ومن بدّل دينه فاحترموه، فلا إكراه في الدين

ومن بدّل دينه فاحترموه، فلا إكراه في الدين

لا إكراه في الدين، ومن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر. هذا هو الإسلام الذي علمنا إياه الأزهر الشريف بوسطيته المعهودة. فقد كبرنا جميعاً على الدين الوسطي السمح، وعلى الأزهر منارة هذه الوسطية. عذراً عزيزي القارئ، فالجملة السابقة كانت مجرد أمنية، ولا تمت للحقيقة بصلة.

في أكتوبر 2012، أصدر الأزهر توصية هامة لحذف جملة مكتوبة في كتاب التربية الوطنية (صفحة 64) للصف الثالث الثانوي. "ومن بدل دينه فاحترموه، لأن حرية الإنسان في اختيار دينه هي أساس الاعتقاد، فلا إكراه في الدين". كانت هذه هي الجملة التي أثارت حفيظة أهم مؤسسة دينية في مصر، بل ربما في العالم السني كله. انتفض الأزهر واحتج على مبدأ قرآني، "لا إكراه في الدين"، تخيل؟ 

فكيف لنا أن نحترم من يبدل دينه؟ هذه جريمة. كيف نحترم حق شخص وُلد لأبوين مسلمين وعندما نضج اختار أن يترك الإسلام لأي سبب كان. علينا أن نقتله لنصبح مسلمين حقيقيين: هذا ما يراه الأزهر منارة الوسطية...

اذبحوها فهي مرتدة عن دين الحق

تذكرت هذه التوصية وأنا أقرأ عن حادثة ذبح مروة أحمد (26 عاماً) في مركز طامية بمحافظة الفيوم. وهي الحادثة التي أعادت إلى الأذهان الجدل حول أحقية المسلمين في ترك الإسلام. بدأت القصة بعلاقة حب جمعت بين مروة وشاب مسيحي جار لها. ثم قررت أن تتحول إلى المسيحية وتتزوج من حبيبها المسيحي. تخيلت عبثاً أنها حرة، في مجتمع يقمع حريتها مرتين، مرة لأنها امرأة، خصوصاً من صعيد مصر، تتحكّم عائلتها إلى حد كبير في خياراتها العاطفية، ومرة لأنها مسلمة لا يحق لها أن تترك دينها الذي لم تختره يوماً بل وُلدت عليه.

أقوال جاهزة

شارك غردلماذا ننزعج عندما يتهم البعض الإسلام بالعنف، ولا ننزعج عندما يحرض بعض شيوخنا على العنف والقتل علانية؟

شارك غردانتفض الأزهر واحتج على مبدأ قرآني "لا إكراه في الدين"

هرب الاثنان وتزوجا بعد أن تحولت مروة إلى المسيحية، وعاشا في محافظة بعيدة. سارت الأمور بشكل طبيعي لفترة طويلة، حتى أن مروة كانت حاملاً وكانا الحبيبان ينتظران طفلهما الأول. ولكن بعض أفراد عائلتها عرفوا بمكانها، فخطفوها ثم حبسوها في أحد منازل العائلة وعقدوا النية على ذبحها. وهكذا كان، ذبحوها هي وجنينها بلا أي رحمة. ثم سلموا أنفسهم للنيابة وقالوا إنها "مرتدة لذا وجب قتلها".

من ذبحوا المسكينة مروة ليسوا أقاربها فحسب، ولكن من أحلّ قتلها. فالتحريض على القتل جريمة لا تقل بشاعة عن القتل نفسه. ورغم أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ينص في المادة 18 على أن "لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، ففي بلادنا تختلط المفاهيم. فمجرد احترام حق كل شخص في اختيار اعتقاده بحرية هو إلحاد في رأي بعض رجال الدين، مثل الشيخ صالح الفوزان.

والحقيقة، من غير المفهوم لماذا ننزعج عندما يتهم البعض الإسلام بالعنف، ولا ننزعج عندما يحرض بعض شيوخنا على العنف والقتل علانية. فإذا كان قتل الناس على أساس العقيدة واجباً دينياً، فعلينا أن نقبل من يقولون إن الإسلام دين عنيف. وإذا كنا نؤمن أن الإسلام يحترم الحريات فعلينا أن ندين هؤلاء الشيوخ الذين يصدّرون هذه الصورة الدموية عن الدين. أما أن نطلق العنان لشيوخنا ليحرضوا على العنف والقتل، ثم ننزعج عندما يصف أحدهم الإسلام بالعنف، فهذا هو العبث بعينه.

في صيف 2010، كنت أعمل مديراً للتدريب في إحدى مؤسسات المجتمع المدني. وكنت أقوم بعمل مقابلات شخصية لتوظيف عدد من المدربين. في إحدى المقابلات دخل عليّ شاب من سوهاج، بدأ كلامه بأنه خريج شريعة وقانون من جامعة الأزهر. ثم دار بيننا حوار قصير، سألته: إذا كان لك زميل في العمل بهائي الديانة كيف ستعامله؟ كنت أريد أن أعرف إلى أي مدى يتمتع بقبول الآخر المختلف، لكنه فاجأني برده!

