صبي أو بنت، الخيار بين يديك؟

صبي أو بنت، الخيار بين يديك؟

"اختيار جنس المولود"، عبارة قد تُثير السخط أو التعجّب في العديد من الدول الغربية، إلا أنّها "طبيعية" في  بعض الدول العربية، حيث ما زالت الكثير من العائلات تتمنّى بأن ترزق مولوداً ذكراً.

طالما سعى الإنسان إلى البحث عن وسائل مختلفة لتحديد جنس المولود. فيلجأ البعض مثلاً إلى الجداول الصينية التي تعتمد على دراسة عمر الأم القمري وشهر الحمل، أو حتى يعتقد البعض أن التغذية تلعب دوراً أساسياً في تحديد الجنس، خصوصاً معادن الصوديوم والبوتاسيوم والماغنيسيوم والكالسيوم. فإذا أردتِ، سيدتي، إنجاب ذكر، امتنعي عن الحليب والألبان والأجبان، وركّزي على اللحوم بكل أنواعها، وبالكميات التي تريدينها. أما إذا أردت إنجاب فتاة، فاقطعي الملح والحبوب، وتناولي اللحوم بكميات محدودة.

طرائق متعددة قد تصل إلى الأكثر غرابة منها كوضعية الجنس أو موعد ممارسة الجنس أو حتى درجة الحموضة المهبلية. إلا أن العلم يبقى الطريقة الأبسط والأكثر ضماناً والأقرب إلى الواقع. عملية تُعرف في الشرق الأوسط بـ"التوازن العائلي"، وهي اللجوء إلى التشخيص الوراثي للأجنة قبل الزرع Pre-implementation genetic  diagnosisالمعروفة بـPGD.

أقوال جاهزة

شارك غردهل يحق لنا اختيار جنس مولودنا؟

شارك غردالتشخيص الوراثي للأجنة يستخدم في المنطقة لاختيار جنس المولود، وبالتأكيد، لإنجاب الذكور

ما هو التشخيص الوراثي للأجنة قبل الزرع إذاً؟

يقول الدكتورأحمد الفقيه، المختص في الأمراض النسائية والإنجاب في مركز فقيه للإخصاب في دبي، إن التشخيص الوراثي قبل الزرع يُستخدم للبحث عن التشوهات الصبغية والجينية في الجنين، قبل نقله إلى الأم. ويضيف: "إذا كان الأب والأم يعانيان من التلاسيميا مثلاً أو إذا كانا متقدمين في السن، لأن نسبة الخلل الوراثي تصبح مرتفعة جداً حينها، نلجأ إلى هذه التقنية في عملية التلقيح الاصطناعي IVF فقط". إضافة إلى البحث عن الخلل الوراثي، يخوّل هذا التشخيص معرفة هل الجنين صبي أو بنت، لأن التقنية تكشف "التركيبة الجينية للجنين".

لا يمكن ممارسة التشخيص الوراثي للأجنة قبل الزرع إلا في حالات طفل الأنبوب. فبعد إجراء مختلف مراحل التخصيب، يقول فقيه: "نلقّح 10 بويضات مثلاً تتحوّل إلى أجنة نشخصها لتحديد التركيبة الجينية قبل زرع الجنين الأفضل صحياً وجينياً في رحم الأم". ثم تشكّل طريقة التلقيح المجهري والفحص الشامل للكروموسومات CCS الطريقة الأفضل لتجنب الأمراض الوراثية وللتوازن العائلي.

ويُشدد فقيه على أن اختيار جنس المولود ليس إلا جزءاً بسيطاً من "مهمة" التشخيص الوراثي للأجنة قبل الزرع، لأنّ هدفها الأساسي البحث عن الأمراض الوراثية كالتلاسيميا والتليف الكيسي Cystic fibrosis ومتلازمة الكروموسوم أكس الجنسي الهش Fragile X Syndrome ومرض الهيموفيليا أ Hemophilia A ومتلازمة مارفان Marfan's Syndrome، وغيرها من الأمراض التي يُمكن أن ينقلها الوالدان لأبنائهم.

