السوريون لم يتعرّفوا إلى أبناء وطنهم إلا بعد الثورة

السوريون لم يتعرّفوا إلى أبناء وطنهم إلا بعد الثورة

لا يعرف السوريون بعضهم بعضاً أو، بشكل أدقّ، هكذا كانوا. هي حقيقة كشفت عن نفسها في سنوات الحرب الماضية. فمع انطلاق الثورة، راحوا يتعرّفون إلى مناطقهم أكثر فأكثر، حين صارت مواضيعَ دائمة الحضور في نشرات الأخبار، وبعد أن هجرّتهم الحرب خارج وطنهم. هكذا، اختلطوا في المهاجر وعرف بعضهم عن بعض أموراً كان يجهلها.

الجهل السابق

لكل مدينة سورية طابعٌ خاص. ليس هناك مدينة تشبه مدينة أخرى. ولكل مدينة ثقافة خاصة وعادات وتقاليد، وصفات يشتهر أبناؤها بها وطريقة معيّنة في العيش. هذه أمور عادية. لكن الغريب هو مدى جهل السوريين السابق بهذه المسائل. لمدّةٍ طويلة، لم يكن أهل الشمال يعرفون شيئاً عن أهل الجنوب، والعكس صحيح، فراحوا ينسجون الخرافات بعضهم عن بعض أو كانت الخرافات تخبر لهم، فيصدقونها.

لم تندمج غالبية أبناء الأرياف في مجتمعات المدن التي هاجروا إليها. فقد تقوقعوا كجماعات صغيرة ضمن المدن الكبرى. كان لكل ريف حيّه الخاص في المدينة أو في ضواحيها، وإذا ما دخلته سيخيّل إليك أنّك صرت في قريتهم، لأنهم نقلوا عاداتهم معهم، من دون أدنى محاولة  للتماهي مع المجتمع الكبير، وتقليده.

عدم الاختلاط  بين الناس، كان نتيجة لسياسة الشائعات، وللمنظومة الإعلامية الكاملة التي سادت منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي حتى الآن. فقد كانت الأفكار الخاطئة عن المناطق تكرّس بشكل مبطّن في كل المؤسسات التربوية أو الإعلامية داخل الدولة. وساعدت في ذلك التقسيمات السكنية الواضحة جداً في أكثرية المدن السورية ذات المكوّنات الاجتماعية المختلفة، والتي لم تكن تقوم فقط على أساس ثنائية الريف والمدينة، بل أيضاً على أسس طائفية. ففي مدينة اللاذقية، هنالك حدود واضحة تفصل الأحياء العلوية عن الأحياء السنية والمسيحية. ولم تنج من هذه القسمة إلا منطقة واحدة في وسط المدينة.

آراء مخطئة

تشتهر محافظة درعا بالزراعة وبطابعها الريفي وهذا ما انعكس على النظرة إلى أبناء مدينة درعا. تمتلك بعض العائلات الكبيرة المنتشرة في المدينة الأراضي وتشتهر أخرى بعملها في التجارة. إلا أنّهم ليسوا عشائر، وتختلف ثقافتهم عن الثقافة البدوية. وكان أبناء درعا يتوجهون إلى دمشق بهدف الدراسة أو العمل. وكان رائجاً أن يتوجّه أحدُ الدمشقيين الأصليين، في جامعة دمشق، إلى زميله القادم من درعا بسؤال: "إنتوا بتعيشوا بخيم؟".

في المقابل، كان أهل الداخل يكوّنون مفارقاتهم الخاصة في شأن أهل الساحل وظنّوا أنّ كل بنات مدينتي اللاذقية وطرطوس يعملن في الدعارة، وإن لم يعملن فيها رسمياً فهنّ يمارسن العهر كهواية. والسبب في هذا الاعتقاد العجيب يتأتى من كون المدن الساحلية تتميّز بالانفتاح لأنها تعاملت تاريخياً مع ثقافات أخرى قادمة من البحر وهذا ما كان يصدم أبناء المحافظات الداخلية.

أقوال جاهزة

شارك غردكان رائجاً أن يتوجه أحد الدمشقيين إلى زميله الدرعاوي في جامعة دمشق بسؤال: "انتوا بتعيشوا بخيم؟"

شارك غردكان السوريون ينسجون الخرافات بعضهم عن بعض أو كانت الخرافات تخبر لهم، فيصدقونها

والمذهل أنّ بعض أهل الساحل يعتقدون تماماً بما يعتقد به أهل الداخل عنهم، ولكن مع تبادل للأدوار. فيقولون إنّ بنات المدن الوسطى كحماة وحمص يتعهّرن فور خروجهنّ من محافظاتهنّ إلى دمشق أو إلى مدن الساحل، وذلك بسبب الكبت الشديد الواقع عليهنّ في أسرهنّ المنغلقة.

