نعم، هناك تمييز ضد حاملي فيروس HIV في لبنان

نعم، هناك تمييز ضد حاملي فيروس HIV في لبنان

المرة الأولى التي اختبر فيها العالم فيروس HIV ومرض الـAIDS الناتج عنه، كانت في بداية ثمانينيات القرن الماضي. والمرة الأولى التي سجل فيها لبنان حالة إصابة بالمرض كانت عام 1984.

الأكيد أن العالم، في دوله المتحضرة، طوّر تقنيات دفاعية ضد المرض، وعلى الرغم من عدم إيجاد العلاج الكافي له بعد، فإن السنوات الثلاثين الماضية كانت كفيلة بتجاوز الذهول، والقفز إلى اكتشاف الحلول. لكن الأمر مختلف في العالم العربي، فالجنس وما يرتبط به تابو، وخصوصاً الأمراض الناجمة عنه، وهو في أذهان الكثير من الناس ناتج عن الدعارة.

في اليوم العالمي للـAIDS، هل يختلف لبنان عن غيره من الدول العربية، كونه من أكثرها انفتاحاً في التعامل الاجتماعي، وحتى القانوني، مع حاملي فيروس HIV؟ 

عيّن مركز جمعية "مرسى" للصحة الجنسية، وهي منظمة لبنانية غير حكومية تعنى بمواضيع الثقافة والصحة الجنسية، أسبوع  حافلاً بالنشاط التثقيفي والإعلامي، بمناسبة اليوم العالمي للإيدز، للتحدث عن الفيروس والمرض في لبنان. يهدف النشاط المتنوع إلى نشر التوعية الوقائية من المرض، وحثّ الناس على القيام بفحوص دورية لاكتشافه منذ بدايته، وتغيير الصورة النمطية السائدة في المجتمع حول الإيدز، للتعامل معه كمرض طبيعي يشبه أي مرض آخر.

أقوال جاهزة

شارك غردلا يستطيع حاملي فيروس الـHIV العمل في بعض المصارف اللبنانية!

تتناول مرسى سنوياً أحد جوانب معاناة حاملي فيروس HIV، وكان موضوع هذا العام الرئيسي هو "التمييز ضد حاملي فيروس HIV". فعلى الرغم من أن الكثير من اللبنانيين يعتقدون أن حاملي الفيروس يمارسون حياتهم بشكل طبيعي، هنالك بعض الحقائق والقصص المروية تقول عكس ذلك.

الدور الرسمي

قبل الدخول في الجوانب المظلمة للإصابة بفيروس HIV في لبنان، لا بد من الإشارة إلى أن وزارة الصحة اللبنانية تغطي علاج حاملي الفيروس مجاناً، وتعقد مؤتمرات للتوعية والحد من الإصابة كل عام. كذلك تحافظ على خصوصية الحالات المسجلة في الوزارة، فلا تكشف أسماء أصحابها وتفصل ملفاتهم بعضها عن بعض، وتشمل أيضاً تغطية علاج اللاجئين الفلسطينيين والسوريين حاملي الفيروس، بالتعاون مع المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة لهيئة الأمم المتحدة.

يقول زياد باسيل، منسق التواصل والميديا في جمعية مرسى: "تعمل وزارة الصحة بشكل إيجابي في هذا المجال، ولكن عدد المسجلين في الوزارة هم 1900 حالة فقط، بينما تشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية إلى أن حاملي الفيروس في لبنان جاوز عددهم الـ30 ألفاً". وعلى الرغم من أن إحصاءات منظمة الصحة العالمية لا تتصف بالدقة الكافية، لعدم وجود الآليات الكافية على الأرض، فهي تبقى الأقرب إلى الحقيقة. فهناك الآلاف من المصابين ممن يخشون الذهاب إلى الوزارة وتسجيل حالاتهم فيها، لغياب الثقة بينهم وبين الدولة في هذا المجال، ولخوفهم من أن يكشف أمرهم، وفي الكثير من الأوقات لعدم معرفتهم إنهم يحملون الفيروس.

شركات التأمين تنفي حاملي الفيروس

هناك سبب وراء عدم كشف وزارة الصحة عن الأسماء الورادة إليها أمام شركات التأمين الخاصة بهم، فبالإضافة إلى أنهم ليسوا مستعدين لتغطية أي نوع من أنواع العلاج أو الفحوص الدورية التي يقوم بها المريض، توقف شركات التأمين التغطية التأمينية الكاملة عن المريض حين تكتشف أمره.

يعمل موريس في إحدى منظمات المجتمع المدني غير الحكومية، وهو شابٌ في السادسة والعشرين من عمره، يحمل فيروس الـHIV، وقد اكتشفه مبكراً، وسجل حالته في وزارة الصحة. يقول لرصيف22 : "لا أستطيع التصريح لشركة التأمين إنني أحمل الفيروس لأنها تقطع التأمين فوراً، فعلاجي مكلف جداً، أجري فحوصاً دورية لمتابعة المرض، وعندما أخضع لفحوص الدم، أقوم بها على حسابي الخاص، لأنها قد توحي لشركة التأمين أنها متعلقة بالإيدز".

