حرافيش نجيب محفوظ: "شلة" النكتة والفكرة والسهرة الحلوة

حرافيش نجيب محفوظ: "شلة" النكتة والفكرة والسهرة الحلوة

بين أزقة وممرات ضيقة في "الجمالية"، ذلك الحي الشرقي الأصيل، تصادفك المقاهي الشعبية، التي حفظت الكثير من ذكريات فرسان الأدب والفن في القرن الماضي. فتمنحك التفاصيل الجذابة البسيطة شيئاً مختلفاً من أثر الحرافيش، تلك الشلة التي ضمت الأديب العالمي نجيب محفوظ، والفنان أحمد مظهر، والسينمائي توفيق صالح وعادل كامل، والأديب عادل عفيفي وبهجت عثمان وصبري شبانة، ابن عم الفنان عبد الحليم حافظ، والإذاعي إيهاب الأزهري، والأعضاء غير الدائمين، كما يسميهم نجيب محفوظ، مثل صلاح جاهين ومصطفى محمود، ولويس عوض، وأحمد بهاء الدين، وثروت أباظة.

وفي ما خلفه الحرافيش من تاريخ حافل بليالي الأنس، التي يمتزج فيها الطرب بالتضرع، العقيدة بالفكر، التدين بالتمرد، ستجد الطبيعة المصرية ولقاءات خلّدت المقاهي التي جلس فيها حرافيش نجيب محفوظ.

اعلان


اجتماع الدائرة المشؤومة

شهدت قهوة قشتمر أول جلسة للحرافيش، الذين كان يطلق عليهم "اجتماع الدائرة المشؤومة"، ولبثوا زاهدين في الحياة، متقشفين يمارسون حياة الحرافيش، قبل أن ينتشر لقبهم هذا. فجاء اللقب تأكيدًا لما هو واقع فعلاً، ما دفع الفنان أحمد مظهر إلى أن يطلق عليهم ذلك اللقب، حين كانوا مجتمعين في إحدى جلساتهم على المقهى، يتناقشون في كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريس" للأديب المصري مصطفى لطفي المنفلوطي. وقد صادفهم أن المنفلوطي ذكر في كتابه أن هناك مقاهي في باريس مخصصة للصفوة وعلية القوم، وأخرى مخصصة للمهمشين والبسطاء والحرافيش.

أقوال جاهزة

شارك غردحرافيش نجيب محفوظ

شارك غردفي المقاهي، كان يجتمع نجيب محفوظ وحرافيشه، يتسامرون حتى يملأوا الليل بأحاديثهم...

بدَّل الحرافيش مكان جلستهم أكثر من مرة، فانتقل المجلس الجديد من مقهى قشتمر إلى مقهى "إيزيس"، إذ رأوا أن ذلك المقهى ملاذ لهم كحرافيش يقصدون البساطة والزهد والتقشف والصعلكة. وبعد فترة انتقلوا مرة أخرى إلى مقهى "عرابي"، وهو من المقاهي التي قصدت شلة الحرافيش في السابق عدم ارتياده، لأنه كان من المقاهي المخصصة لباشاوات العباسية، ما يناقض توجهاتهم ومبادئهم. لكن الجلوس في مقهى عرابي لم يطل، فسرعان ما جرى تصحيح المسار وعادت الشلة إلى عادتها القديمة.

كان مقهى "زقاق المدق" و"الفيشاوي" قِبلتي الحرافيش حين يقصدون الحسين في زيارتهم المتكررة لأحياء مصر القديمة وآثارها الإسلامية، وظلوا يتنقلون بين المقهيين إلى أن استأثر الأخير بهم. يقول نجيب محفوظ في حوار تلفزيوني: "في رحلتنا للحسين كنا نجلس إما في زقاق المدق أو الفيشاوي، وعندما عرفت قهوة الفيشاوي أحببتها جداً، أما "علي بابا، فهي قهوتي الخاصة التي أذهب إليها في الصباح الباكر، لأنها القهوة الوحيدة التي تفتح 24 ساعة". ويضيف: "القهوة مهمة جداً في حياتنا الأولى، لأننا كنا كثيرين، كنا فريقين يلاعبان بعضهم بعضاً".

هكذا يجمتع نجيب محفوظ وحرافيشه، يتسامرون حتى يملأوا الليل بأحاديث عن الأدب والشعر والفن، والسياسة والدين والعقيدة، والفلسفة والفكر والسينما والمسرح والتلفزيون، وكذلك عن الهوية المصرية، عن مصر الفرعونية، عن البسطاء، عن البرجوازية والأرستقراطية، عن الشيوعية والجماعات الإسلامية، عن التنظيمات السرية، عن البطولات عن ميادين الحرب، عن الشجاعة والفروسية، عن الخرافة والأساطير، والتاريخ.

