العرق السوداني، تقليد ثقافي لم يوقف تعاطيه حظر الدين والأنظمة

العرق السوداني، تقليد ثقافي لم يوقف تعاطيه حظر الدين والأنظمة

"كانت تدور بين ضيوفها وهي تسقي بعينيها ويديها شهداً وخمراً"، يصف المؤرخ السوداني الراحل، حسن نجيلة، في كتابه "ملامح من المجتمع السوداني"، حركة السيدة السودانية فوز، وهي تقدم الخمر لضيوفها من شعراء ومثقفين وموظفين ومناضلين سياسيين، في الربع الأول من القرن العشرين (1920- 1925)، في صالونها الأدبي الشهير، ومقره في حي بالموردة في أم درمان، غربي العاصمة الخرطوم.

إلا أن صالون فوز لم يكن مجلس الشراب الوحيد في الخرطوم وغيرها من أرجاء البلاد، فثمة "فوز" في كل حي من أحياء هذا القطر المترامي الأطراف، والذي عرف الخمر غذاءً ونشوة منذ مئات السنين. بيد أن صالون فوز كان نموذجاً لأمسيات الشرب لدى رجال السياسة والأدب السودانيين في فترات مختلفة من تاريخ السودان الحديث. كما أفاد باحثون ومؤرخون أن فوز ووالدتها حلوة، كانتا لا تصنعان العرق في منزلهما، وإنما تأتيان به جاهزاً من الحانات وتسقيانه لضيوفهما الرفيعي المستوى.

إعداد الخمر مهمة "الزوجة الفاضلة"

يعود تاريخ الخمر السوداني التقليدي إلى العهد النوبي، 7000 سنة قبل الميلاد، أشهرها وأكثرها شعبية الدكاي ويتم شربه طوال العام، وذلك بخلاف المريسة والنبيت، "المريسة صيفاً والنبيت شتاء".

يقول المؤرخ السوداني محمد إبراهيم أبو سليم: "خمور النوبة التقليدية كانت لا تباع، فهي تعد للمجالس والولائم، أما العرق فيعد للاستعمال الشخصي وللبيع، وهذا تطور في مفهوم إعداد الخمر وتعاطيه".

ويضيف: "إعداد الخمور التقليدية كان من اختصاص النساء، فالزوجة هي التي تعد الخمر لزوجها وأصدقائه. وكان من فضائل "الزوجة الناجحة" أن تجيد إعداد الخمر، أما إعداد العرق فكان يتم على أيدي الرجال".

أقوال جاهزة

شارك غردتاريخ صناعة العرق السوداني

شارك غرد"البلح بلحنا والموية مويتنا شن حرمه"، أي أن الماء ماؤنا والبلح الذي يصنع منه الخمر من زرعنا، فما السبب في تحريمه

وبرغم أن الخمور محظورة في الإسلام، فإن شاربي الخمر كانوا ينظرون إلى هذا الحظر بقدر كبير من التساهل. وقد ذهب بعضهم إلى القول: "البلح بلحنا والموية مويتنا شن حرمه"، أي أن الماء ماؤهم والبلح الذي يصنع منه الخمر، يزرعونه بأيديهم، فما السبب الذي يمكنه أن يحرمه، يوضح أبو سليم.

إلى عهد قريب كان يوجد ركن خاص في البيوت النوبية، شمالي السودان، يحتوي على قدور للتخمير وعلى أدوات صناعة العرق، الذي يصنعونه من البلح، "عرق البلح"، بينما ينتج غربي السودان، من الخبز، وفي مناطق أخرى يتم إنتاجه من الفواكه خصوصاً الغوافة.

وقد كشفت غالبية الحفريات التاريخية التي أجريت، عن وجود أواني شرب الخمر، وهذا ما يدل على وجود قديم للخمر في الثقافة السودانية، منذ عهد الفراعنة. يؤكد أبو سليم أن"الجيش كان يثني على نصائح الملك وقوته، وعندئذ استلقوا على بطونهم أمام جلالته قائلين: إن اسمك هو الذي يمنحنا القوة ونصيحتك هي مرسى جيشك، وخبزك في بطوننا في كل سبيل سلكناه وجعتك تطفي ظمأنَ".

طقوس التصنيع واقتصادياته 

وثق الباحث السوداني الراحل، الطيب محمد الطيب، لطقوس شرب وصناعة الخمر لدى السودانيين، في كتابه "الإنداية". فجاب غالبية أنادي (جمع إنداية) السودان، وهي مشارب شعبية يرتادها عامة الناس، كاشفاً طقوس شرب الخمر عند مختلف الشعوب السودانية.

العرق السوداني - صورة 1

كما أشار الفنان التشكيلي العالمي، السوداني إبراهيم الصلحي، في كتابه الصادر حديثاً، "قبضة من تراب"، إلى بيوت الشرب في أم درمان، مضمناً في ثناياه قصصاً عن بعض "أنادي" الشرب في أم درمان وصاحباتها اللواتي كن يضطلعن بدور اجتماعي كبير.

يصنع العرق في جميع مدن السودان ومناطقه. تبدأ عملية إنتاجه بالتخمير أولاً، نحو 3 أيام، ثم يتم وضعه في قدر على النار، مواده من الحطب، فوق هذا القدر توضع آنية مخرمة، ثم توضع في باطنها آنية بلاستيكية، ثم آنية من النيكل، يوضع بها ماء بارد يتم تبديله كلما ارتفعت درجة حرارته، ثم يُستر كل ذلك بجولات من قماش الخيش، لتبدأ عملية تقطيره، التي تستغرق ساعات. وفي الغالب تقوم بصناعته النساء، وتصل نسبة تركيزه بعد إنتاجه، في حدها الأعلى إلى 40%، كما تقول المتخصصة في تقنية المختبرات الطبية، شاهناز جمال، لرصيف22، وتضيف: "إلا أن معدل تركيزه أقل من الـ40%".

العرق السوداني - صورة 2

ومع تردي الأوضاع الاقتصادية، وغلاء مواد إنتاجه، صار الغش في صناعة العرق معروفاً في أوساط الشاربين والمهتمين، إذ يتم إضافة مواد كيماوية، بعيداً عن مواد تصنيعه الطبيعية، وهي تتسبب بمشاكل صحيّة كثيرة، بحسب جمال.

ويبلغ سعر زجاجة العرق في الخرطوم الآن، نحو خمسة وعشرين جنيهاً (ما يعادل 3 دولارات أميركية).

مشروب الرؤساء المحرم على الشعب

النظرة إلى شرب العرق السوداني، اجتماعياً وثقافياً متحركة، والمحدد في ذلك هو الأوضاع السياسية، وصراع القيم. في تاريخ السودان الحديث، كانت توجد اندايات، ومشارب علنية، وبارات، تشير إلى أن المجتمع لم يكن ينظر إلى شرب الخمر بعنف، بل يعده جزءاً من نمط حياته، وأمراً اعتيادياً، ومقبولاً.

ويعزو الباحث والكاتب السوداني الدكتور حيدر إبراهيم علي تساهل السودانيين مع شرب الخمر برغم أن الإسلام يحرمها، إلى ما سماها "العلمانية الشعبية".

ويعرف السودانيون أن أحد رؤسائهم كان يتعاطى العرق، إذ بدأ حكمه يسارياً وانتهى يمينياً بعدما أطاحته ثورة شعبية. وهنا تورد الحكايات الشعبية، أن ذلك الرئيس عندما كان ضابطاً في القوات المسلحة السودانية، شرب عند إحدى بائعات العرق في مدينة القضارف شرقي السودان، ولم يسدد لها حسابها كاملاً، وحين عاد إلى القضارف مرة أخرى كرئيس، طالبته بائعة العرق بمالها. تضيف الحكاية الشعبية أنه عوضها عن ذلك بمنحها منزلاً.

واشتهر كذلك فنانون وسياسيون ومثقفون سودانيون بتعاطي الخمر، ولم يكن ينقص ذلك من إعجاب الناس بهم. وفي سنوات خلت، وربما إلى الآن، كان لا يرفض طلب شارب الخمر للزواج، لأنه لا يعيب الرجل.

وقد حرّمت الدولة المهدية (1885-1898)، شرب الخمر، وكانت تعاقب عليه بالجلد، ثم تلاها نظام مايو (1969-1985)، بزعامة الرئيس الراحل جعفر نميري، الذي منع شرب الخمر نهائياً في سبتمبر 1983، بعد أن أعلن تطبيقه قوانين الشريعة الإسلامية، ولا يزال يذكر كثير من السودانيين بحسرة رمي آلاف اللترات من أنواع الخمور المختلفة بما فيها العرق، في جوف نهر النيل، ثم منعها أخيراً نظام البشير الذي يحكم السودان منذ العام 1989.

ولم يؤثر منع شرب الخمور في القضاء على ثقافة صناعة وشرب الخمور السودانية، برغم جلد متعاطيها وصانعيها وسجنهم وتغريمهم والتنكيل بهم. ويغصّ سجن النساء في أم درمان بالمئات منهم، بل إن العكس صحيح، فقد تضاعف شرب الخمر في عهد النظام الحالي، رغم تشديد العقوبات، كما أوضح مؤشر تعاطي الخمر في الدول العربية 2014، إذ حل السودان في المرتبة الثانية بعد تونس.

وتوجد خمور محلية أخرى، بخلاف العرق والمريسة، مثل البقنية، والبغو، والعسلية برغم أن "المريسة" و"البغو" ينظر إليهما منتجوهما على أنهما غذاء، وذلك في بعض مناطق إقليم دارفور غربي السودان، وفي بعض مناطق إقليم كردفان جنوباً، إلا أن القانون يعاقب شاربيهما باعتبارهما شرابين مسكرين.

قاص وروائي سوداني. حائز على جائزة الطيب صالح التقديرية للرواية في عام 2013 . عمل سابقا محررا بعدد من الصحف، ويعمل حاليا في الصحافة الإلكترونية.

التعليقات

المقال التالي