تراث بغداد يندثر على مرأى من أهلها

تراث بغداد يندثر على مرأى من أهلها

يتعرض التراث البغدادي إلى التدمير وتتشوّه معالمه بسبب الإهمال الرسمي الكبير الذي لحق به خلال السنوات العشر الماضية، فقد دُمرت منازل بغدادية تراثية كثيرة بهدف بناء بنايات حديثة مكانها.

انحسار مواقع تراثية

وانحسرت المواقع التراثية في بغداد إلى 658 بعد أن كانت 1300 موزعة على الرصافة والكرخ. ففي منطقة النهضة، وسط بغداد، يقع الباب الوسطاني الذي أنشىء في عهد الخليفة العباسي المستنصر بالله، عام 1095، لحماية بغداد من المخاطر القادمة من الشرق ومن فيضانات نهر دجلة. حالياً، تظهر عليه علامات الاندثار.

التراث البغدادي .. تراث بغداد يندثر على مرأى من أهلها - صورة 1

وقال سعد كريم، أحد المقيمين بالقرب من الباب، لرصيف22 إن "الباب الوسطاني يعاني اليوم من مشاكل كبيرة لأن أغلب أجزائه متآكلة، ولم يجر تأهيله برغم إنفاق أكثر من 750 مليون دينار (60 ألف دولار) قبل عامين لترميمه"، مبيناً أن "التراث البغدادي بصورة عامة مهمل بسبب ضعف الدولة".

التراث البغدادي .. تراث بغداد يندثر على مرأى من أهلها - صورة 2

وأضاف: "يوجد موظف واحد لحماية الباب الوسطاني بينما اللجان التابعة للدولة لم تزره منذ فترة طويلة مما يدل على أن تراثنا ليس في أيادٍ أمينة".

تغيّر ملامح شارع الرشيد

وفي المدة الأخيرة، تغيّرت ملامح شارع الرشيد الذي تأسس عام 1916 وتحول إلى مكان لا يمثل من تاريخ بغداد إلا الشيء البسيط، وذلك بعد زوال العديد من العمارات وتطوير أخرى. علماً أن هذا الشارع احتضن منازل بعض الشخصيات العراقية المعروفة من ثلاثينيات حتى سبعينيات القرن الماضي.

التراث البغدادي .. تراث بغداد يندثر على مرأى من أهلها - صورة 3

وقال المتخصص في حماية التراث البغدادي، مجيد الملا حميد، لرصيف22 إن "التراث البغدادي يعيش في أسوأ مراحله، لأنه تعرض إلى هجمة كبيرة من المسؤولين وأبنائهم، برغم أنه تراث غني"، لافتاً إلى أن "المدرسة المستنصرية تعرضت للتشويه بعد صيانتها إذ أضيف إليها مثلاً أنابيب بلاستيكية لتسريب مياه الأمطار التي تتجمّع على سطحها، وهذا مخالف للأصول".

وأكّد أنه "لا يوجد إحياء للتراث من خلال صيانته أو ترميمه كما يحصل في الدول الأوروبية. وحتى عندما قامت الدولة بصيانة بعض الأماكن التراثية، سيطر على عملها التشويه والخراب، وذلك لقيام غير المتخصصين بأعمال الترميم". وتابع: "شارع الرشيد الذي يعتبر مكاناً بارزاً في تاريخ العراق وكان يضم فنادق مهمة مثل سميراميس وألف ليلة وليلة وسكنته شخصيات عالمية كبيرة مثل أجاثا كريستي، هو في الوقت الراهن يحتضر وتحول إلى مكان لرمي النفايات".

أقوال جاهزة

شارك غردالتراث البغدادي يعيش في أسوأ مراحله لأن المسؤولين وأبناءهم يتناتشونه

شارك غردلم يبق من بغداد سوى شبح ملامح وخسرت ما تبقى لها من روح مع خسارة مبانيها وشوارعها التراثية

ويعتبر الكاتب عمار السواد إن "شارع الرشيد عنوان خيبة بغداد، فالمدينة التي اندثرت كل آثارها العباسية أو لم يبق منها سوى شبح ملامح، خسرت ما تبقى لها من روح حين خسرت شارع الرشيد"، مضيفاً "إننا أعدنا كل أشباح الماضي، لكننا لم نحترم آثار مدننا".