في الستينيات، وبعد تنقلات عدة من مقهى إلى آخر، استقرت الشلة في مقهى "ريش"، وتسطر تاريخاً جديداً لهذا المقهى، وتضيف إليه قيمة أدبية تضاهي قيمته التاريخية في ثورة 1919. ثم حلت النكسة عام 1967، فانفضت المجموعة عن اللقاء في "ريش"، نظراً للأوضاع الجديدة التي طرأت على المجتمع المصري، وما خيم على الساحة من إحباط ويأس واكتئاب. فعزفت شلة الحرافيش عن اللقاء، إلَّا مساء كل يوم خميس في منزل الأديب الساخر محمد عفيفي في حي الهرم، وحين توفي عفيفي، انتقلوا إلى منزل عادل كامل.

الحرافيش - كافيه ريش

لم يقتصر لقاء حرافيش نجيب محفوظ على محافظة القاهرة، بل كان للشلة فروع أخرى. فكان له أصدقاء "حرافيش" في الإسكندرية، يمضي معهم إجازته السنوية المعتادة، التي تبدأ السبت الأول من مايو حتى الأربعاء الأخير من سبتمبر. وحرافيش الإسكندرية كانت مكونة من عصام الإنة وهو محام مشهور، تأثر محفوظ  بوفاته ورثاه في الأهرام، والأديب الراحل يوسف عز الدين، الذي كان الأقرب إلى محفوظ. وضمت الشلة أيضًا الشاعر الاسكندري عبد الله الوكيل، والروائي نعيم تكلا، وعصام الجمل وشقيقه محمد، موريس خليفة وعميد كلية رياض الأطفال سابقاً الدكتور أنس داوود، والروائي علي المغربي ومحمد صالح أبو بكر.

وكان أحمد فؤاد ريان، المدير العام الأسبق في التربية والتعليم، آخر من انضم إلى الأعضاء الدائمين في الإسكندرية. ويقول عن الحرافيش: "كنتُ آخر من انضم إلى شلة حرافيش الأستاذ (نجيب محفوظ)، في أغسطس عام 1989، في حديقة فندق سان استفانو القديم، حيث كان ينعقد المجلس اليومي من السادسة مساءً حتى التاسعة. ولم ينضم أحد من بعدي إلى مجلسه اليومي في المدينة الساحلية، وكان ثمة من ينضمون على فترات متباعدة، منهم الكاتب الراحل ثروت أباظة والدكتور يوسف زيدان، وغالبية لقاءاتنا لم تكن لها علاقة بالأدب أو الفن. والأستاذ كان آخر من يتكلم بيننا والأكثر استماعاً إلى كلامنا".

وظل مجلس حرافيش الإسكندرية ينعقد يوميًّا خلال إقامة محفوظ في المدينة حتى عام 1995، حين تعرض الكاتب الكبير لمحاولة اغتيال من قِبَل الجماعات الإسلامية، فامتنع عن قضاء إجازته السنوية في الإسكندرية.

حكايات الحرافيش

يبدو نجيب محفوظ بين "الحرافيش" كشيخ الطريقة بين الدراويش، يضفي على الجلسة مسحة من لذة الحديث، التي تمتاز أحياناً بالبساطة الجذابة، وفي مرة أخرى يظهر كصاحب نكتة، يتناول القضايا المطروحة بلون ساخر وحس فكاهي، ولا يفوته إبداء ملاحظة أو تعليق على كل ما تقع عليه عيناه، ومرات أخرى ينحو منحى الجدية في آرائه وحديثه.

تناول نجيب محفوظ شلته أكثر من مرة في أعماله الأدبية، فقد خصص عنواناً لإحدى رواياته "الحرافيش"، وتناولهم غير مرة في "أحلام فترة النقاهة"، وهو عمل من جزأين، يحتوي على نصوص يسرد فيها محفوظ شطراً من سيرته الذاتية، ويستدعي فيها رفاقه القدماء. فيقول: "وجدتني ومعي بعض الحرافيش في مقهى الفيشاوي، وإذا بالمرحوم المعلم فهمي يقبل علينا ويدعونا للعشاء في بيته، فقمنا معه إلى بيته في حي الحسين القديم، فصعدنا إلى السطح وجلسنا في ركن على مرأى من الدجاج والأرانب، وجاءوا بصينية كبيرة مليئة بالمدمس واللحمة المفرومة، فأكلنا بشهية ودخّنا تحت النجوم الساهرة، مئذنة مسجد الحسين «رضي الله عنه» تطل علينا حتى هبط منها الصوت الرخيم يؤذن للفجر".

"يبدو أن المصريين عايزين يجربوا حكم الإخوان"، قالها نجيب محفوظ لحرافيشه في جلسة خاصة، خلال إجراء انتخابات مجلس الشعب عام 2005، قبل وفاته بعام واحد.

وفي إحدى جلساته مع شلّته سألهم: "إذا وقعت عاهرة من عاهرات روايات نجيب محفوظ في البحر، تطبّ ولا تغطس؟ ولما اهتموا بالسؤال، وارتسمت على ملامحهم علامات الجدية، أعادوا توجيه السؤال إليه فأجابهم: تغطس".

كلمات مفتاحية
التراث مصر

التعليقات

المقال التالي