جدل في المغرب حول المساواة بين الرجل والمرأة في الإرث

جدل في المغرب حول المساواة بين الرجل والمرأة في الإرث

أثارت توصية المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول المناصفة بين الرجل والمرأة في الإرث، الجدل وسط الشارع المغربي حول الحريات الفردية. وأعادت إلى الأذهان النقاشات التي واكبت مواضيع حساسة مثل الإجهاض ومدونة الأسرة.

ودافع المجلس الوطني لحقوق الإنسان عن توصيته التي جاءت في تقريره الأخير، وعدّها مجرد آلية لتفعيل مدونة الأسرة. وفي الوقت الذي ساندت فيه قوى ليبرالية ويسارية توصية المجلس، رفضت قوى محافظة، وعلى رأسها الحزب الحاكم، رفضاً مطلقاً مناقشة الموضوع، معتبرة أن ذلك نوع من إثارة "الفتنة".

الإرث بين الرجل والمرأة

تشير مدونة الأسرة إلى أن الإرث هو "انتقال حق بموت مالكه بعد تصفية التركة لمن استحقه شرعاً، بلا تبرع ولا معاوضة"، وأن الورثة 4 أصناف: "وارث بالفرض فقط، ووارث بالتعصيب فقط، ووارث بهما جمعاً ووارث بهما انفراداً".

ويقول المحامي منير الشواف: "قبل الحديث عن توصية المجلس، لا بدّ من توضيح أن القرآن أقرّ مبدأ المساواة بين المرأة والرجل في جميع الحقوق والواجبات"، مشيراً إلى أن "الشريعة الإسلامية منحت المرأة حقها في الميراث بعد أن كانت محرومة منه في الجاهلية".

وأوضح أن "مصطلح المساواة سلاح ذو حدين، فقد نتفّق على المساواة في الحقوق، لكن حتماً سنختلف في تطبيقها على مستوى الواجبات". وعزا صعوبة تحقيق معادلة المساواة بين المرأة والرجل في جميع المجالات إلى محدد تكوين كل جنس.

ورأى الشواف أن "نسبة كبيرة من الرأي العام المغربي تعتقد أن نصيب المرأة من الإرث تلخصه الآية الكريمة "يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين"، لكن القرآن والسنة حتى المذهبين المالكي والحنفي، لم يضيعا المرأة في حقها من الإرث". وأضاف: "هناك حالات عديدة تحصل فيها المرأة على نصيب أكبر من الذكر. لهذا يصعب تحقيق المساواة في مجال الإرث، مع بعض الاستثناءات، وفقاً لدور كل من الرجل والمرأة في المجتمع".

وتابع أن "المشرّع المغربي أقر المساواة بين المرأة والرجل في الإرث من خلال الوصية الواجبة، وهي وصية إدارية، تمنح للموصي الرغبة في منح شخص أنثى أو ذكر حصة معينة، بشرط أن يكون الشخص الموصي إليه ليس من أصحاب الحقوق في الإرث، كما حدّد الثلث للمستفيد من الوصية ذكراً كان أم أنثى".

أقوال جاهزة

شارك غردتوصية حول المناصفة بين الرجل والمرأة في الإرث تشعل جدلاً حاداً في المغرب

شارك غردلأول مرة في العالم العربي، نقاش حول المساواة بين الرجل والمرأة في الإرث

وقد عبّر إدريس اليزمي، رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، عن اندهاشه من الانتقادات اللاذعة التي تلقاها المجلس، موضحاً في تصريحات إعلامية أن "التقرير لم يتحدث عن المساواة في الإرث فقط، بل ناقش مجموعة من المجالات، التي يرى أنه بات من الضروري إعمال مبدأ المناصفة بين الرجل والمرأة فيها". وأشار إلى أن "أسباب إصدار التقرير يدخل في إطار دور المجلس ومساهمته في تقييم السياسات العمومية للدولة للقوانين".

زعيم "البي جي دي" على رأس المعارضين

ولاقى التقرير سيلاً من الانتقادات من التيار المحافظ في المغرب، كان أشدها ما صرح به عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة المغربية والأمين العام لـحزب العدالة والتنمية، إذ طلب من إدريس اليزمي تقديم اعتذار للمغاربة وسحب التوصية. واتّهم المجلس ورئيسه بـ"إثارة الفتنة وسط المجتمع المغربي".

