تجديد الخطاب الديني أم تجديد الإسلام؟

تجديد الخطاب الديني أم تجديد الإسلام؟

نسمع كثيراً هذه العبارة الدبلوماسية التي لا تعني شيئاً محدداً وقابلاً للتطبيق العملي. ما هو معنى "تجديد الخطاب الديني"؟ وهل يمكن لهذه الدعوة الخجولة التي تتستر بكلمات مبهمة أن تواجه مارد التكفير، الذي انطلق من عقاله، مستنداً إلى أحاديث صحيحة وآيات قرانية واضحة المعاني؟

إن المأزق الحالي الذي يواجهه الإسلام كدين، والمسلمون كأمة، لا بد له من وقفة جادة تعالج أسس الأزمة ولا تراوغ حولها. فالخطاب المتطرف ليس هو وحده أساس المشكلة. بل إن التعاليم المتوارثة في كتب التفسير وصحاح الحديث هي الأساس الأقوى، الذي يمكن له أن يفجر موجات إرهاب وتعصب تجرف أي خطاب معتدل في طريقها. إن ثقافة الكراهية وتمجيد سفك الدماء باسم الدفاع عن كلمة الله، لا يخلو منها كتاب تفسير أو حديث أو سيرة نبوية. فإذا توفرت لدينا الشجاعة لنعيد النظر في ما ندرسه وندرّسه لأبناء الإسلام، فعندئذ فقط نتمكن من أن نعيد الإسلام والمسلمين إلى مواكبة العصر وأفكاره. بغير هذا سنبقى ندور في فلك الإنكار الأجوف لكل أصول التطرف المبثوثة في كتبنا وثقافتنا، التي تغذي داعش وأمثالها من حركات التكفير والقتل.

لقد نسخت الحضارة الإنسانية الحديثة بفعل تجارب الحروب واضطهاد البشر بعضهم بعضاً، آيات عدة مثل آيات الرقيق مثلاً (والنسخ يعني إزالة ما كان ثابتاً بنص شرعي في الفقه). فلم يعد مقبولاً أن يستعبد شخص شخصاً آخر تحت أي ذريعة. وهذا النسخ وقع بيد الإنسان لا بحكم آية قرآنية أو حديث من الصحاح أو فتوى شرعية. إن تكرار مقولة "لا اجتهاد في موضع النص"، يتصادم مع إلغاء هذه الأحكام وغيرها على أرض الواقع. فلماذا نقبل بنسخ العصر الحديث لآيات الرقيق، ولا نبادر نحن لنسخ آيات انقضى حكمها وأصبحت لا تنتمي إلى عالمنا اليوم؟

إن النص المقدس يعالجه ما هو مقدس أيضاً، ألا وهو العقل البشري، الذي يعد أثمن هبة إلهية للإنسان. ولذلك ينبغي أن نفهم النص وفق ما يقرره لنا العقل المشبع بالعلم، والغني بتجارب البشرية من حروب ودماء ومآسٍ، بدلاً من التمسك ببدائية فكرية بحرفية النصوص خصوصاً أن القدماء قالوا إن  القرآن حمال أوجه.

أما آن لنا أن نكف عن قراءة النصوص المقدسة على الآي باد ونحن نضع على أعيننا نظارة عمرها أربعة عشر قرناً؟

هذه الدعوة تنطلق من أسس هي في صميم الإسلام. فدفع الضرر مقدم على جلب المنفعة. كما أن مقاصد الإسلام الخمسة، وهي حفظ الدين والعقل والنفس والمال، تتطابق مع هذه النظرة العملية الحضارية في ما يجب أن يبقى من الإسلام التقليدي، وما يجب أن يتم تغييره ليتلاءم مع العصر الجاري. إنه من المعلوم أن كل ما يسمى بالعلوم الشرعية تم وضعها بعد عصر النبوة، وبالتالي فإنها محاولات لوضع منهج للفهم كانت محكومة بمدارك ومعارف العصر الذي وضعت فيه. وإنه لمن الواضح أن تطبيق الكثير مما جاء به الأقدمون من تفاسير، وما جمعوه من أحاديث لم يعد متاحاً الآن. فالعقل الفقهي الذي يقول إن أقصى مدة للحمل عند المرأة هي بين سنة (عند الشيعة الإمامية) وسنتين (عند الأحناف)، إلى أربع سنين (عند المالكية والشافعية وبعض الحنابلة)، لا يمكن له أن يحكم عقولنا بشكل مطلق الآن.

