هل يمكن أن تستمر العلاقة الزوجية بدون إنجاب أطفال؟

هل يمكن أن تستمر العلاقة الزوجية بدون إنجاب أطفال؟

تكوين أسرة وإنجاب أطفال حلم كل زوجين، فمشاعر الأمومة والأبوة فطرة لدى كل شخص، ولكن في حالات كثيرة تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. فهل يؤدي عدم الإنجاب إلى الانفصال؟

السؤال الأهم هو "لماذا نريد الارتباط؟" وما هي رغباتنا وتوقعاتنا من العلاقة الزوجية؟ فبحسب الأهداف الموضوعة مسبقاً يمكن تحديد ما إذا كانت المؤسسة الزوجية ستنجح أو ستفشل في حالة عدم الإنجاب. عن هذا كله تحدثت لرصيف22 المعالجة النفسية المختصة بالعلاج العائلي ريما نعمة.

اعلان


قالت نعمة "إذا كان الهدف الأول هو إنجاب الأطفال، فمن الطبيعي أن العلاقة ستنتهي إذا لم يتمكن أحد الطرفين من الإنجاب. وأما إذا كان طرفا الزواج متحابين وزواجهما قائماً على أسس أخرى، فإن الإنجاب لن يشكل عائقاً أمام استمرار زواجهما".

ولفتت إلى أن "الزواج الناجح قائم على بضعة معايير، منها الاحترام المتبادل والحب والمودة والتكافل بين الشريكين في السراء والضراء وتحقيق الذات من خلال الشراكة ووجود رؤية مسقبلية واحدة وأهداف مشتركة والقدرة على التواصل الإيجابي وتبادل الآراء والحوار إضافة إلى الإخلاص والصدق والوضوح والصراحة".

تجربة حياة

وروى حسين جابر، موظف حكومي لبناني، لرصيف22 أنه تزوج قبل ثلاث سنوات واكتشف بعد سنتين أنه يعاني من مشكلة في الإنجاب. ومع أنه كان قد اتفق مع زوجته منذ البداية على أنهما سيكملان حياتهما سوياً "ولكننا لم نكن نتوقع مواجهة مشاكل في الإنجاب ولم نكن بوارد التفكير في هذا الموضوع". أما زوجته إلهام فقالت إن "الطفل مهم ويزيد المحبة بين الشريكين ويوطد العلاقة ويكمل الحياة الزوجية لكنه لن يكون عائقاً لأنني مؤمنة بإرادة الله".

أقوال جاهزة

شارك غردالحياة الزوجية يمكن أن تستمر من دون إنجاب أطفال

شارك غردتحفل مجتمعاتنا بقصص زواج درامية: زوجة طلبت من زوجها أن يتزوج أخرى كي ينجب الأطفال بعد مضي 20 عاماً على زواجهما

واعتبر حسين أن لزواجه هدفين هما الحب وتكوين أسرة. أما إلهام فأكّدت أنها تفضّل البقاء مع زوجها والوقوف إلى جانبه ومساعدته من أجل تخطي المشكلة سوياً ولا تريد المخاطرة بزواجها لأن "السعادة لا تقتصر على الأطفال، وربما تنجب إحدى النساء أكثر من طفل ولكنها لن تحصل على السعادة لأسباب عدة".

أوضاع غير متكافئة

إذا كان الطرفان غير منجبين فإن المسألة تكون سهلة لأنهما سيحافظان على توازنهما النفسي بسبب الشعور بالتساوي. وتصبح العلاقة غاية في التعقيد على الصعيد النفسي حين يكون أحد الطرفين فقط غير منجب. وهنا يجب اللجوء إلى الحوار والوضوح والصراحة لكشف رغبات كل منهما وقابلية علاقتهما للاستمرار.

وتؤكد نعمة أن هناك اختلافاً كبيراً بين أن يكون الرجل هو سبب عدم الإنجاب وبين أن تكون المرأة هي السبب. ففي الحالة الأولى يتقبل المجتمع الأمر ويعتبره عادياً ويُقال للزوجة "هذه قسمتك ونصيبك ويجب أن ترضي بما كتب الله لك". أما في الحالة الثانية فيتم تحريض الرجل على الطلاق أو على الزواج بامرأة أخرى علّه ينجح في الإنجاب. وفي هذه الحال، كثيراً ما تخضع الزوجة لرغبات المجتمع.

