العالم يواجه التغير المناخي والدور العربي "مُعرقل"

العالم يواجه التغير المناخي والدور العربي "مُعرقل"

يتزايد الاهتمام العالمي بقضية التغير المناخي مع اقتراب مؤتمر باريس، الذي يعدّه كثيرون الفرصة الأخيرة للبشرية، لتنقذ نفسها من آثار أنشطتها الصناعية، التي قد تحول كوكب الأرض إلى مكانٍ غير صالح للحياة. وفي حين تنشغل معظم الدول العربية بقضايا سياسية وأمنية تبدو أكثر إلحاحاً، فإن قضية الاحتباس الحراري تزداد إلحاحاً فيها، إذ ستكون من أولى المناطق الجغرافية تضرراً.

بدء إجلاء السكان

ذكرت دراسة نشرت أخيراً في Nature Climate Change أن أجزاء عدة من الشرق الأوسط لن تكون صالحة للمعيشة بنهاية القرن الجاري. إذ توقعت الدراسة أن تشهد بضع مدن سلسلة من موجات الحر، تؤدي إلى مناخ لا يمكن للجسم البشري تحمله. وأشارت إلى أن درجة الحرارة/الرطوبة المعتمدة كحد أقصى يمكن للإنسان احتماله، سبق أن وصلت إليها "تقريباً" مناطق في إيران هذا العام. وقائمة المدن التي ستشهد هذه الموجات بدءاً من سنة 2070، تشمل دبي، وأبو ظبي، والدوحة، ومدناً ساحلية في إيران، كما أنها قد تهدد سلامة إحياء شعائر الحج حين يقع موعدها في الصيف.

دول الشرق الأوسط ليست وحدها المهددة بالآثار القريبة زمنياً للاحتباس الحراري، مناطق عدة في كل من أفريقيا والمحيط الهادىء وأوروبا الشمالية مهددة بتحمل ظروف مناخية وجيولوجية مغايرة عن تلك المعتادة، تتمثل في ارتفاعات قياسية لدرجات الحرارة، وارتفاع منسوب المحيطات بسبب ذوبان الجليد. من بينها دولة (جزيرة) كيريباتي التي أعلنت حكومتها عام 2012، أن ارتفاع مستوى سطح البحر بدأ بالفعل بالتهام أجزاء من سواحلها، وأنها بدأت بإجلاء سكانها إلى العاصمة تاوارا، وتعمل على مخطط لإخلاء سكان البلاد إلى جزيرة فانوا ليفو ثاني أكبر جزر فيجي. لتكون رسمياً أول دولة تتهيأ للزوال بسبب التغيير المناخي.

البشرية تتفاوض

وإن كان التشاؤم المفرط هو ما يسود بين المهتمين بمسائل تغير المناخ، فإن التاريخ يقدم مثالاً على قدرة البشرية تجاوز أخطائها، وإن كانت الكلفة الاقتصادية أصغر من المطلوبة الآن، فقد تراجع استنزاف طبقة الأوزون بدءاً من عام 2003، نتيجة المنع الواسع لاستخدام غاز الكلوروفلوروكربون Chlorofluorocarbons بدءاً من عام 1978 في السويد، وانتهاءً ببروتوكول مونتريال والمنع التام لاستخدامه عام 1996.

تنعقد في 30 نوفمبر في العاصمة الفرنسية باريس الدورة الحادية والعشرين لمؤتمر الأمم المتحدة بشأن المناخ. ويكتسب هذا المؤتمر أهمية كبرى في مستقبل الكوكب، إذ يجب أن يسفر عن اتفاق دولي يؤدي إلى خفض الانبعاثات بما يكفي لتفادي كوارث بيئية في العقود المقبلة. وقد بدأت الدول منذ عام بإعلان خططها وتعهداتها تمهيداً للمشاركة في باريس 2015، فالبيان الذي أصدرته منظمة Indyact التي تتخذ من بيروت مقراً لها، يقول إن "120 دولة قدمت خطط وتعهدات لتقليل الانبعاثات بما يشكل 85% من الانبعاثات الكربونية على مستوى العالم".