إن أي نظرة متفحصة في كتب التفسير والصحاح، تكشف لنا كثيراً من العوار الذي لا يمكن الدفاع عنه. فحين نعلم أولادنا أن الإسلام دين تسامح ومحبة، ثم نرى في صحيح مسلم حديثاً يقول: "لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه"، فإننا لا بد أن نتساءل عن هذا التناقض في ما نعلمه. وحين نرى أحاديث أخرى في الصحاح تعتدي على العقل البشري المتحضر، مثل حديث البخاري ومسلم "أمرت أن أقاتل الناس حتى يـشـهــدوا أن لا إلــه إلا الله وأن محمد رسول الله، ويـقـيـمـوا الصلاة ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى"، والذي يبرر لداعش تماماً ما تفعله بالآخرين من قتل واسترقاق، وتضفي عليه قدسية دينية، فلا بد لنا أن نتساءل إذا كان في هذا الحديث وأمثاله من صحة تبرر تدريسه والاعتقاد به. فهل نعلم أبناءنا أن الجنة "تحت ظلال السيوف"، أم "تحت أقدام الأمهات"؟، وأيهما أنفع لنا في حياتنا وأكثر درءاً لشبهة الإرهاب الناتج عن الخلط وسوء الفهم؟

لقد قام الراحل د. محمد الغزالي بعمل جريء في كتابه "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث"، حين أنكر أحاديث في البخاري ومسلم رغم صحة سندها. ونحن اليوم في أمس الحاجة إلى عقول شرعية تفكر خارج النطاق التقليدي، وتقوم بمبادرات تتجاوز حتى ما قام به الشيخ الغزالي، لأن التحديات اليوم أعظم وأشد خطورة. إن بقاء رجال الدين سدنة لأفكار وضعها فقهاء العصر القديم لا يجرؤون على تجديدها، أو إعادة النظر فيها هو السبب الرئيس في ظهور داعش وأمثالها من فرق الغلو والتطرف. أفلا يجدر بنا أن نعلن ما نقوم به فعلاً على أرض الواقع، ونقول إن كل النصوص التي تجذر الكراهية لم تعد صالحة للقرن الحادي والعشرين، بل هي السبب الرئيس في ما يوصم به المسلمون اليوم من إرهاب؟ هل يجادل أحد في أن أحكام العقوبات في الإسلام من جلد وقطع أيدٍ وحد حرابة ورجم قد نسخها العصر؟ ألا يجدر بنا أن ننظر إلى المقاصد الأسمى من الدين، وننبذ كل حكم أو نص وقتي كان يدعو للقتال وقطع رؤوس المخالفين، باعتباره ينتمي لعصر عتيق مضى إلى غياهب التاريخ؟ يجب على فقهاء الأمة الآن أن يعيدوا تعريف المفاهيم، ويغيروا سلم الأولويات في الإسلام. فالجهاد هو دفاع عن النفس فقط، وليس قطع رؤوس المخالفين، أو شن الغزوات باسم الله. بل إن الجهاد الأعظم هو جهاد النفس، وقتال التخلف والفقر والجهل في الأمة.

أقوال جاهزة

شارك غردأمور كثيرة لا بد أن يتم تغييرها في الإسلام ليتلاءم مع العصر الحديث

وإذا كنت مؤمناً بالعقل أيضاً وليس بالوراثة فقط، فلا مناص من أن تؤمن أن إرادة الله قضت بهذا التغيير والتبدل في الحياة. وهذا أقوى من أي نص وأرسخ من أي حجج قد يسوقها رجل دين توفاه الله منذ قرون في بيئة كانت لا ترى غضاضة في الجلد والبتر واقتناء العبيد والجواري. إن المشكلة الأخرى هنا تكمن في جمود العقل العربي عندما يصل الأمر إلى الدين. فالعرب قوم ماضويون وتفسيراتهم لا تزال تدور في أجواء قريش ويثرب، وفي ثنائية الحق والباطل، والمؤمنين والكافرين. بينما الدنيا الآن تضج بالألوان وقد غادرت عالم الأبيض والأسود منذ زمن بعيد.

هناك في الواقع محاولات للتنقية والتمحيص يقوم بها البعض مثل الدكتور عدنان إبراهيم، ولكنها، رغم تواضعها، تواجه آراءً متصلبة رافضة، ممن يتسلمون أعلى المراتب في المؤسسات الدينية كالأزهر مثلاً.

والسؤال الآن: ما الذي سينقص من العقيدة الإسلامية إذا قمنا بتنقية كتب الحديث والفقه والتفسير من مفاهيم الكراهية وقتل الآخر؟ وهل لهذا جاء الإسلام؟

إن في الدين الكثير من السماحة، التي لو تم تفعيلها وتقييد نصوص القتال بأزمان الدعوة الأولى لحُلّ كثير من التناقض الذي نقع فيه اليوم بين الممارسة والنص. إن أثمن خدمة يمكن لرجال الدين أن يسدوها للإسلام هي تدارك التصادم الحتمي بينه وبين ركب البشرية، إن هو بقي على مساره التقليدي العتيق. وإنه لمن الواضح أن هذا التصادم قد بدأ بالفعل، ومن يدفع ثمنه هم المسلمون العاديون الذين لا يبغون من وراء تدينهم سوى بناء حياة روحية آمنة لهم ولأولادهم. لهذا كله، حريّ بنا أن نسأل أنفسنا: أما آن لنا أن نكف عن قراءة النصوص المقدسة على الآي باد ونحن نضع على أعيننا نظارة عمرها أربعة عشر قرناً؟

تجديد الخطاب الديني أم تجديد الإسلام - Muslim Rhetoric Table

تجديد الخطاب الديني أم تجديد الإسلام - Muslim Rhetoric Table2

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي