شاب تونسي يتصدّى وحيداً للقرار البريطاني بحظر السفر إلى بلاده

شاب تونسي يتصدّى وحيداً للقرار البريطاني بحظر السفر إلى بلاده

عقب الهجوم الإرهابي الذي استهدف منتجعاً سياحياً في مدينة سوسة التونسية، في يونيو الماضي، أوصت وزارة الخارجية البريطانية رعاياها بعدم السفر إلى تونس، كما دعت الموجودين فيها للمغادرة فوراً. وإزاء مخاطر هذا القرار على الاقتصاد الوطني، أطلق شاب تونسي مهاجر مبادرة فردية لكسر الحصار البريطاني.

فالقرار البريطاني شكل ضربةً قويةً للقطاع السياحي التونسي، إذ برغم تعثر هذا القطاع أصلاً، وبرغم معاناته ركوداً منذ ثورة يناير 2011، فهو مهم جداً في اقتصاد البلد ويسهم بنحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر قرابة 400 ألف فرصة عمل.

اعلان


ودفع القرار المذكور الشركات السياحية ووكالات الأسفار البريطانية إلى إلغاء حجوزاتها مع الفنادق التونسية والانسحاب من السوق المحلية على غرار عملاقة السياحة العالمية "توماس كوك" التي قرّرت إلغاء رحلاتها إلى تونس سنة 2015. وقد أوضحت الشركة أن قرارها جاء بناءً على آخر تحديث لوزارة الخارجية البريطانية المتعلق بنصائح السفر نحو تونس، علماً أن هذه الشركة تُرسل إلى تونس سنوياً أكثر من 700 ألف سائح.

ومعلوم أن السلطات التونسية قامت بمساعٍ رسمية لثني الخارجية البريطانية عن قرارها، إلا أن بريطانيا بقيت متمسكةً به لتخوفها من الوضع الأمني في البلاد. من هنا أتت مبادرة الشاب التونسي لإنقاذ السياحة التونسية بعيداً عن المسالك الرسمية، وذلك من خلال العمل الميداني والاشتغال على تغيير الصورة السائدة لتونس لدى الرأي العام البريطاني.

قرر مهدي الباهي أن يأخذ على عاتقه هذه القضية ولن يرتاح حتى تقرر السلطات البريطانية التراجع عن تحذيراتها بشأن الوضع الأمني في تونس وعودة السُياح البريطانيين، حسب قوله.

وقال مهدي لرصيف22: "انطلقت المُبادرة عقب العملية الإرهابية التي هزت مدينة سوسة، فقد تحولت تونس إلى أحد العناوين البارزة في وسائل الإعلام البريطانية وأصبحت رمزاً يحيل إلى الخوف والعنف. عندها أحسست أن سمعة بلدي أصبحت مهددة. حاولت في البداية الاتصال بعائلات الضحايا وأرسلت لهم باقات الورد تعبيراً عن التضامن معهم. وبموازاة ذلك، حاولت الاتصال بوسائل الإعلام المحلية والتدخل على منابرها لإقناع الجمهور البريطاني بأن تونس ليست بلداً حاضناً للإرهاب وبأن الشعب التونسي شعب متسامح وبأن التماهي بين تونس والإرهاب هو نقل لصورة غير واقعية".

وأضاف: "توجهت إلى وسائل التواصل الاجتماعي، فيسبوك وتوتير تحديداً، وأطلقت حملة "دعم تونس" #fco_support_tunisia وقد انتشرت بكثافة على هذه المواقع وبدأت أتلقى صوراً للعديد من المتضامنين مع تونس يحملون لافتات كُتب عليها: متضامنون مع تونس أو ندعم تونس".

شاب تونسي يتصدى وحيداً للقرار البريطاني بحظر السفر إلى بلاده - صورة 2

وتابع: "في ما بعد قررت النزول إلى الشارع وقُمت بوقفات احتجاجية وحيداً أمام مقر شركة "توماس كوك" التي شكل قرارها ضربةً موجعة للسياحة التونسية".

