10 آلاف طفل سوري منفصلون عن عائلاتهم وموزّعون على دول المنطقة

قبل نحو عامين، قدم الطفل السوري أحمد (اسم مستعار) إلى الأردن هرباً من الحرب في بلاده، أتى برفقة شقيقه ليقيما مع عائلة خاله، بعد أن قُتل والده في الصراع.

أحمد (14 عاماً) واحد من نحو 4000 طفل سوري منفصلين عن أسرهم قدموا إلى الأردن منذ بداية الأزمة السورية قبل نحو 5 أعوام، غالبيتهم من الذكور. وترى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين هذه المسألة "مدعاة للقلق"، خصوصاً مع وصول عدد الأطفال السوريين المنفصلين عن أسرهم في دول المنطقة إلى نحو 10 آلاف.

يقول أحمد: "عانيت من سوء معاملة زوجة والدي لي قبل وفاته وبعدها. ولكن بعد موته، زاد الوضع سوءاً، فقرّر خالي أن أغادر معه إلى الأردن، وعاملني وزوجته معاملة حسنة، لكنني أفتقد لكثير من الأمور".

يعيش أحمد وشقيقه في منزل خاله، الذي لديه 5 أبناء، وغالباً ما يضطر أحمد وأبناء خاله للعمل خلال عطلة نهاية الأسبوع، أو العطل المدرسية. في حين اضطر شقيقه الأكبر لترك الدراسة والعمل بشكل يومي في أحد المخابز القريبة. وعن التمييز في المعاملة بينه وبين أبناء أخواله، يقول: "في الحقيقة ليس كثيراً. في حال ارتكابي خطأ ما، تكون أحياناً ردة فعل خالي وزوجته أشد قسوى فيما لو كان ابنهم من ارتكب الخطأ، ربما هو أكثر قسوة تجاهي لأنه يشعر بمسؤولية أكبر".

أقوال جاهزة

شارك غرديضطرون للنزوح بعيداً عن أهلم، فيكون مصيرهم العمالة أو الزواج المبكر

بحسب الممثل المقيم لمكتب الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن أندرو هاربر، يبلغ عدد الأطفال السوريين المنفصلين وغير المصحوبين بأسرهم 3800، معتبراً أن هؤلاء يعانون من مشاكل عدة نتيجة ابتعادهم عن أسرهم.

وبحسب عرض تفصيلي قدمته المفوضية العليا لشؤون اللاجئين خلال مؤتمر إقليمي حول تعزيز نظم الحماية في حالة اللجوء، تعود الأسباب الكامنة خلف ظهور حالة الأطفال المنفصلين عن ذويهم  إلى وفاة أو غياب الوالدين، والهرب من التجنيد، والبحث عن فرص عمل تحديداً للذكور منهم، وحماية الفتيات من العنف الجنسي نتيجة النزاع، بينما يشكّل الفقر وقرار الأهل العودة إلى سوريا وبقاء الأطفال بعد اللجوء أسباباً ثانوية.

وفقاً للمفوضية، يوجد نحو 13 ألف طفل منفصل عن عائلته غادر بلاده، يشكّل السوريون منهم 10 آلاف، بينما يعمد عدد من الأهالي إلى إخراج أطفالهم، خصوصاً من هم في أعمار من 16 إلى 18 عاماً إلى دول الجوار، بهدف السير في رحلة الهجرة غير الشرعية لاحقاً.

بعد قدومهم إلى الأردن، يكون أمام هؤلاء الأطفال بدائل عدّة للرعاية، أبرزها الإقامة في منزل أحد أقربائهم. إلا أن هذا البديل غالباً ما يترتّب عليه أعباء مالية عالية على الأسرة المضيفة، خصوصاً مع تناقص الدعم المقدم لعائلات اللاجئيين السوريين.

يرعى أبو عبد الرحمن (اسم مستعار)، 17 فرداً في منزل صغير في إحدى ضواحي عمان. ويقول: "نحن 18 شخصاً نقيم في منزل، وهذا العدد يشمل أبنائي وأبناء أخي وأحفادي". فقد توفيت ابنة عبد الرحمن وزوجها في سوريا، وكان لديهما طفلان هما برعاية جدهما. ويضيف: "هربنا من الدمار في بلادنا، لأنّنا نخشى على أطفالنا وأعراضنا. نحن الآن في وضع صعب، فالدعم الوحيد الذي نحصل عليه هو كوبونات الغذاء من مفوضية اللاجئين".

أمام ظروف المعيشة الصعبة للعائلات السورية بشكل عام في الأردن، وتحديداً تلك التي ترعى أطفالاً غير أبنائها، يتعرّض الأطفال لتحديات جمة تكمن في الانسحاب من المدارس، والعمالة والزواج المبكر.

