على الحائط أكتب "مدرستي جميلة، نظيفة ومتطورة"

على الحائط أكتب "مدرستي جميلة، نظيفة ومتطورة"

قال لنا معلم الديانة في المدرسة جملة بليغة ذات مرة. كنا في نهاية المرحلة الإعدادية، في حوالي الثالثة عشرة. طلب منا ألا نفتي عندما يسألنا أحد سؤالاً في الدين. والفتيْ (الإفتاء) في العامية المصرية الحديثة يعني إطلاق الأحكام بغير علم. "أوعى تفتي". وكالعادة من أي معلم ناجح، طرح علينا الأمثلة "لو حد سألك على العادة السرية، حرام ولا حلال، قلّه حرام على طول. أوعى تفتي". شكراً لمعلم الديانة. علّمْتنا فعلاً ألا نفتي بغير بيّنة، ولكن ماذا كانت بينتك؟ هذا غير مهم.

المهم، طول الوقت في المدرسة، كما في أي مكان، يكون ما نتعلّمه هو الدرس الخارج عن المنهج، الدرس الذي يأتي عرضاً، والذي لم تعمل حسابه السلطة التعليمية. مثلاً، أذكر الأستاذ محيي مدرس الفلسفة. أستاذ سليط اللسان كما يجدر بمدرس في مدرسة للمراهقين. كان يسبّ الطلبة بأمهاتهم وأعضائهم التناسلية بطريقة سوقية، (في الحقيقة، لم تكن هناك طريقة غير سوقية لسبّ الطلبة بأعضائهم التناسلية)، كما كان يسبّ المدرسين الذين لم يكونوا يحتملونه. قالوا إنه يملك مصنعاً ويجالس عمّاله، ومنهم تعلم الكلام بهذه الطريقة. العمّال كانت كلمة مفتاحية.

مرّة قال لنا الأستاذ محيي جملة عن جمال عبد الناصر: "أنا أريد العلم للمجتمع ولا أريد العلم للعلم". لا أنسى حنينه عندما نطق إسم عبد الناصر. كان يحدثّنا، بطريقته السوقية أيضاً، عن الميتافيزيقا، عن الفلسفات اليسارية ورفضها للميتافيزيقا. لم يكن يدافع أو يهاجم، كان يشرح فقط. بذاءته، حديثه في أمور كنت قد بدأت القراءة عنها ولم أصادفها في المدرسة ولا في غيرها، انتماؤه الناصري/ شبه اليساري، كل هذا علمني أشياء لم أتعلمها من المنهج الدراسي.

لم أكن أتحدث كثيراً في الفصل. لم أكن من المتفوقين أبداً، كما أنني لم أكن طفلاً "شقياً" يقفز من فوق السور ويشرب البانغو ويعاكس طالبات مدرسة البنات المجاورة لنا. كان هذا هو أسوأ خليط، طول الوقت في المدرسة يكون هناك المهذبون المتفوّقون المملّون، بجانب الأشقياء الظرفاء غير المتفوقين. أنا جمعت أسوأ ما في الفريقين: بلادة الحياة والدراسة معاً. كان هذا هو جحيمي الخاص. كنت كمن خسر دنياه ولم يكسب آخرته. متآمر وأهبل، على حسب الدعابة المصرية الشهيرة.

THIN BANNERS FOR MID ARTICLE - Beatings6

ذكرياتي مع المدرسة لم تكن طيّبة إطلاقاً. بالتحديد في فترة المرحلة الثانوية، حينما يبدأ الطفل في البلوغ. مدرّساتي كن جميلات، على الأقل جميلات بالنسبة لطلبة مدرسة للمراهقين. وكان هذا جحيماً آخر، فكوني مراهقاً مهذباً كان يمنعني من التعبير عن رغباتي إزاءهن، وكوني تلميذاً "بليداً" (غير متفوق، بالعامية المصرية المدرسية)، كان يمنعهن من الاهتمام بي بجدية. مرة أخرى، كنت كمن خسر دنياه وآخرته.

أقوال جاهزة

شارك غردكما في أي مكان، يكون ما نتعلمه هو الدرس الخارج عن المنهج، الذي يأتي عرضاً، والذي لم تعمل حسابه السلطة التعليمية

شارك غردطبعاً، هذا كله لم يمنع أن أكون كل عام من طاقم الطلبة الذين يكتبون على جدار مدرستهم "مدرستي جميلة، نظيفة ومتطورة"...

ما الذي أجدته، إذاً، وقتها في المدرسة؟ اللغة العربية. أجدت قراءة النصوص الأدبية واستخراج "مواطن الجمال" منها، كما كان يطلب منا آنذاك، ولم أُجدِ النحو. ظل النحو بالنسبة لي علماً سقيماً ومعقداً. كنت وقتها قد عقدت العزم على أن أصبح كاتباً، وكانت قراءة الروايات بالنسبة لي هواية يظنها الأهل والمدرسة تعطيلاً عن الدروس، ولكنها رغماً عن نظرتهم أفادتني في دروس العربية. كيف أفادتني؟ ببساطة، كنت أؤلف، ليس بمعنى تأليف الكتب، وإنما بمعنى "الإفتاء بغير علم"، في اختبارات اللغة العربية. بعدة مصطلحات تعلمتها من الكتب التي كنت أقرأها، استطعت دائماً إبهار مصحّحي الامتحانات. لم أكن أكتب شيئاً في المنهج. لا أكثر من خليط من عدة مصطلحات متنافرة تبهر المصحّح وتقنعه أنه أمام فيلسوف صغير.

على الحائط أكتب "مدرستي جميلة، نظيفة ومتطورة"

هذا حدث في اختبارات اللغة الفرنسية أيضاً. استطعت تركيب جملة واحدة بالفرنسية: "أنا أريد. أنا أريد، ولكني لا أستطيع" أو "جو فو جو فو ميه جو نو بو باه". الجملة التي حملت بلاغة شاعرية في ذلك الوقت اجتذبت اهتمام مصحّحي الامتحانات. وانتبهت أنا لهذا، فأصبحت أضع الجملة في أية فقرة يطلب منا تحريرها. "اكتب عن المكان الذي تريد قضاء الأجازة فيه": جو فو جو فو ميه جو نو بو باه أنا. "اكتب عن مشاعرك تجاه أمك": جو فو جو فو ميه جو نو بو باه. كانت الجملة هي ورقتي الرابحة في أي اختبار. والحمد لله، تجاوزت جميع الاختبارات، ونسيت الفرنسية.

طبعاً، أعني بالتأكيد، هذا كله لم يمنع أن أكون كل عام من طاقم الطلبة الذين يكتبون على جدار مدرستهم: "مدرستي جميلة، نظيفة ومتطورة".

التعليقات

المقال التالي