يوم ضربني الرئيس الشاذلي

يوم ضربني الرئيس الشاذلي

كان عمري تسعة أعوام حين قال لنا مدير المدرسة الوحيدة في القرية، سنة 1986، إنّ علينا أن نحضر بعد أربعة أيام باكراً إلى المدرسة ليتمّ نقلنا في حافلة خاصة إلى مدينة المنصورة حتى نشارك في الاستقبال المعدّ للرئيس الشاذلي بن جديد، الذي سيزور ولايتنا، برج بوعريريج، ليدشن مشاريع، ويعلن عن أخرى. وقد طُلب منا أن نختار أحسن ثيابنا لنكون في مستوى المناسبة.

عدنا في المساء إلى البيوت فأخبرنا أُسَرَنا بذلك، وهنا بدأت الأمهات القرويات في إعداد أولادهن لمقابلة الرئيس. في الحقيقة ليس جديداً على الجزائري منذ ولادته أن يتمّ إعداده للحاكم، لا للحكم. لذلك، فقد راجت في تلك الأيام تجارة الدجاج البلدي والديك الرومي والأرانب المنزلية والسمن بين نساء القرية، حتى يضمنّ مالاً يشترين به ثياباً جديدة من السوق الأسبوعية لأطفال سيستقبلهم رئيس البلاد. وقد تمنيت يومها أن يكثر من زياراته حتى تكون لنا ملابس جديدة.

يومها، كنت صديقاً وفياً للمذياع، ما جعلني على علم باسم الرئيس، وببعض من تاريخه، وبتشكيلته الحكومية. فالمذياع كان مدرستي الأولى، لكنني لم أكن أعرف صورته، لأن لا كهرباء في القرية، وبالتالي فلا وجود للتلفزة فيها. وهنا راح الخيال يلعب دوره في رسم صورة له، ثم محوها لرسم صورة أخرى فمحوها حتى نال مني النوم.

رأيت في ما يرى النائم رجلاً طويلاً ووسيماً ومشلغماً ومرتدياً ثياباً برّاقة فوق حصان أبيض تكاد حوافره لا تلامس الأرض لنشاطه، وهو يقترب من قرية أولاد جحيش. ثم رأيت سكان القرية يخرجون لاستقباله وهم يهتفون: "يحيا الشاذلي... يحيا الشاذلي"، فرحت أهتف معهم، وأخترق صفوفهم حتى أكون أقرب إليه منهم. ثم توقّف حصان الرئيس في المرجة وأشار إلي راكبُه، فتقدمت. طلب مني أن أمسك باللجام حتى يترجّل ففعلت. وما أن وطأت قدماه الأرض حتى أفلتّ الحصان فراح يركض بعيداً في البرية.

انتزع الرئيس عصا من شيخ كان يهتف باسمه وراح يضربني بها ضرباً لا رحمة فيه، والناس يهتفون. الرئيس يضربني وأهلي يهتفون باسمه. لم أصرخ، لم أحتجّ، لم أبكِ، ثم فجأة توقف عن ضربي مشيراً إلى الغاشي بأن ينوبوا عنه في ذلك، فهجموا علي. في تلك اللحظة صحوت مذعوراً من النوم وأنا أرتعد.

- ما بك يا ولد؟

- ضربني الرئيس، ضربني الشاذلي.

- أرقد! يضربك جنّ.

كانت المرة الأولى التي أرى فيها مركبة ضخمة بذلك الشكل، أقصد الحافلة التي أرسلوها من الولاية لتحملنا إلى مدينة المنصورة لاستقبال الرئيس. كدت أن أفرّ فيما أنا أُدعى للركوب حين تذكّرت المنام. ما يدريني أن الرئيس لن يضربني فعلاً؟ كان الجميع يرتدون ثياباً جديدة، بعضهم بثمن ديك رومي، وبعضهم بثمن دجاجتين وبعضهم بثمن ليترين من السمن، أما أنا فقد كنت أرتدي ما كان أربعة أرانبَ، باعتها أمي لعجوز تستعد ابنتها لأن تضع مولوداً.

أقوال جاهزة

شارك غردفي الحقيقة ليس جديداً على الجزائري منذ ولادته أن يتمّ إعداده للحاكم، لا للحكم

شارك غردكان الرئيس يحيا في الكلمات، وكنت أنا أموت بعيداً عن أي انتباه. أليس هذا وضع الشاب الجزائري منذ فجر الاستقلال؟

لم تكن الطريق معبّدةً يومها. لذلك فقد كانت الحافلة تهتز بنا فتقذف الأمعاءُ ما دخلها من حليب الماعز صباحاً. وحدي لم أتقيأ لأنني لم آكل شيئاً تحت تأثير الخوف الذي حقنني به المنام. كان المعلّمون يلقّنوننا كيف يجب أن نتصرف حين نصل وماذا نقول، وكنت مشغولاً عنهم بمسح ما يمرّ حولي بعينيَّ من خلال زجاج الحافلة علّني أرى حصان الرئيس.

THIN BANNERS FOR MID ARTICLE - Beatings6

حين وصلنا إلى المكان كاد قلبي يخرج من فمي. ما أكثر التلاميذ الذين جيء بهم مثلنا. هل يعقل أن يختارني الرئيس من بينهم جميعاً ليضربني؟ ثم كيف سيراني وأنا سأختار الصفوف الخلفية؟ فكرت في أن أتسرّب من بين الجميع وأفرّ إلى بيت أخوالي الذين كانوا يقيمون في تلك المدينة. وفي اللحظة التي قلت في نفسي إنها فكرة جيدة، قال لي مدير المدرسة إنّ علي أن أرافق هذا الشاب وأطيع أوامره. كان أحد قادة الكشافة، وكان مكلفاً أن يختار، بالتنسيق مع مدراء المدارس، أنجبَ التلاميذ ليكوّن منهم كوكبة تكون في متناول الرئيس لمصافحته. لم أندم في حياتي على اجتهادي إلا مرتين: في هذه المرة، وفي مرة أخرى لا أملك الجرأة على ذكرها الآن.

الشمس تشوي الأبدان، والعطش يشوي الحلوق، والجوع يشوي البطون، وموكب الرئيس تأخر من التاسعة صباحاً، موعد وصولنا، إلى الواحدة زوالاً. كان الجميع يتمنّى وصوله ما عداي، فقد كنت أدعو الله بحرارة أن يموت فلا أراه ولا يراني، إذ سأصير أضحوكة إن هو ضربني أمام هذه الحشود الوافدة من كل أعراش المنطقة. وفجأة انتفخت الحناجر:

"يحيا الشاذلي

يحيا الشاذلي

يحيا الشاذلي"

كان الرئيس يحيا في الكلمات، وكنت أنا أموت بعيداً عن أي انتباه. أليس هذا وضع الشاب الجزائري منذ فجر الاستقلال؟

التعليقات

المقال التالي