ولفتت إلهام إلى أن طبيعة تعامل المجتمع مع الموضوع مزعجة، "فالبعض فضولي ويسألني هل المشكلة منك أم من زوجك؟ ما اسم الدكتور الذي ذهبتما إليه؟ ما الفحوص التي أجريتماها؟ ثم يبدأ بإسداء جملة من النصائح. ولكن إجابتي تقتصر على "هذا قضاء الله وقدره" لأنني أخاف أن يشعر زوجي بأيّة مشاعر سلبية".

وأشارت المعالجة النفسية لينا صادق غطيمي إلى أن "الضغط الاجتماعي يمكن ملاحظته بسهولة من خلال التعابير الاجتماعية كالقول "نفرحلكن بعريس وانشالله بتفرحوا من أولادكن وبتزينو البيت بعروس" وقد يترجم الجسد هذه الضغوط الاجتماعية والنفسية والاضطرابات العاطفية الحادة بشكل أوجاع غير مبررة طبياً".

كثيرة هي النصائح والمقولات التي تقدم للرجل محذّرة إيّاه من اندثار نسله واسمه كـ"يجب أن تنجب كي يحمل طفلك اسمك"، ومولّدة لديه خوفاً من ضياع سيرته وماضيه ومستقبله، فالرجل يتباهى بلقب "أبي فلان". في المقابل يتم تحريض المرأة، بنسبة أقل طبعاً، عبر القول "لماذا يجب أن تعيشي حياتك دون أطفال وأن تحرمي نفسك من الشعور بالأمومة" وربما يؤدي هذا إلى تدهور العلاقة الزوجية، بحسب غطيمي.

مشاعر مؤلمة

تؤدي الرغبة القوية في الحمل إلى توليد ضغط وقلق مع مرور الزمن مما يزيد من نسبة عدم الإنجاب. لذلك يسعى العلاج النفسي الأسري إلى مساعدة الشريكين على التخلص من القلق والضغط والإحباط والمشاعر السلبية.

وترى نعمة أن المسؤولية عن استمرار الزواج بلا إنجاب تقع بشكل كبير على الطرف الذي لا يعاني من الخلل في الإنجاب، فهو الأقدر على احتواء الآخر وضبط العلاقة الزوجية وتخطي الأزمة واستيعاب الشريك.

ومعروف أن أنوثة المرأة تكتمل بالحمل والولادة والشعور بالأمومة. أما في حالة عدم الإنجاب فإنها تشعر بالنقص والدونية والخلل في هويتها كامرأة. لا تتخلى المرأة بسهولة عن حلمها في الإنجاب. "كإمرأة لدي إحساس بأنني سأنجب في يوم من الأيام، وهذا إيمان راسخ في قلبي. سأصبح والدة لطفل جميل"، قالت إلهام.

وقال حسين إن "الرجال عادة يخجلون من الاعتراف بأنهم غير منجبين ولكنني لا أخجل من ذلك وأعترف بأنني السبب في عدم الإنجاب" مضيفاً أن "القلق يكبر كل يوم وهنالك مشاعر أخرى صعبة كأن تشاهد أطفال غيرك يلعبون ويذهبون صباحاً إلى المدارس".

وتابع أنه "كلما طالت مدة العلاج زاد القلق والإحباط والكآبة". لكنه يصرّ على المحاولة حتى الرمق الأخير والتحلي بالصبر لمواجهة كل الاحتمالات "بهدف إنجاح زواجنا".

التعويض طريق النجاح

الرتابة والروتين يمكن أن يصيبا أيّ زوجين حتى لو كان لديهما أطفال إذا لم يعملا على إيجاد اهتمامات مشتركة. وترى لينا صادق أن على الشريكين تجنّب تدخل أطراف غير محايدة كالأهل والأقارب، ويجب عليهما زيارة الطبيب والحصول على استشارة معالج نفسي.

وأضافت أن "القلق يبدأ لدى الشريكين ويتزايد تدريجياً مع الوقت خاصة في حال تقاطع ظروف خارجية بشكل سلبي وإذا لم تتوافر ظروف داخلية بين الزوجين من أجل تخفيف حدة الضغط النفسي والقلق والإحباط والخوف وكلها مشاعر يمكن أن تفتح الباب أمام انعدام التفاهم والاتزان بين الشريكين".

