رها المحرق: لا تدعي أحداً يحطّم أحلامكِ

رها المحرق: لا تدعي أحداً يحطّم أحلامكِ

لم تكن رها المحرق تدرك، عند تسلّقها أعلى قمة في العالم، أنّها ستتّحول إلى نموذج للعديد من الفتيات في العالم العربي، وأن حلمها الشخصي سيتحوّل إلى مثال لمواجهة التحديات الجسدية والنفسية، والأهم العائلية والاجتماعية. فبعد مرور عامين على تسلق السعودية رها المحرق جبل Everest، باتت تُشارك في الفعاليات والنشاطات في مختلف الدول العربية لتروي قصّتها كأول سعودية وأصغر عربية تتصدّى لهذه القمة.

كيف بدأت القصة؟

رها المحرق - صورة 1

اعلان


تقول المحرق لرصيف22: "بصراحة، كانت فترة أراد فيها والداي أن استقرّ وأعود إلى السعودية وأتزوّج. اعتبرا أن الوقت حان لذلك، بينما لم أكن أشعر أنني مستعدة. لم أكن أريد أن أقوم بما يُطلب مني لأنني لم أكن موافقة". كانت حينها في الـ25 من عمرها، وكان الوقت قد تأخّر، بالنسبة إلى أهلها، للزواج. فعادت إلى المملكة، وبدأت تفكر بما تريد القيام به. 

أقوال جاهزة

شارك غردروّضت رها المحرق أعلى قمة في العالم، إلا أنها أثارت سخط وانتقاد الكثير من السعوديين

شارك غردرها المحرق: "كامرأة سعودية أستطيع أن أقف وأقول، لقد وقفت على أعلى قمة في العالم، فمن يستطيع القول إنكن غير قادرات"

تضيف: "أردت القيام بشيء مختلف، ثوري بعض الشيء، يغيظهما. فبدأت بعض الأبحاث على الانترنت من دون جدوى، إلى أن قرأت عن فتاة تسلّقت قمة كيلمنجارو، فبدأت أطرح الأسئلة عن الموضوع الذي استحوذ على انتباهي لأنه كان مثالياً إذ إنه خطير، في بلد جديد، وأنا أحب المغامرة ورياضية".

هنا بدأت رحلتها في حب تسلّق الجبال، التي اعتبرت أنها قامت بها أولاً من أجل نفسها. رحلة انطلقت من قمة كيلمنجارو، حيث كادت تُقتل لنقص الخبرة والتجربة. توضح: "عانيت من ارتفاع الحرارة وأصبت بالعمى جراء الثلج في عينيّ. ولكن، حين وصلت إلى القمة وأشرقت الشمس وذاب الثلج من عينيّ، واتّضح المنظر، أصبحت مدمنة على الشعور بتحقيق الإنجاز". فراحت تتسلّق الجبل تلو الآخر إلى أن وصلتها دعوة للمشاركة في مخيم جبل Everest وتلتحق بقائمة أول 10 سعوديات يتسلقن هذا الجبل. وحين وقع نظرها للمرة الأولى على هذا الجبل، عرفت المحرق في نفسها أنها ستعود وتتسلّقه وسيصبح ملكاً لها.

لكنها أخفت حينذاك رغبتها تلك عن والديها، اللذين أدركا أن ابنتهما وجدت شغفاً جديداً، وتحمل بريقاً مختلفاً في عينيها. فبدأت سراً التخطيط لرحلتها، إلا أن الشركة التي أرادت الصعود معها رفضت بداية الأمر لأنها قليلة الخبرة. أمر لم يفقدها عزيمتها، فتسلقت 8 جبال في غضون عام واحد. وعندما أخبرت والدها عن مشروعها "فقد أعصابه وقال لي لم أمنعك من تسلق الجبال ولكن قمة أفيريست خط أحمر"، تقول المحرق. لكنه عاد وغيّر رأيه، مشدداً على أن تعده بأمرين: "لا تضغطي على نفسك وسأعدك في المقابل بأنه متى تعودين سأرسلك من جديد".

