مصر تحارب الإرهاب و"الفرفشة"

مصر تحارب الإرهاب و"الفرفشة"

لم يتوقع أحد هذه المأساة، فجأة تحوّل ملهى "الصياد" الصغير في حي العجوزة في الجيزة، إلى كتلة لهب أكلت كل من كان فيه. وبرغم تراجع مسؤولية شبح الإرهاب عن حادث مقتل 17 شخصاً في أحد ملاهي الليل في الجيزة، فجر 4 ديسمبر، فإن ما جرى كارثي. إذ أقرّ 4 شبان أنهم ألقوا أربع زجاجات مولوتوف نحو الملهى، لأنهم طردوا منه وأغلقت أبوابه في وجوههم. من ضمن الأربعة، اثنان لم يبلغا بعد السن القانونية لتعاطي الكحول أي 21 عاماً، أحدهما لقبه "حماصة" والآخر لقبه "المجنون".

مراقبة برنامج السهرة

حرق الجمهور الملهى الصغير، لنصبح أمام حادث صنعه رواد الليل. كان الانتقام سريعاً. فقد أشعل الشباب النار في المكان لأن أبوابه كانت موصدة في وجوههم. كان هذا الباب المهرب الوحيد، ومخرج الطوارئ مغلقاً، فتحوّل "الصياد" إلى جحيم أحرق 16 من العاملين داخله، ثم تمّ العثور على ضحية جديدة بعد ثلاثة أيام أثناء تفقد موقع الحادث.

تنتمي الكازينوهات والملاهي الليلية في مصر إلى المحال العامة المعدة لبيع وتقديم المأكولات والمشروبات، بقصد تناولها داخله. أما "الصياد" فهو مطعم سياحي مساحته صغيرة (30 متراً)، ومصرح له بفقرة فنية واحدة يقدمها ثلاثة من العازفين، مع رخصة لتقديم المشروبات الكحولية. بينما يسمح لأماكن أخرى يرتادها رواد الليل مثل الملاهي، بتقديم من ثلاث إلى خمس فقرات في الليلة الواحدة، شرط الحصول على موافقة من وزارة الثقافة بعد تقديم معلومات تفصيلية عن البرنامج قبل 48 ساعة. تطلب هذه الموافقة لتقديم أي فقرة فنية سواء كانت للعزف الحي للموسيقى، أو الرقص، أو الغناء، ويحظر قانون المحال العامة الصادر في خمسينيات القرن الماضي، وجود مذياع من دون ترخيص.

أقوال جاهزة

شارك غردالقوانين المنظمة لملاهي الليل في مصر تعود للخمسينات وتطلب تصريح لتشغيل الراديو

شارك غردالقوانين المنظمة لعالم الكحول وحياة الليل في مصر

محاصرة الملاهي الليلية

بعد حادث "الصياد" كثفت الشرطة حملاتها، وتمّ إغلاق أكثر من عشرة أماكن. فهل تحوّل السهر إلى أمر محفوف بالمخاطر في مصر؟

في جميع الأحوال، سيجد محبو الليل أماكن أخرى مثل الفنادق بدرجاتها المتنوعة، بعضها لا يبيت فيها أحد، لسوء الخدمة، رغم ذلك تعد ملتقى جيداً للسهر. ستعود القاهرة لصورتها المعتادة كمدينة لا تنام، خصوصاً أن إغلاق المحال كان مؤقتاً لحين استيفاء شروط محددة. لكن البحث عن قوانين تشغيل أماكن السهر وتأمّل ضوابطها، يكشف عن روح محافظة تقيد الترفيه في مصر.

يحظر القانون تقديم المشروبات الكحولية بعد الثانية عشرة مساءً، ويعتبر هذا أول سند قانوني لقاعدة Last order في محالّ الشرب، إذ تعود إلى خمسينيات القرن الماضي. هذه القاعدة لا تزال سارية مع استثناءات وتراخيص من وزارة السياحة لأماكن محددة، غالبيتها من الفنادق الكبرى.

كما يشترط أن يكون الملهى الليلي على هيئة بناء مستقل، وأن لا يكون داخل كتلة سكنية أو ملاصق لمبنى آخر. أما رخصة تقديم المشروبات الكحولية فتعد من الأمور الصعبة، إذ تعتبر الحكومة أن الرخصة "شخصية"، وإذا توفى حاملها تخطر الجهات المختصة بمن ستؤول إليه ملكية المحل، لتتحول الجهات الحاصلة على هذه الرخص إلى محال تاريخية لا تتطور، بل تتوارث عملية إدارتها/ حراستها من جيل إلى آخر.