وبرّر ذلك كون "الإرث له علاقة بالدين وليس السياسة". موضحاً، في حديث لقناة "ميدي آن تيفي" المغربية، أن "الدين الإسلامي لا يمنع الاجتهاد، لكن على كل من يود الاجتهاد، أن يقدّم الأدلة الشرعية المقبولة عند المسلمين، وحينذاك يناقشه العلماء، لكن أن يدعوا بطريقة فجة إلى المناصفة في الإرث، فإنه يثير الفتنة لا غير". وفي السياق نفسه، أوضح مصطفى بنحمزة، رئيس المجلس العلمي لمدينة وجدة وعضو المجلس العلمي الأعلى، أن "في إثارة هذا الموضوع حطاً من قيمة المرأة، على أنها تعيش الفقر، وبتحقيق المساواة ستصبح غنية".

وقال لرصيف22: "الدعوة إلى تغيير نصيب المرأة من الإرث كونها أصبحت منفقة، ليست سليمة ما دام اتضح أنها كانت منفقة، ولكن على سبيل التطوع، لأن الشريعة لم تسلط الرجل على مالها، ولم تسمح له بأن يجبرها على الإنفاق". وأضاف: "خطاب المناصفة لا يتم تسويقه على بقية الديانات في العالم، فالمسيحية لا تسمح للمرأة بأن تكون مساوية للرجل في الوظائف الدينية، فالمرأة لا ترعى الكنيسة، ولا تنتخب البابا، ولا تنتخب رئيسة للكنيسة الكاثوليكية، والأمر نفسه يقاس على الديانتين اليهودية والبوذية وغيرهما، في حين نجد الدين الإسلامي وحده يتعرض لهجمات وانتقادات في موضوع المساواة، علماً أن هذا الدين أثبت للعالم أنه الوحيد الذي أنصف المرأة ومنحها كل حقوقها".

ورأى الحقوقي والمحامي عبد المالك زعزاع، أن اعتماد المجلس الوطني في توصيته على الفصل 19 من الدستور المغربي، "غير صحيح". مشيراً إلى أن "قراءة المجلس للفصل المذكور جاءت مبتورة ومغلوطة". وقال: "صحيح أن الفصل 19 تحدث عن المساواة بين الرجل والمرأة، ولكن شرط احترام ثوابت المملكة وقوانينها ومرجعيتها الدينية، وهي الإسلام".

التيار اليساري الأكثر مساندة للوصية

تزعّم حزب الأصالة والمعاصرة (معارضة)، تيّار مساندة التوصية، فأصدر بياناً عبّر فيه عن مساندته للمجلس، لافتاً إلى أن ما قام به يدخل في إطار "الدور المنوط به، في إطار الالتزام بالمواثيق الدولية والتشريعات الوطنية". وشدد على أن "من حقه، وفق اختصاصاته، إصدار التقارير المستدعية لمناقشات هادئة وموضوعية". ودعا الحزب إلى "التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، وإلى فتح النقاش في الفضاءات العمومية حول التقرير في شموليته وغيره من المواثيق الدولية التي صادقت عليها الحكومة المغربية".

ودافعت رئيسة الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة فوزية العسولي عن مقترح المجلس، وقالت: "ما جاء به المجلس يخدم مصلحة المرأة والمجتمع معاً، هذه التوصية ستضع المرأة المغربية في الطريق الصحيح، فقد أصبح لها في الوقت الراهن مهمات ومسؤوليات جسيمة، تجعل من حقها الحصول على حقوق الرجل نفسها". ولفتت إلى أن "الرابطة ستعمل كل ما في وسعها للدفاع عن هذه التوصية وتحقيقها على أرض الواقع".

يستمر الجدل

من الواضح أن الجدل سيتواصل إلى حين تدخل مؤسسة الافتاء، وهي المجلس العلمي الأعلى، رغم أنها رفضت الحديث عن "المساواة في الإرث بين المرأة والرجل" في السابق. وتردد بضعة مصادر أن التوصية الأخيرة أغضبت أعضاء المجلس، ومن المرجح أن يُصدر بياناً يستنكر فيه هذه الخطوة. في حين أكدت مصادر أخرى أنه من المقرر أن يتدخل الملك بصفته أميراً للمؤمنين للتحكيم في الموضوع، كما فعل في قضيتي الإجهاض ومدونة الأسرة.

التعليقات

المقال التالي