بعض من عوالم سوريا المغرية في وادي قنديل

بعض من عوالم سوريا المغرية في وادي قنديل

"ما يحدث في وادي قنديل، يبقى في وادي قنديل". هو اتفاق شبه موحد لدى فئة من الشباب السوريين الذين يخرجون إلى التخييم على شاطئ بلدة وادي قنديل شمال مدينة اللاذقية السورية.

هناك، اختبر الكثيرون عوالم خفية مغرية، الطبيعة المفتوحة للحب ولاختبارات الذهول الأولى للشباب، للحرية أحياناً، للسهر والعرق والنبيذ، وللجنس والحشيش. 

تبعد منطقة وادي قنديل عن اللاذقية، 25 كيلومتراً إلى الشمال. ومعروف أن الطبيعة في ريف اللاذقية الشمالي مروراً بكسب حتى الحدود التركية، هي من أجمل المناطق السورية لتداخل الظواهر الطبيعية كالجبال والأنهار وقربها الشديد من البحر. لكن ما يميز وادي قنديل، هو انه شاطئ جميل جداً، لم تمسه يد الشركات المستثمرة للسياحة في سوريا قبل 2011، ما جعله مساحةً مفتوحة إلى البحر والطبيعة بالنسبة إلى الفقراء، والطلاب، بما أن معظمهم لا يملكون المال الكافي للدخول إلى الشواطئ الأخرى.

بالإضافة إلى النقطة العسكرية التابعة للجيش السوري فوق الشاطئ مباشرة، وقربه من القصر الرئاسي الساحلي، الذي يقال إن الأسد يقضي فيه الكثير من وقته، أمران يحولان دون بناء أي مؤسسة سياحية قريبة، هي فقط بضعة أكواخ وشاليهات صغيرة، بأجور بسيطة جداً، للذين لا يرغبون بالتخييم على الشاطئ مباشرة. 

منذ سنوات عدة، بعد أن تسلم بشار الأسد رئاسة سوريا، تغيرت بعض سياسات الدولة في ما يتعلق بالمجتمع السوري وتركيبته. فقد فتحت عدة مساحات لممارسة طقوس اجتماعية حرة نوعاً ما، خصوصاً في دمشق والساحل، إذ كان عليها أن تثبت علمانيتها، وانفتاحها على الثقافات الأخرى غير الإسلامية بشكل رئيسي، فبدأت تكثر ظواهر سماع الموسيقى الغربية وتقليد المجتمع الغربي، وغيرها من العادات التي لم تكن ممكنة في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد.

أقوال جاهزة

شارك غرد"ما يحدث في وادي قنديل، يبقى في وادي قنديل"

شارك غردعن وادي قنديل السوري، حيث اختبر الكثيرون عوالم خفية مغرية

فسوريا في العهد القديم كانت تعيش في ظل قانون الطوارئ، الذي يقضي على أي فرصة لقيام تجمع بشري من أي شكل كان من دون موافقة أمنية وإجراءات معينة. لكن الأمور تغيرت قبل الثورة بأعوام قليلة، مع بقاء الأمر تحت مراقبة السلطة وحمايتها، فكان شاطئ وادي قنديل من هذه الفسح المتروكة للوسط الثقافي الشبابي الناشئ، وكان من الطبيعي أن يجذبهم مكان وسط الطبيعة، لأنه مجاني للتخييم، ولم يعرفوا شيئاً كهذا من قبل.

بالإضافة إلى مجانية الشاطئ، هو من المناطق القليلة جداً التي يستطيع أي شاب أن يحجز غرفة فيها من دون أن يسأله المضيف أو صاحب الأكواخ، عن دفتر العائلة، أو عن علاقته بالصبية التي ترافقه، على عكس الفنادق المهمة على الشواطئ الرئيسية الأخرى. 

بعض من عوالم سوريا المغرية في وادي قنديل السوري - صورة 1

مدافع وبكيني وحشيش

لحظة الوصول إلى وادي قنديل يظهر أمام الزائر مشهدان، الأول قبل الوصول إلى الشاطئ، مشهد صف طويل من المدافع العسكرية، الموجهة باتجاه الشمال، وسط غاباتٍ شديدة الخضرة، يخترقها نهر شبه راكد. والمشهد الثاني عند الوصول إلى الشاطئ، مجموعة من الناس يرتدون ثياب السباحة، حتى لو كان الوقت متأخراً من المساء، يحضرون أنفسهم للسهر والموسيقى، ويلقون أعقاب سجائر الحشيش في الرمل.

حين يحل الليل، تتغير الرؤية، وتصبح النار التي يشعلها الشباب هي الدليل الوحيد على مكان تجمعهم على الرمل. عدا ذلك، يمكن للشاب أن يمشي في الطريق الحجري الطويل المحاذي للبحر، لينفرد بحبيبته على  ضوء النجوم. أو يمكنهما أن يلقيا بنفسيهما في الماء كشكل من أشكال التوحد مع الطبيعة والحب.