كانت تنتشر الشائعات حول أبناء كلّ المدن السوريّة  تقريباً. فيقال عن أهل حمص إنّهم "جدبان" (مغفلون)، ويؤلف أبناء بقية المناطق السورية عنهم النكات المتأسسة على هذا المعتقد. ويقال عن أهل إدلب إنّهم مثليّو الجنس، وعن أهل دير الزور إنّهم متخلّفون جداً حتى أنّهم لا يستحمّون.

وأحياناً، امتزجت المفاهيم الخاطئة القائمة على أساسٍ مناطقي بالمفاهيم الخاطئة المنطلقة من أساس طائفي. فعن أبناء المناطق ذات اللون الواحد كمدينة السويداء الدرزية، كان رائجاً أن تسمع أحدهم يقول إن الموحدّين الدروز، على ما أخبرته جدّته، يكرمون ضيفهم وهذا صحيح، لكنّهم يذبحونه إذا ما نام عندهم، ومن هنا كان يُقال إن على الزائر أن يتناول طعام العشاء عند الدرزي، ثم يذهب لينام عند المسيحيّ. والطريف أن وجهة نظرٍ أخرى نافست الأولى بالقول إن ليس كلّ الدروز يذبحون ضيفهم في الليل، إنّما فقط أهل السويداء، فالدروز في محافظة إدلب براء من التهمّة. ومن الواضح أن السبب وراء تبرئة الأخيرين هو مخالطة أبناء بقية الطوائف لهم ومعرفتهم عن قرب.

التعارف في المهاجر

لم تكن هذه الخرافات مادّة تصدّقها كل أطياف الشعب، بدون تفكير. كانت هنالك شريحة واسعة من المتعلّمين، ممن هم على درجة جيّدة من الثقافة تكفي لأن يعرفوا أنّ هذه الأخبار كاذبة. إلّا أنّ هذا لم يكن ليمنع تداول شائعات كهذه ونشرها، ولو على سبيل الثرثرة، فقد يقول صديق لصديقه القادم من إدلب، على سبيل المزاح: "اقلب، أنت في إدلب"، وهي عبارة شهيرة متداولة بشكل كبير وتدلّ على فكرة سائدة مفادها أنّ أهل إدلب مثليّو الجنس.

بعد هروب السوريين من مناطقهم، بدأت دول المهجر تجمع أشخاصاً لم يسبق أن التقوا داخل وطنهم من قبل. ففي الخارج، اللاجئ السوري هو سوري فقط، لا يُصنّف على أساس انتمائه المناطقي. هكذا، راح السوريون يتعرّفون إلى أبناء وطنهم للمرة الأولى.

عرف السوريون أن ابن مدينة الرقّة يستعمل الـ"آيباد" مثلهم، وأن ابن حماة لا ينتمي بالضرورة إلى جماعة الإخوان المسلمين، وأن مدينة حماة فيها أربعة أحياء مسيحية ضخمة، وليس كل نسائها يرتدين النقاب في الشوارع.

التعارف نفسه حصل بين النازحين داخل سوريا. على سبيل المثال، تجاوز عدد أهل محافظة حلب الذين نزحوا إلى اللاذقية وطرطوس المليون ونصف المليون. بدأت المفاهيم المخطئة تتصحح تلقائياً، بعد حشر أبناء مناطق عدّة في مدنٍ تشهد هدوءاً أمنياً نسبياً، واضطرارهم إلى التواصل مع أشخاص جدد.

في بداية الثورة السورية التي انطلقت، باتفاق غالبية أطياف الشعب، من درعا، دخل الجيش السوري إلى تلك المدينة، في أواخر مارس 2011، وقام جنوده بمداهمة بيوتها. وبعد أن أنهى أحد الجنود، وهو شاب من مدينة طرطوس، تفتيش أحد البيوت، سأل ربّة البيت بدهشة عظيمة: "طالما عندكن كل هالتياب، ليش طلعتوا بالتظاهرات؟".

نشر هذا الموضوع على الموقع في 22.01.2015

التعليقات

المقال التالي