سيتابع رواد هذه الأماكن محاولات الورثة لحراسة المكان، والإبقاء على هذا الإرث في خدمة رواد الليل، وعشاق الكحول. إلا أن ذلك لا يمنع تحوّلها إلى أطلال تتداعى ليلة وراء أخرى.

حراسة الأماكن من البطش

يحرس أصحاب هذه الأماكن سعادة أهل الليل، فيدافعون عن لذات يحاربها المجتمع. هم حماة لأوقات مسروقة رغماً عن سلطة هذا المجتمع المحافظ، بينما الدولة الحائرة بين محاربتها لصنّاع التطرف وبطشها بعشاق الليل في الوقت نفسه.

وعلى الرغم من أن مصر لا تمنع محال السهر، فإن القوانين تشترط وجود رخصة، ويحدد وزير الإدارة المحلية، عدد المحال التي تقدم المشروبات الكحولية في المدن والمصايف والمشاتي، ويحدد الشوارع أو الأحياء التي يجوز فيها فتح هذه المحال، بناء على اقتراح المجالس البلدية لتلك الجهات، بعد الحصول على موافقة من الجهات التي توجد فيها مجالس بلدية، بحسب قانون المحال العامة رقم 371 لسنة 1956، وتعديلاته.

خلال السنوات الأربع الماضية، كان عدد الرخص في العاصمة يقارب الألف، إذ تبرر وزارة السياحة المصرية ذلك بأن سوق بيع الكحول لا تزال صغيرة. وفي تعديل لهذا للقانون، في أغسطس الماضي، صار للجهة الإدارية أن تطلب من الجهات القائمة على شؤون تشغيل المرافق، قطع خدمات الماء أو الكهرباء عن المحال المخالفة أو العاملة من دون ترخيص. وقد طرح هذا الخيار بقوة بعد ماسأة "الصياد". فرغم الطبيعة الجنائية للحادث، وإلقاء القبض على مرتكبيه، فإن الدولة وجدتها فرصة لتحظر أي مكان يقدم السعادة ليلاً.

كما تقوم الحكومة كل فترة برفع قيمة رسوم الضرائب على بيع المشروبات الكحولية، كان آخرها، فرض ضريبة وصلت إلى 200% في حالة شراء زجاجة البيرة، و150% على لتر النبيذ، بما يوفر زيادة الموزانة العامة للدولة المصرية تقدر بـ5 مليارات جنيه، أي نحو 650 مليون دولار.

البحث عن قوانين تشغيل أماكن السهر وتأمّل ضوابطها، يكشف عن روح محافظة تقيد الترفيه في مصر

وتقدم شركة الأسواق الحرة التابعة لوزارة الطيران المدني لأي مصري أو أجنبي 4 زجاجات معفاة من الضريبة خلال مدة 48 ساعة منذ دخوله للبلاد. أما مَن يقيم في مصر فسيجد نفسه مضطراً لدفع ضريبة قيمتها تصل إلى 3000% على الخمور المستوردة. وفي الوقت نفسه، تجرّم القوانين حالات السكر البيّن، ما قد يؤدي إلى حبس شارب الخمر، في حال ضبطه، مدة تراوح بين أسبوعين و6 أشهر، أو تغريمه مبلغاً لا يتجاوز مائة جنيه (نحو 12 دولاراً).

هكذا يصبح شرب الكحول ممارسة لا تتم إلا بترخيص، وتقيدها الدولة بالقوانين، لكنها تصب أموال ضخمة في خزانتها، مع كل كأس تُشرب في مصر، وشاربه يجب أن يكون حذراً حتى لا يُحبس. وإذا فرّ من الشرطة، فسيجد نفسه محاصراً بنظرات الريبة والإدانة من المارة في الشوارع، وهو ما بدا واضحاً من شماتة البعض في ضحايا ملهى "الصياد"، وعدّهم ما حصل "سوء الخاتمة".

أحمد وائل

صحافي مصري.

كلمات مفتاحية
حياة الليل مصر

التعليقات

المقال التالي