أقوال جاهزة

شارك غردعلى الدول العربية النفطية أن تلعب دوراً جوهرياً في تشكيل اتفاقية ستغير مستقبل البشرية جمعاء

شارك غردالسعودية، ثاني أكبر منتج للنفط في العالم، من أكبر معرقلي العمل للحد من التغير المناخي اليوم

ويأمل كثيرون أن ينتج عن المؤتمر بديل لاتفاقية كيوتو عام 2009، وتمديد مقررات ما بات يعرف بـ"قمة الأرض" في ريو دي جانيرو عام 1992، والتي هدفت إلى تثبيت تركيز الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي عند مستوى لا يسمح بتغييرات خطيرة في النظام المناخي. كما نصت على الحد من انبعاثات 4 غازات دفيئة (ثاني أكسيد الكربون Carbon Dioxide، الميثان methane، أكسيد النيتروس Nitrous oxide، سداسي فلوريد الكبريت Sulfur hexafluoride)، ومجموعتين من الغازات (هيدروفلوروكربون Hydrofluorocarbon، والهيدروكربونات المشبعة بالفلور Fluorocarbon)، ورغم كون أرقام التخفيض في هذه المعاهدة متدنيّة جداً مقارنة بالتعهدات الجديدة، معظمها دون 10%، فإن الولايات المتحدة لم تصادق على هذه الاتفاق بسبب ما اعتبرته ارتفاعاً في كلفة الالتزامات المفروضة عليها اقتصادياً.

المملكة "المعيقة"

في هذا السياق، تكتسب بعض الدول العربية أهمية كبرى، ورغم ذلك "لم تقدم هذه الدول المساهمة المحددة وطنياً لتقليل الانبعاثات" حتى الآن. قامت الجزائر بتقديم تعهداتها، كذلك فعل لبنان والمغرب، التي تستضيف الدورة الثانية والعشرين لمؤتمر الأمم المتحدة بشأن المناخ، وقد تعهدت بخفض انبعاثاتها بنسبة 13% حتى عام 2030.

كما قام 60 عالماً مسلماً في أغسطس الماضي بإصدار بيان وصف بأنه "أول إعلان إسلامي بشأن التغير المناخي"، وطالب العلماء المنحدرون من 20 دولة مسلمة، الدول الغنية والمنتجة للنفط بإنهاء استخدام الوقود الأحفوري بحلول عام 2050، و"الالتزام بالطاقة المتجددة بنسبة 100%". كما حث البيان على تبني اتفاقية جديدة في باريس للحد من زيادة الحرارة، تقتصر على درجتين مئويتين أو "الأفضل درجة ونصف الدرجة مما كانت عليها قبل الثورة الصناعية".

ولكن في الناحية الأخرى، فإن الدول العربية والإسلامية ذات الأهمية ما زالت تعتبر طرفاً معطلاً في مفاوضات مقاومة التغيير المناخي، إذ "ما زال عدد من دول الشرق الأوسط، حيث تتركز صناعة النفط، لم تقدم إسهاماتها المحددة وطنياً لتقليل الانبعاثات، رغم أنها قضية أساسية وذات تأثير مباشر على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، بحسب ما تقول صفاء الجيوسي من Indyact. وتضيف أن "المملكة العربية السعودية من أكبر معرقلي العمل للحد من التغير المناخي"، إذ تعتبر ثاني أكبر منتج للنفط في العالم و"اللاعب المهيمن في أوبك"، ولم تقدم حتى الآن إسهاماتها أو أي تعهدات بخصوص التغير المناخي "على الرغم من التصريح بأنها ستقدمها".

ما زالت التعهدات التي قدمتها الدول الكبرى حتى الآن دون المستوى المطلوب للشعور بأي أثر قريب لهذه الجهود، وفي ظل هذا التقصير الذي تزيد منه مشاغل أرقام النمو الاقتصادي والصناعات الحربية، يمكن للدول العربية النفطية أن تلعب دوراً جوهرياً بعد أسابيع قليلة، في تشكيل اتفاقية ستغير مستقبل البشرية جمعاء.

مناف زيتون

كاتب ومدون وصحفي سوري.

كلمات مفتاحية
الـ22

التعليقات

المقال التالي