حالة المقاهي التراثية يرثى لها

التراث البغدادي .. تراث بغداد يندثر على مرأى من أهلها - صورة 4

في بغداد القديمة، العديد من المقاهي التراثية مثل مقهى الزهاوي للشاعر جميل صدقي الزهاوي، ومقهى الرصافي للشاعر عبد الغني الرصافي ومقهى الشابندر وغيرها. هذه المقاهي تعيش اليوم حالة يرثى لها. وبحسب المهندس التراثي عمر الجبوري إن "كل دول العالم تقوم بين فترة وأخرى بترميم تراثها، إلا العراق يتجاهله ولا يحترمه، والدليل أنه لدينا آلاف الأماكن التراثية المهملة والتي تعيش أيامها الأخيرة".

شارع المتنبي المضحك المبكي

التراث البغدادي .. تراث بغداد يندثر على مرأى من أهلها - صورة 5 شارع المتنبي بعد التفجير الذي طاله

وتعرض شارع المتنبي عام 2007 لتفجير كبير أدى إلى تدميره، وأعادت الدولة العراقية بناءه بأسلوب مختلف عن السابق. ولفت الجبوري إلى أن "دول العالم تقوم بصيانة أماكنها التراثية بدقة متناهية بينما الدولة العراقية عندما تقوم بصيانة مكان ما تهدمه ومن ثم تعيد أنشاءه بطريقة مضحكة ومبكية، ليس لها علاقة بالمكان، مثلما حدث مع شارع المتنبي".

التراث البغدادي .. تراث بغداد يندثر على مرأى من أهلها - صورة 7

اختفاء منازل بغداد

ويعتبر الجبوري أن "الأبنية البغدادية الجميلة دمرت على مرأى من سادة السلطة الذين لم يبدوا اهتماماً بذلك كأنهم ليسوا عراقيين أو بغداديين"، مضيفاً "في السابق كانت هناك قرارات صادرة عن الدولة تمنع المساس بها من أي طرف كان".

التراث البغدادي .. تراث بغداد يندثر على مرأى من أهلها - صورة 8

وكانت تمتاز منازل بغداد، من بين ما تمتاز به، بنقوش على جدرانها تدلّ على تنوّع مجتمعها. فهذا منزل عليه النجمة اليهودية وذاك عليه أسد فارسي وثالث عليه صليب. لذلك قال مجيد الملا حميد إن التراث البغدادي يمكن أن يكون بوابة لحل المشاكل الحالية في البلد، لأن بغداد القديمة كانت مثالاً للتماسك الاجتماعي وتضم الكثير من الديانات والقوميات.

التراث البغدادي .. تراث بغداد يندثر على مرأى من أهلها - صورة 9

ماذا سيبقى من بغداد؟

حذّر الجبوري من أنه في السنوات المقبلة لن نجد هوية بغدادية أو تراثاً بغدادياً أو إنساناً بغدادياً لأن هناك مشاريع مستمرة لتدميرها. واعترفت أمانة بغداد المسؤولة عن التراث بإخفاقها في الحفاظ على التراث أو تطويره. وقال المتحدث باسمها حكيم عبد الزهرة لرصيف22: "نمتلك دراسة لتطوير شارع الرشيد والمناطق المحصورة بينه وبين نهر دجلة وكل ما فيه من منازل تراثية وأسواق ومساجد، ولكن الظروف لم تسمح بتطبيقها"، لافتاً إلى أن "الأمانة أصدرت قراراً قضى بمنع إزالة أو ترميم هذه البيوت الأثرية".

وأكّد أن جميع خطط تطوير التراث البغدادي مؤجلة حتى إشعار آخر، برغم تنظيمنا مسابقة لتطوير التراث في الأعظمية والكاظمية.

التعليقات

المقال التالي