ويمكن للشريكين التعويض عن النقص من خلال السفر وممارسة الهوايات المشتركة والتطوع في النوادي والجمعيات التي تعنى بمساعدة الأطفال والنساء وذوي الحاجات الخاصة وتسعى إلى تحقيق أهداف إنسانية. ولكن شرط نجاح ذلك هو الاتفاق على الاستمرار في الزواج بشكل واضح وصريح.

قصص زواج درامية

تحفل مجتمعاتنا بقصص زواج درامية. منها على سبيل المثال أن زوجة طلبت من زوجها أن يتزوج امرأة أخرى كي ينجب الأطفال بعد مضي عشرين عاماً على زواجهما وكانت بمثابة "الأم الحاضنة" لأطفال زوجها. ويحكى عن زوج قرر أن يتزوج للمرة الثانية بعد مضي أكثر من 15 عاماً كي ينجب طفلاً وعندما أقدم على ذلك اكتشف أن زوجته الأولى حامل.

لا يتردد البعض في الانفصال عن شريكه في سبيل الإنجاب ويرى أن من حق أي طرف أن ينهي العلاقة في حال عدم الإنجاب. بينما يرى آخرون أن شريكهم يمكن أن يعوّض عدم وجود الأطفال إذا كانت العلاقة قوامها الحب والمودة، وبالتالي يصبح الشريك هو الطفل المدلل وتأخذ العلاقة الزوجية منحى أكبر من اهتمام الزوجين أحدهما بالآخر.

البدائل

تتنوّع الحلول بين الاتفاق على تبني طفل في حال كان القانون يسمح بذلك أو الطلاق أو زواج الرجل بامرأة أخرى أو الاستمرار بتلقي العلاج وعدم فقدان الأمل او الرضى بالوضع القائم. "والحلول يجب أن تكون بالتراضي"، أشارت نعمة.

ويعدّ التبنّي من أفضل الخيارات فهو خيار إنساني لأن الزوجين يقومان بمساعدة طفل لا أهل له، ونسبة نجاح الشريكين في تأدية هذه المهمة مرتفعة جداً. ولكن المشكلة تكمن في أن بعض الديانات كالإسلام يحرّم التبني.

لا يتردد حسين في القول إن احتمال التبني لطفل وارد جداً ولكن إجراءاته صعبة في لبنان كونه مسلماً مع أن لا مشكلة لديه في مخالفة الأصول الشرعية الإسلامية، ففي نظره "الإسلام دين محبة والتبني عمل إنساني وهذا هدف الدين".

مقالات أخرى

الزواج العرفي وسيلة التونسيين إلى ممارسة الجنس الحلال

أغرب الأعراس في العالم العربي: عرس البيضان في موريتانيا

في المقابل تشعر إلهام بعدم الرغبة في التبني وقالت: "أريد أن أنجب طفلاً وأحمله في بطني لإشباع غريزة الأمومة، وأخاف من عدم نشوء علاقة أمومية بيني وبين الطفل المتبنى، فكيف سأربي طفلاً ليس لي؟"، مضيفةً أن فكرة الأمومة تسيطر على الأنثى مهما حاولت إخفاءها ونسيانها، ولكنها استدركت: "لست متأكدة من طبيعة مشاعري وربما سيتغير كل شيء من الناحية السيكولوجية في اللحظة التي أحمل الطفل بين يدي".

"لماذا يجب أن يتوّج الزواج بالأطفال فقط؟"، تتساءل نعمة وتشير إلى أن هنالك أشكالاً كثيرة يمكن للزواج أن يأخذها لنجاح العلاقة الزوجية. وتعتبر أن الفشل في الإنجاب هو ظرف من الظروف الصعبة التي يمر بها كل شريكين في مؤسسة أسرية خلال مسيرتهما الزوجية، وعليهما تخطي ذلك والبحث عن حلول وبدائل أخرى لإنجاح علاقتهما وتحقيق السعادة.

فراس حمية

مسرحي وكاتب صحفي مقيم في لبنان. حائز على إجازة في التمثيل من معهد الفنون الجميلة ودبلوم في الإعلام والأديان من جامعة القديس يوسف في بيروت.

التعليقات

المقال التالي