كذلك يُنصح بإجراء الـPGD لدى تكرار الإجهاض أو فشل عمليات التلقيح الصناعية السابقة أو تقدم الأم في السن. إلا أنّ معظم الحالات التي تجري هذا التشخيص لدى مركز فقيه للإخصاب سنوياً (600 حالة)، تلجأ إلى اختيار جنس المولود. وشدّد فقيه على أنّ عمر الزوجين غالباً ما يكون نحو 35 سنة ولديهما ولدَان أو أكثر، مشيراً إلى أن تكلفة هذه العملية هو 40 ألف درهم إماراتي (نحو 11 ألف دولار) تتضمن عملية التلقيح الصناعي (32 ألف درهم) والتشخيص الوراثي للأجنة قبل الزرع (8 آلاف درهم).

أخلاقيات وقوانين وثقافات

يرى فقيه أنّ التوازن العائلي أو اختيار جنس المولود مرتبط إلى حدّ كبير بالثقافة والتقاليد، بحسب ما لاحظه في العيادة. فإذا كان المرضى من دول غربية، فلا فرق لديهم بين البنت والصبي. يقول: "إذا كانت العائلة تضم صبيين، يريدان بنتاً والعكس صحيح". أما الذين يأتون من باكستان أو الهند، فحتى لو لم يكن لديهم إلا صبيان، فلا يريدون بناتاً، ويختارون دوماً الأجنة الذكور. وفي ما يتعلّق بالمرضى الإماراتيين أو العرب، غالباً ما يلجأون إلى اختيار جنس المولود متى يكون لديهم بنتان أو أكثر ويريدان إنجاب صبي. "ما زلنا في ثقافاتنا العربية نريد إنجاب الصبي ليحمل اسم العائلة ويتحمّل المسؤوليات"، يقول فقيه.

ويضيف: "قلما يأتي زوجان إماراتيان أو عربيان لديهما ابنة واحدة ويريدان صبياً، فغالبية الحالات تكون مع أكثر من ابنتَين". وذكر حالات "قد تكون وليدة القدر أو مهما أردت تسميتها، يقوم الزوجين بأول عملية تلقيح صناعي والثانية والثالثة، ولا نحصل إلا على بنات".

ونادراً ما يرفض فقيه وزملائه اختيار مولود الجنين، بل يفضّل أن يقدم المشورة والنصح. ويشير إلى أن بعض هذه الحالات ظهرت لدى أهل يواجهون صعوبة في الإنجاب، أو لم ينجبا بعد ويريدا اختيار جنس المولود. يقول: "هنا نتدخّل لأن الأهم إنجاب ولد سليم بغض النظر عن جنسه، خصوصاً أن عملية التلقيح الصناعي ليست مضمونة 100%". ويعتبر أنه من واجبه أن يقدّم كل العلاجات المتوفرة، لا أن يحكم أو يتخذ القرار عن مرضاه. ويضيف: "إذا كان المريض يرفض التشخيص الوراثي أو غيره من التقنيات لأسباب أخلاقية، فلن يأتي إليّ أصلاً".

من الناحية الدينية، سمحت العديد من الفتاوى بالتوازن العائلي، في حين أن الكنيسة الكاثوليكية ترفض هذه التقنية، لا سيما أنّها معارضة للإجهاض والتلقيح الاصطناعي.

وما زالت دول عدة في العالم تعدّ اختيار جنس المولود غير أخلاقي، ففي بعض الدول، يُمنع التشخيص الوراثي قبل الزرع بتاتاً، كساحل العاج والصين وسويسرا وإيرلندا والنمسا والفليبين. في حين تسمح دول أخرى بهذه التقنية إنما ترفض استخدامه لاختيار جنس المولود لأسباب اجتماعية، ولأسباب طبية بحتة في دول مثل فرنسا وكندا وألمانيا وفرنسا.

ما الذي يحمله لنا المستقبل؟

ما زال الجدل مفتوحاً حيال اختيار جنس المولود في العديد من الدول، حتى لو بات منتشراً ومسموحاً (لا قوانين خاصة به) في العديد من الدول العربية. علماً أن العلم والطب الوراثي أحرزا قفزات عملاقة في السنوات الأخيرة للحد من التشوّهات والأمراض الجينية لأهداف أخرى. يقول فقيه: "تريدين طفلاً أزرق العينين مع شعر أشقر، الأمر ممكن إلا أن العملية ليست فعالة من حيث الكلفة، كما يجب أن تكون لديك أنت وزوجك هذه الجينات".

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

التعليقات

المقال التالي