نعتذر عن توظيفكم عندنا!

تمييز ضد حاملي فيروس HIV في لبنان

يظهر أيضاً التمييز جلياً في بعض المواقف التي قد يتعرض لها حامل الفيروس على المستوى المهني، فهناك الكثير من القصص عن شركات طردت موظفيها عندما اكتشفت أمر مرضهم. ويتم الأمر غالباً بطرق غير مباشرة، فلا يقول المدير للمصاب إن السبب هو حمله للمرض، بل يتذرع بحجج أخرى. لكن باسيل يؤكد أن معظم الحالات التي تتابعها مرسى، ممن طردوا من عملهم، حدث ذلك معهم مباشرة، بعد الكشف عن إصابتهم. ويأتي ذلك نتيجةً للجهل والتعتيم حول الموضوع. فيظن صاحب العمل أن المصاب قد يؤذي أو يعدي بقية الموظفين، معتقداً أن الفيروس ينتقل بمجرد الحضور أو التواصل اللمسي مع حامله. وتعتبر المصارف من السباقين في هذا المجال، فعليكم قبل أن تحاولوا التوظف في مصرف لبناني فحص الدم الذي يكشف الفيروس، وإذا كانت النتيجة إيجابية فلا تحلموا بالحصول على العمل.

العائلة والأصدقاء

تتفاوت البيئات اللبنانية في انفتاحها، حسب مناطقها، فقد يموت سر حامل الفيروس معه في بعض المناطق، وقد يؤدي هذا الخوف من البوح إلى موت المريض من دون علاج. لكن ارتباط الموضوع بالجنس، وانتقاله عن طريق التواصل الجنسي، غالباً "غير الشرعي" يحيل كشف الموضوع بسهولة، لأن في ذلك حسب التقاليد العائلية، في المناطق المغلقة، عاراً على العائلة.

مقالات أخرى

الإيدز بأرقام عربية قاسية

مرضى الإيدز السعوديون يفضّلون العيش في السر

فلم يخبر موريس مثلاً أفراد عائلته، لأنه يخاف عليهم من الحزن وعدم تقبل الأمر. ويخاف من توصيفه بصفات قد لا تشبهه، لكنه أخبر نحو 5 إلى 10 من أصدقائه، ممن يثق أنهم سيتفهمون وضعه من دون إطلاق أحكام مسبقة عليه. يقول: "العائلة ستحزن كثيراً إذا عرفت، فليس لديهم الوعي الكافي لمعرفة أنني شخص طبيعي، مصاب بفيروس، لست مريضاً وأستطيع القيام بكل مهماتي الطبيعية وحدي، أحاول توعيتهم حول الأمر، لكنني لن أصل إلى مرحلة إخبارهم أبداً". علماً أن موريس ليس من القصص الأكثر قسوة في هذا المجال.

وللتمييز أشكال كثيرة، منها التمييز الإيجابي مثلاً. وهو المبالغة في التعاطف مع الحالة، من منطلق أن الشخص الحامل للفيروس يشكل حالة إنسانية صعبة. فحين أخبر موريس بعض أصدقائه، بدأوا بمعاملته بشكل غريب، واحد منهم، بدأ بأخذ الطعام له كل يوم إلى العمل، الأمر الذي دفعه إلى أن يطلب منه أن يكف عن ذلك، لأن ذلك يشعره بالتمييز والاختلاف، وهو يحاول أن يعيش بشكل طبيعي.

تبرز أيضاً مشكلة السفر إلى الدول العربية، لأن معظمها وخصوصاً دول الخليج، تطلب فحصاً للدم قبل منح الزائر تأشيرة الدخول إلى أراضيها. فإذا كان حاملاً للفيروس تمنعه من ذلك "خوفاً من ازدياد انتشار المرض في البلاد". وقد ذهب موريس في الصيف الماضي إلى كردستان العراق بغرض العمل، لكن كان عليه أن يطلب الفيزا عن طريق منظمته من العراق مباشرةً، لا عن طريق السفارة في بيروت، وقد حدث بعض الالتفاف على القوانين بالتعاون مع رؤساء عمله، حتى لا يكشف أمره.

حال لبنان أفضل كثيراً من حال غيره من الدول العربية، التي ما زالت تنكر الموضوع تماماً، وتحاول إخفاءه وعدم التعامل معه. قد يكون اللبناني الحامل للفيروس وصمة عار اجتماعية في بعض المناطق، إلا أن العلاج متوافرٌ مجاناً في وزارة الصحة الحكومية على الأقل، لكن ذلك لا ينفي مشكلة الأعداد وتفاوتها، والتمييز الحاصل في حق المرضى. 

كلمات مفتاحية
لبنان

التعليقات

المقال التالي