الحصول على لقب "مطلقة" في مصر يعرض المرأة للإهانات

الحصول على لقب "مطلقة" في مصر يعرض المرأة للإهانات

اضطرت داليا السيد، 35 عاماً، إلى التخلص من شخصيتها القديمة الهادئة المسالمة والخجولة، لتتقمص شخصية أخرى أكثر جرأة، وربما تصل في أوقات كثيرة إلى حد العدوانية. حدث ذلك بعدما طلقها زوجها غيابياً قبل ثماني سنوات، لتجد نفسها وحيدة مع طفلتها في مجتمع لديه نظرة سلبية تجاه امرأة تحمل لقب مطلقة.

المجتمع متربص

لا تستطيع داليا الحصول على إجازة من المدرسة التي تعمل فيها، كي لا يُحسم من معاشها، ما يؤثر سلباً في قدرتها على تلبية متطلبات ابنتها. أما طليقها فلا يساهم إلا بمبلغ 500 جنيه (65 دولاراً) شهرياً لمساعدتها، علماً أنها تنفق أضعاف ذلك على أتعاب المحامين لأن دعوتها لم تنتهِ بعد في المحاكم.

أقوال جاهزة

شارك غردليست المطلقة وحدها مَن تعاني في المجتمع المصري بل النساء كلهن

شارك غرداضطرت شيماء إلى ارتداء النقاب حتى لا يراها أحد. لكنها أقنعت أسرتها بتكملة تعليمها. مشكلة إسراء أنها “مطلّقة”

وبات أيضاً من غير اللائق أن تخرج السيدة الشابة للتنزه مع صديقاتها أو ابنتها خوفاً من أسئلة أسرتها التي لا تنتهي، ونظرات المجتمع المتربص بها، لأنها أصبحت امرأة من دون رجل في مجتمع ذكوري.

روت داليا لرصيف22 أنها منذ انفصلت عن زوجها، وهي تفقد الإحساس بالحياة التي أصبحت تتلخص في الحصار النفسي والمادي ومضايقات الجيران والرجال الذين يرون أنه من السهولة إقامة علاقات جسدية مع المطلقات.

"لم يكن أمامي سوى التخلي عن شخصيتي المسالمة، وارتداء ثوب شخصية أكثر عدوانية، يمكنني القول أنني تخلصت من أنوثتي"

وأضافت السيدة الثلاثينية أن "الحصول على لقب مطلقة في المجتمع المصري، يعني أنكِ أصبحتِ معرضة لجميع أشكال الإهانات من الرجال والنساء على السواء. فالرجل المصري يرى أن المرأة المطلقة في أشد الحاجة للمال والجنس. والمرأة المتزوجة ترى أن صداقة المطلقة خطر عليها لأنها ستسرق منها زوجها".

هذه النظرة السلبية تلاحق المطلقة أينما ذهبت. عانت داليا منها داخل أروقة المحكمة، إذ روت أن "الأجواء كانت شديدة القسوة، نظرات تنتهك جسدي، وحوارات عن مواعيد ولقاءات مقابل مساعدتي في القضايا التي رفعتها على طليقي لتحصيل حقوقي المادية". كذلك عانت منها في العمل.

بعد طلاقها، عانت داليا من حالة نفسية سيئة، ليس بسبب الطلاق، بل بسبب تداعيات تجربتها التي تصفها بـ"المدمرة". قالت: "لم يكن أمامي سوى التخلي عن شخصيتي القديمة المسالمة، وارتداء ثوب شخصية جديدة أكثر عدوانية وانتقامية، وبالتدريج يمكنني القول أنني تخلصت من أنوثتي".

حصار مادي

عانت حنان عبد المنعم، 40 عاماً، من جميع أشكال السلبيات التي يمكن أن يتعاطى بها المجتمع مع المرأة، بسبب ألقاب يحمّلها مضامين سلبية. وروت أنها كانت بدايةً متهمة بـ"العنوسة"، ثم أصبحت أرملة بعد وفاة زوجها الأول، ثم مطلقة بعد زواجها الثاني من رجل تركها مع أبنائها الأربعة، مغادراً البلد مع زوجة أخرى.

ثقل المسؤولية عن أربعة أبناء جعل حنان لا تلتفت إلى ما يردده المجتمع عن أخلاقيات المرأة المطلقة. فكل ما يشغلها هو توفير الحد الأدنى من مستلزمات الحياة لأولادها.