للكحول أو الحشيش مع الموسيقى القدرة على خلق الكثير من الأفكار المجنونة، وقد شهد الوادي على قصص غريبة كثيرة وذكريات عدة. صبية تعرفت إلى شاب في ماء الوادي، سيتزوجان بعد فترة، وشاب يحكي قصة غريبة عن فتاة رآها في الوادي، ومارس معها الجنس، ولم يقدر أن يذكر اسمها في اليوم التالي. ومجموعة كبيرة من الغرباء، لا يعرفون بعضهم بعضاً جيداً، سهروا في الوادي، دخنوا الحشيش معاً، ونسوا الأمر في اليوم التالي. وحين يلقي السابح نظرة من الماء إلى الجنوب، سيرى المدافع ترقد على تلة فوقه، وتتوجه نحوه.

بعض من عوالم سوريا المغرية في وادي قنديل السوري - صورة 2

الحرمان من الوادي

منذ 3 أعوام، في يونيو 2012، اخترقت طائرة تركية النطاق الجوي السوري من الشمال، فتصدت لها مضادات الطيران في الوادي، وألبست المدافع التي قيل إنها أسقطت الطائرة التركية، العلم السوري بكل فخر. الأمر الذي أخاف الوافدين إلى الوادي قليلاً، فتوقفت الحركة فيه نحو 10 أيام، خصوصاً أن المعارك في ريف اللاذقية الشمالي كانت في أوجها. لكن الشباب عادوا بعد ذلك إلى متنفسهم، فلا شيء يمكنه أن يعوضهم عنه.

لكن السلطات السورية، على الرغم من مراقبتها الشديدة لما يحدث في الوادي، ومعرفتها الدقيقة لكل ما يحصل تحت مدافعها، فهي وإن فتحت المجال أمام كل ذلك، ستخاف من أي شكل من أشكال التجمع، لأن التجمعات أصلاً تتناقض مع عقلية السلطة في سوريا.

في صيف 2015، كانت الشائعات قد بدأت تنتشر في اللاذقية، وهي مدينة صغيرة وبيئة صالحة لانتشار الشائعات، أن الوادي أصبح مكاناً مشتبهاً به من قبل الأمن، وأن ما يحدث فيه هو طقوس غريبة عن المجتمع السوري، ويبتدعها غرباء. وفي بداية سبتمبر 2015 قام عناصر من الأمن الجنائي بعملية اعتقال جماعي لكل من كان في الوادي في ليلة واحدة.

يقول كمال، وهو اسم مستعار لشاب كان موجوداً في تلك الليلة واعتقل: "لبس رجال الأمن ثياباً مشابهة لثياب الشباب، ودخلوا بينهم، وطلبوا منهم تأمين الحشيش لهم، كأنهم أصدقاء. وقد اعتاد الناس في الوادي على تقديم كل شيء للضيوف من دون أن ينتبهوا للأمر. وفي اليوم التالي، بعد انتهاء سهرة الخميس، قدموا بسيارات كبيرة واعتقلوا الجميع".

بدأت المبالغات تحيط بالأمر، كقول البعض إنه تم اعتقال 400 من المقيمين في الخيم في الوادي، أو إن أحداً لم يسمع شيئاً في ما بعد عن كثير من الشباب الذين كانوا هناك، وغيرها الكثير من القصص. كان عدد الشباب الذين اعتقلوا نحو 50، أطلق سراح معظم الفتيات بعد ساعتين أو 3، وتم الاحتفاظ بـ30 شاباً، 14 منهم تمت إحالتهم إلى قسم مكافحة المخدرات في الأمن الجنائي، والقليل منهم أحيل إلى المحكمة، وخرج آخرهم بعد شهر ونصف الشهر من الحادثة. هجر الوادي بعدها تماماً، وانتهت قصصه، بالإضافة إلى انتهاء الموسم الصيفي أصلاً. 

مايا، طالبة في سنتها الدراسية الخامسة في الطب البشري في جامعة تشرين، كانت ممن اعتادوا الذهاب إلى الوادي لقضاء بعض الوقت الممتع مع الاصدقاء، فليس بالضرورة أن تكون الأمور صاخبة دائماً، يمكن لها أن تكون مجرد كأس من النبيذ، مع بعض الموسيقى وكتاب، تقول لرصيف22: "حرمنا من الوادي، لأن كل وافد إلى المنطقة، أصبح مشكوكاً فيه، وبعد هذه القصة الأخيرة تحديداً، أصبح الأمر مستحيلاً." وتضيف: "لا مانع لدي من رؤية أحد يدخن الحشيش، أو يفعل ما يحلو له، حتى لو كنت أنا لا أفعل هذه الأشياء، لكنني لا أريد أيضاً أن أعتقل، كما حدث مع الناس الذين ليس لهم علاقة بتلك الأمور أصلاً".

من طرائف ما حدث بعد تلك الحادثة، أن صفحات خاصة بمدينة اللاذقية على موقع Facebook، كتبت أن الشباب الذين اعتقلوا في وادي قنديل، كانوا يمارسون طقوساً أقرب إلى عبادة الشياطين، وهو السبب الكامن وراء اعتقالهم. 

كلمات مفتاحية
سوريا

التعليقات

المقال التالي