قال لي: "سأناقشه". اندهشت وسألته: في ماذا ستناقشه؟ قال: في دينه؟ تعجبت أكثر وقلت له: وما الحاجة إلى ذلك؟ فاستطرد وقال: "سأناقشه لأبيّن له أن الإسلام هو دين الحق، وأنه كبهائي على ضلال". كان الفضول يمتلكني لأعرف كيف سينتهي الموقف في تصوره. قلت له: وإذا ناقشته وبقي على دينه. قال "سأناقشه مرة ثانية". أجبته: يا عزيزي لنفترض أنك ناقشته عدة مرات وكل منكما بقي على دينه. رد بحسم قاطع: إذاً سأقتله!

أجبته سريعاً: لكنك منذ دقائق كنت تحدثني عن أن الإسلام كدين بعيد كل البعد عن العنف، فكيف يتفق ذلك مع قتلك لزميلك فقط لأنه مختلف دينياً؟ قال من دون تردد: ومن قال إن القتل عنف؟ قتله هو رحمة للمجتمع من ضلاله. أنهيت المقابلة سريعاً وأنا مصدوم من كيف استطاع هذا الشاب أن يضع الرحمة والقتل في جملة مفيدة بهذه البساطة، من دون أن يشعر بأي تناقض.

والسؤال هو لماذا نرتعب كمجتمع لمجرد أن شخصاً يعتقد في ما لا يعتقد فيه غالبيتنا؟ عام 2014 قرر إسلام ابراهيم، وهو لاديني من الاسكندرية، أن ينشىء صفحة على Facebook تعبر عن اللادنيين. كان هدفه أن يقول للمجتمع إن اللادينيين موجودون في مصر، ولهم حقوق مشروعة كبقية المصريين. بعدها بأيام طرده أهله من البيت، ثم فقد وظيفته للسبب نفسه. وأصبح بلا مأوى ولا عمل ولا دخل. وظل بضعة شهور ينتقل في بيوت الأصدقاء، حتى أنه قضى ليالي عدة في الشارع، إلى أن أجبرته الضغوط التي تعرض لها على أن يغلق الصفحة.

لم ينته الأمر عند هذ الحد، فبعض الذين وضعوا صورهم الشخصية وأسماءهم على الصفحة وأعلنوا أنهم تركوا أديان آبائهم، تمت ملاحقتهم قضائياً. منهم شاب عشريني اسمه كريم البنا، قال ببساطة "أنا لم أعد مسلماً". تم اتهام كريم بازدراء الأديان لأنه لم يعد يؤمن بالدين الذي وُلد عليه، وقبض عليه وسجن شهوراً عدة، ثم خرج على ذمة القضية، وحُكم عليه 3 سنوات بسبب موقف على Facebook قرر فيه بشجاعة أن يعبر عن اعتقاده الحقيقي. 

هؤلاء الذين يهاجمون حرية الاعتقاد، يدّعون أن احترام حرية الآخرين في اختيار عقائدهم ممكن أن يضعف من عقيدة المسلمين ويفتنهم. ولكن دعني أسألك بصراحة عزيزي القارئ: ما هو التهديد الذي يشكله لك شخص ترك الدين الذي وُلد عليه؟ وإلى أي مدى يهدد إيمانك بالإسلام أن تعرف أن جارك أو زميلك لم يعد مسلماً؟ وهل إيمانك هش إلى درجة أن ترك البعض للإسلام يخيفك؟ وهل يصح أن نعامل المجتمع كطفل قاصر نخفي عنه الحقائق لأنه لا يستوعبها؟ أم من الأفضل أن نحترم كمجتمع اختيارات كل فرد فينا، وحق كل شخص في اختيار اعتقاده بدلاً من أن نقمع من يترك الإسلام ليعيش حياة مزدوجة، مسلماً في العلن وغير مسلم في السر؟

حقيقة لا أعرف لماذا حرية الاعتقاد في مجتمعاتنا تسير في اتجاه واحد فقط؟ لماذا نحتفي بشخص دخل الإسلام ونقتل أو نسجن أو نضطهد مسلماً خرج منه؟ ولماذا مثلاً لا يقتل المسيحيون أولادهم إذا تركوا المسيحية، أو يقتل الهندوس أولادهم إذا تركوا الهندوسية؟ ولماذا المسلمون وحدهم هم من يقتلون من يترك دينهم؟ متى يأتي اليوم الذي نعيد فيه الجملة المحذوفة إلى مناهجنا، لنعلم أطفالنا التسامح والتعايش بدل القتل والدم والعنف؟ فنعلمهم أن "من بدل دينه فاحترموه، لأن حرية الإنسان في اختيار دينه هي أساس الاعتقاد، فلا إكراه في الدين".

ماهر جبره

كاتب ومتكلم حر، متخصص في الشئون العربية. له مقالات في العديد من المواقع العربية والأمريكية. حاصل علي ماجستير علم النفس المجتمعي من جامعة "بوسطن كوليدج" بالولايات المتحدة. زميل الفولبرايت وزميل برنامج الديموقراطية لمعهد شئون العالم بالعاصمة الأمريكية واشنطن.

التعليقات

المقال التالي