجال دين على شاشات الإعلام يناقشون أمور الطب والسياسة على غرار ما نراه في عالمنا العربي. فإذا كنا نريد أن نلتحق بالحداثة، فعلينا بالعلاج نفسه الذي اتبعه من سبقونا، وهو أن يرجع رجل الدين إلى دور العبادة، ويترك جدالات العلم والسياسة إلى أهليهما، فهم أعلم بشؤون دنياهم.
ماهر جبره

كاتب ومتكلم حر، متخصص في الشئون العربية. له مقالات في العديد من المواقع العربية والأمريكية. حاصل علي ماجستير علم النفس المجتمعي من جامعة "بوسطن كوليدج" بالولايات المتحدة. زميل الفولبرايت وزميل برنامج الديموقراطية لمعهد شئون العالم بالعاصمة الأمريكية واشنطن.

التعليقات

المقال التالي