وروت السيدة الأربعينية لرصيف22 أنه فشلت في تحصيل المال المفترض من طليقها خاصة بعد مغادرته البلاد. وأضافت أن درجة تأثر المرأة بنظرة المجتمع لها ترتبط بشكل كبير بمدى قوتها أو ضعفها، مؤكدة أن "الأنثى بشكل عام تعاني في المجتمع المصري بصرف النظر عن حالتها الاجتماعية".

واعتبرت "أن المشكلة الحقيقية التي تواجه المرأة المطلقة ليست في نظرة المجتمع لها بل هي في الأساس مشكلة مادية، وخاصة إذا كان لديها عدد كبير من الأبناء".

تنتقد حنان القوانين الخاصة بالأسرة وتعتبر أنها لا تؤمّن دعم المرأة ولا تساندها في الحصول على حقوقها. وقالت: "أخذتُ الكثير من الأحكام على طليقي لكنها مجرد أحكام من دون تنفيذ". وتحدثت عن مشكلة أخرى هي أن فرص زواج السيدة المطلقة قليلة جداً، وفي الغالب عندما يريد أحد الزواج منها، فهو يريدها أن تتحمل مسؤولية البيت. حدث ذلك معها. وقالت: "في نهاية المطاف، ووسط كل هذه الضغوط، كان عليّ أن أتناسى كوني امرأة".

الاختباء تحت النقاب

وسط القمع الذي تواجهه من المجتمع والاتهامات التي تنهال عليها يومياً من أسرتها بأنها كانت سبباً في الطلاق، اضطرت شيماء مصطفى التي تقطن في إحدى قرى محافظة الغربية بدلتا مصر إلى ارتداء النقاب رغم كرهها له.

وروت لرصيف22 أنها عاشت معاناة كبيرة بعد أن حصلت على ورقة طلاقها منذ عشر سنوات، حتى شعرت "بأنها حشرة يتم دعسها بين فكي المجتمع والأسرة التي تخشى ما يردده الناس".

وقد اضطرت السيدة الثلاثينية إلى ارتداء النقاب حتى لا يراها أحد. لكنها استطاعت أن تقنع أسرتها بتكملة تعليمها والالتحاق بجامعة مفتوحة لدراسة علم النفس.

حالياً، تعيش هي وابنتها الوحيدة مع أهلها. وقالت: "اعتقد أن هذا الأمر أسلم بكثير من الحياة بمفردي في هذا المجتمع. مشكلتي لم تكن مادية، بل ترجع إلى طبيعة المجتمع الذي أعيش فيه، فأنا أقطن في منطقة ريفية، أهلها أسرى العادات والتقاليد والموروثات الثقافية التي تقهر المرأة. تعرضت لمضايقات لم أكن أتخيلها. كنت أشعر بأنني لقمة سائغة لكل الرجال، فقط لأنني مطلقة. أنا الآن أقوى وأفضل بكثير، وما يشغلني هو مستقبل ابنتي".

العدالة بطيئة

رغم التعديلات التي حدثت في القوانين الخاصة بالأسرة وتأسيس ما يسمى بمكاتب تسوية يتم عبرها الاتفاق بين الزوجين على تسوية الخلافات، رأى الخبير القانوني أسامة الحداد أن اللائحة المنظمة لغالبية الأمور التي تخص الأسرة ينبغي إعادة النظر فيها، لأنها ترجع إلى العام 1929 ومن ثم لم تواكب التغيرات والتطورات الاجتماعية والاقتصادية المتلاحقة في المجتمع المصري.

وأضاف أن قانون سنة 2000 الذي عدّل بعض الأحكام لم يتعرض للكثير من الأمور الشائكة في اللائحة الشرعية القديمة، والتي يُعمل بها حتى الآن. وأكد أن مكاتب التسوية لا يحصل منها أحد على حقوقه، لأنه إذا أوصت بدفع نفقة للزوجة مثلاً، لا تستطيع الأخيرة التقدم بدعوى تؤدي إلى إجبار الزوج على السداد في حالة امتناعه عن الدفع.

ولفت الحداد إلى أن "العقبة الرئيسية أيضاً التي تواجه السيدة المطلقة هي طول أمد التقاضي، والعدالة البطيئة. وإن حصلت على أحكام ضد الزوج، فمن الصعوبة تنفيذها خاصة إذا لجأ الزوج إلى الألاعيب القانونية عبر المحامين".

التعليقات

المقال التالي