شاب تونسي يتصدى وحيداً للقرار البريطاني بحظر السفر إلى بلاده - صورة 1

هذه الخطوات كلها لفتت أنظار الإعلام البريطاني والتونسي وبدأت الحملة تأخذ زخماً كبيراً، وتعاظم سيل التضامن معها محلياً وعالمياً. وقال الباهي: "لاحقاً بدأت الوقفات الاحتجاجية الدورية التي كنت أنفذها تُشكل عنصر جذب للجالية التونسية في بريطانيا وبدأت أعداد المحتجين تتكاثر وفي كل مرة يصبح الاهتمام الإعلامي أكبر فأكبر وذلك دفع الراي العام المحلي إلى تغيير نظرته للوضع في تونس".

اختراق مجلس العموم

بعد أربعة أشهر من النشاط اليومي في الشارع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، تمكن مهدي من تحقيق خرق كبير، إذ توفرت له فرصة الوقوف أمام مجلس العموم البريطاني للحديث عن مبادرته وطرح وجهة نظره.

عن ذلك، روى: "في أواخر شهر أكتوبر الماضي تلقيتُ دعوةً من نائب بريطاني، وهو صديق لتونس، كي أحضر اجتماعاً بين مجموعة من النواب في مجلس العموم وبين السفارة التونسية في إطار الإعلان عن إطلاق مجموعة صداقة بين البرلمانيين التونسيين والبريطانيين. هذه المناسبة شكلت لي فرصة ثمينة لطرح موضوع المبادرة محاولاً إقناع ممثلي الشعب البريطاني بأن الوضع الأمني في تونس قد تحسن كثيراً وشعبنا شعب متسامح وما حصل من عمليات إرهابية ليس حالةً عامةً بل استثناء ظرفي".

//

جزء من ما قلته اليوم في البرلمان البريطاني.

Posted by Mehdi Behi on Thursday, October 29, 2015

وأكمل: "في الوقت نفسه التقيت السفير البريطاني في تونس خلال إحدى زياراته إلى لندن وحاولت إقناعه بوجهة نظري، فهو المخول إعطاء نظرة إيجابية لبلده لجهة تحسن الوضع الأمني في تونس. كما أطلقنا عريضة إلكترونية على شبكة الإنترنت تخص المبادرة كي يوقعها الجمهور البريطاني".

ويرى مهدي الباهي أن "الأمر ليس مستحيلاً خاصة أن كل المؤشرات تدل على تحسن الأوضاع في تونس". فقد أعلنت الخارجية البريطانية، في 7 أكتوبر الماضي، تخفيف تحذير سفر رعاياها إلى تونس مع نصحهم بعدم الذهاب إلى المناطق الحدودية مع الجزائر وليبيا.

وأشارت السلطات البريطانية إلى أن القرار جاء بعد "المجهود الذي تبذله السلطات التونسية في التصدي للإرهاب"، معتبرةً أن تونس أظهرت "تنسيقاً محكماً" مع بريطانيا في مجال التبادل الاستخباراتي، إلا أنها في المقابل أكدت أن التهديدات الإرهابية لا تزال قائمة.

لا مبالاة رسمية

وشكا مهدي من لامبالاة الهياكل الرسمية المكلفة بالإشراف على السياحة في تونس، وقال: "برغم الحماس الشديد الذي لاقته المبادرة في الشارع التونسي والدعم الكبير المعنوي الذي تلقيته من التونسيين المشتغلين في السياحة والشباب والطلبة والصحافيين ومؤسسات المجتمع المدني ونواب في مجلس الشعب، برغم ذلك كله لم نلقَ أي دعم من وزارة السياحة التونسية أو مكاتب الترويج السياحية الرسمية التابعة للدولة".

وتابع: "نحن في النهاية، مجرد أفراد لا يمكننا السير بعيداً، بالرغم من إصرارنا على السير بالمبادرة حتى النهاية، أي إلى حين رفع حظر السفر البريطاني إلى تونس. يحب أن تتحمل الدولة مسؤولياتها في إنقاذ القطاع السياحي وحفظ كرامة المشتغلين فيه الذين يتهددهم شبح البطالة كل يوم، فالعشرات من الفنادق والمنتجعات السياحية أغلقت أبوابها منذ هجومي سوسة وباردو وبات عمالها وموظفوها عاطلين عن العمل".

أحمد نظيف

صحافي تونسي يهتم بشؤون الجماعات الدينية والأقليات، مؤلف كتاب "بنادق سائحة: تونسيون في شبكة الجهاد العالمي". يحمل إجازة في الإعلام وإجازة في الإخراج.

التعليقات

المقال التالي