وهنا تُشدّد المحرق على أنّها كانت ستتخلى عن حلمها لو لم تحصل على موافقة والديها، لأنها لم تشأ الذهاب من دون مباركتهما ودعمهما. وكسبت الرهان وتسلّقت مع فريق ضمّ فلسطينياً وإيرانياً وقطرياً وآخرين من جنسيات مختلفة عام 2013، إلا أن رهان إثبات نفسها ضمن فريق من الشباب لم يكن سهلاً أيضاً. وتشرح: "هي المعارك نفسها التي يجب الفوز بها، والعقبات نفسها التي يجب كسرها. وكان لا بد لي أن أكون أكثر متسلقة فعالية وأكثرهم ذكاءً". أما في ما يتعلّق بالصعوبات الأخرى، تحدثت المحرق عن مشكلة النظافة: "لدي شعر طويل وكان نقص الحمام والنظافة كارثة بالنسبة إلي لأننا لم نكن نحصل على دلو ماء إلا كل 10 أيام، وقد أمضينا شهرين!". أما مشكلتها الجسدية الأخرى فكانت البرد، خصوصاً أن ابنة الصحراء ليست معتادة عليه، وتعتبره نقطة ضعفها.

على الرغم من كل المصاعب الجسدية، تعترف المحرق أن أكثر ما أثر بها لا علاقة له بالجبل، بل حين وصلت إلى السعودية ورأت والديها في المطار. تقول: "بعد تسلّقي الجبل وكل الضجة التي لقيتها، لم أكن أفكّر إلا بأمي وأبي وكنت قلقة حيال موقفهما. ولكن، عندما وصلت، لم أرَ في عينيهما سوى الفخر. لم يهتمّا بكل الانتقادات السلبية، وبالتغريدات على تويتر. نسيت كل ما عانيته على الجبل لأن ردة فعلهما كانت الأهم خصوصاً أنني كنت خائفة من أن يشعرا بالندم على قرارهما".

دروس ونصائح

قد تكون المحرق روّضت أعلى قمة في العالم، إلا أنها أثارت سخط وانتقاد الكثير من السعوديين. فعلى الرغم من أن والديها دعماها، إلا أن عائلتها ومجتمعها لم يفعل. تقول: "هذه رياضة. أنجزت أمراً قليلون هم الرجال الذين يحلمون بتحقيقه. هل تتخيّلون الصدمة التي أحدثتها لعقلياتهم وتفكيرهم؟ كثيرون لم يفهموا، واعتبروا أنني أهنتهم، وغضبوا لأنني اخترت رياضة ذكورية. إلا أنهم نسوا كلياً أن امرأة سعودية حملت علم بلادها على أعلى قمة في العالم في وقت محدد من الزمن".

مقالات أخرى

لولو الخازن باز وتجربة تأسيس موقع Nabbesh لتبادل المهارات

كيف تنجح المرأة العربية في القيادة والأعمال؟

حتى أن السلطات السعودية لم تعترف بإنجاز المحرق إلا بعد 6 أشهر من ذلك، واعترفت بها كأول سعودية رياضية وكرّمتها. وعلى الرغم من ذلك "الرفض الاجتماعي"، ترى المحرق أن أكثر ما تعلّمته هو: "لا نختار أين سننتهي في نهاية المطاف... أنا تحوّلت إلى مثال بالصدفة". وتضيف: "لا يمكننا السيطرة على ظروف الحياة، بل على كيفية التعامل معها. لذلك، قررت أن أكون قدوة وأن أكشف للفتيات من خلال التحدث في الفعاليات، أنهن يستطعن تحقيق كل ما يؤمن أنه حلمهن، لأنني كامرأة سعودية أستطيع أن أقف وأقول، لقد وقفت على أعلى قمة في العالم، فمن يستطيع أن يقول أنكن غير قادرات". وتختم: "أنا لا أعظ فحسب، بل أملك الندوب والقصص لإثبات ما قمت به".

تعيش اليوم المحرق في دبي، وستنهي قريباً ديبلوماً في الدراسات العليا، وتفكّر في إصدار كتاب لأن العديد من الناس يطلبون ذلك منها، خصوصاً والدها الذي يردّد لها دوماً: "استطعت أن تغيّري رأيي، فلا شك أنك ستنجحين في تغيير رأي الآخرين". وتبقى نصيحة المحرق، التي تحلم اليوم بالذهاب إلى الفضاء، لكل الفتيات العربيات: "اختاري معاركك وكوني حذقة في اختيارك. ولا تنسي أنك تملكين صوتاً فلا تترددي في استخدامه ولا تفكّري يوماً أن حلمك لا يستحق النضال".

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

التعليقات

المقال التالي