اتخذت إيمان، وهي لاجئة سورية تقيم في الأردن مع زوجها قراراً بتزويج ابنة شقيقتها عند بلوغها سن 16 عاماً. وترى أن الزواج هو الحل الأمثل لها، خصوصاً أن لدى إيمان فتياناً سيصبحون يافعين، وبالتالي ستقع في إشكالية الحرمة الشرعية بين ابنة شقيقتها وأبنائها.

ترى الأسر الراعية في الزواج المبكر حلاً مناسباً لحماية الفتيات من أي اعتداءات ممكنة، وتقليل النفقات، حتى بلغت نسبة الزواج المبكر بين السوريات في الأردن 35% من إجمالي الزيجات. في مقابل ذلك، يبلغ عدد الأطفال السوريين خارج المدارس 90 ألفاً، والعاملين نحو 30 ألفاً.

وقد كشفت دراسة صادرة عن مركز المعلومات والبحوث، في العام الحالي، عن تعرّض الأطفال السوريين المنفصلين عن أسرهم للعنف، ودعت إلى بذل مزيد من الجهود لحمايتهم من أشكال العنف المختلفة. وبحسب الدراسة، يعيش غالبية هؤلاء الأطفال مع أحد أقاربهم كالأجداد ومن ثم الأعمام والأخوال، أو الشقيق الأكبر، بينما يجري فصل الأشقاء عن الشقيقات، فيتم إبقاء الفتيات مع أسر غالبية أبنائها من الإناث، أما الأولاد فيقيمون مع أسر أفرادها من الذكور.

ولفتت إلى أن بعض الأطفال "يعيشون مع أقرباء لفترة مؤقتة، لحين لمّ شملهم مع والديهم، سواء في الأردن أو سوريا، والبعض الآخر يعيشون مع أقاربهم لفترات طويلة نتيجة وفاة الوالدين، أو العجز، أو الطلاق، أو عدم قدرة الأبوين على رعاية أطفالهما والبقاء معهما".

وحذّرت الدراسة من الآثار السلبية المترتبة على طول فترة إقامة الطفل مع الأسرة البديلة، لافتة إلى أن تلك الآثار السلبية ترتبط بالعامل المادي والضغوط النفسية والاجتماعية، التي تصيب أسر اللاجئين، وبالتالي تنعكس سلباً على التعامل مع الطفل، ودعت إلى ضرورة توفير خدمات إدارة الحالة لهؤلاء الأطفال لضمان بقائهم في الأسر البديلة ضمن أجواء صحية وآمنة.

وأظهرت الدراسة أن الأطفال الذين يقيمون مع أجدادهم أو مع أقارب غير متزوجين أو ليس لديهم أبناء يشعرون براحة أكبر، ويبقى الحب والاهتمام والاحترام، العناصر الأكثر أهمية لدى الأطفال مقارنة مع الجوانب المادية وقدرة الأسرة البديلة على توفير المتطلبات المادية لهم.

في المقابل، أوضحت الدراسة أن أبرز سلبيات الإقامة مع أسرة قريبة، تتمثل في "التمييز بينهم وبين أبناء الأسرة، أو التمييز المبني على الجنس لجهة تفضيل الذكور، إلى جانب الأعباء المالية التي يتحملها مقدمو الرعاية، وما إذا كانوا سيحصلون على كل حاجاتهم، والخوف من عدم التقبل في الأسرة البديلة، وتحديداً من قبل شريك أقربائهم، فضلاً عن إمكانية أن يتعرض هؤلاء للإساءة أو أن ينخرطوا في عمالة الأطفال".

ولمكافحة تلك المشكلة، توصي الدراسة بتعزيز الخدمات الاقتصادية والمساعدات للأسر، خصوصاً لمقدمي الرعاية الضعيفة مثل كبار السن، وزيادة خدمات الدعم الأسري وتعزيز الدعم المقدم للرصد، وإدارة القضايا لحالات الأطفال المنفصلين لمواصلة الاستجابة لاحتياجات الأطفال ومقدمي الرعاية، والحد من مخاطر التمييز وسوء المعاملة.

نادين نمري

صحفية أردنية متخصصة في صحافة حقوق الإنسان، لديها اهتمام خاص بقضايا الحريات الدينية والأقليات في الشرق الاوسط، والجندر وحقوق الطفل والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، مناهضة لعقوبة الاعدام. حائزة على جائزة صحافة حقوق الانسان للعام 2015 المقدمة من منظمة صحفيون لحقوق الإنسان ومعهد الإعلام الاردني. تعمل في مجال الصحافة المكتوبة منذ 12 عاما.

التعليقات

المقال التالي